إبراهيم قاسم يوسف - لبنان

على كرسي لويس الرابع عشر: ج1

ملاحظة من الكاتب: هذه الحكاية لم أروها في موضوع: "عندما تركت سكني في المدينة"، النص المنشور مؤخرا في ثلاثة أجزاء، اعتقادا مني أن الحكاية تستحق أن أخصّص لها موضوعا مستقلا، لا سيما أنني تذكرت الواقعة وأنا أقرأ في العدد 107 من "عود الند" موضوع الكاتبة لبنى ياسين: "ألوان لا تليق بالفقراء".

حينما وصلت إلى باريس؛ كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، والصقيع يخترق الثياب الصوفيّة الدافئة ويتغلغل في لبّ العظام. وصلتها بالقطار القادم من تولوز؛ في أقصى جنوب الجمهوريّة الخامسة، التي ناوأ شبابها وطلابها شارل ديغول القائد الرئيس، واعترضوا على سياسته الداخلية "المهترئة" واتهموه بالخرف، فقدّم استقالته إثر استفتاء شعبيّ صريح، لم ينل فيه النسبة المئوية التي حددها لنفسه. صدق الرجل مع قناعاته وترك منصبه مختارا. ثم انزوى في بلدة نائية ومنزل متواضع معزول إلى أن وافته المنيّة، فمات عظيما مثلما عاش. قضى على نحو مفاجىء وهو يتابع أخبار المساء، ويجلس على كرسي من القش يليق بتواضع العظماء.

بانثيون باريسبلغت الفندق الواحدة والنصف ليلا؛ حيث حجزت فيه غرفة لعشرة أيام، ويدعى "فندق الرجال العظام" تيمّنا بالعظماء المجلّين من الفلاسفة والكتّاب والشعراء والرسامين والعلماء والقادة والسياسيين ورموز الثورة الفرنسية، وماري كوري (1) المرأة الوحيدة ممن دفنوا في الپانتيون (2) المقبرة المقابلة للفندق.

أما شارل ديغول فمدفون في"كولومبي لدو زغليز"ن بعيدا من الحيّ اللاتيني ومهابة البانتيون، بناء على رغبته في وصيّة مكتوبة. لاحقا جرى تأبينه والصلاة عن راحة نفسه في كنيسة "نوتر دام دو باري" من قبل كبار رجالات العالم وقادته، بناء على دعوة من الحكومة الفرنسية خالفت وصيّة الراحل الكبير.

هذا الفندق يوحي اسمه بالعظمة والمكانة العالية المرموقة، لكنه متواضع الأثاث من الداخل ولا يخلو من بعض الصراصير، التي تستوطن في الحمامات وأرضية الخشب. وخال بطبيعة الحال من أيّ نجوم، كما تشير لوحة الإعلان الخارجية المثبّتة على حائط شرفة الطبقة الثالثة، التي تطل على"الكولاج دي فرانس" "والسربون" في "الحيّ اللاتيني"، حيثما تخرّجت ابنتي في الترجمة ومصطلحات علم الكلام؛ وقد نالت منحة للدراسات العليا من إدارة الجامعة بلا تدخل أو شفاعة من أحد. حدث ذلك بعد رحلتي هذه بعقود طويلة. ابنتي ضوء عيني وعكازي وذخيرتي في كبري. كما يطل الحي اللاتيني هذا من إحدى نوافذه على سهيل إدريس (3)، ومجلة الآداب ذات التاريخ المشرّف العريق.

أذهلتني المفاجأة وأطاحت بصوابي فأربكتني لبعض الوقت؛ وموظفة الاستقبال تتنصّل من مسؤوليتها أمامي، وتؤكد لي أنني لم أوضح لها في اتصالي الهاتفي من تولوز، أن تاريخ حجز الغرفة يسري اعتبارا من مساء اليوم، ففهمتْ أو توهّمتْ أنني سأصل إلى باريس الواحدة بعد ظهر اليوم التالي، لا الواحدة بعد منتصف هذه الليلة. كنت على يقين أنني أبلغتها بوضوح لا لبس فيه عن موعد وصولي. لكن لا فرق نسيتْ أو تذكرت فقد وقع المحظور وأمسيت بلا مأوى.

وكانت كل الغرف الأخرى في الفندق مليئة بالنزلاء. "كومبليه" كما قالت؛ بل معظم الفنادق المنتشرة في أرجاء المدينة، كانت تكتظ بفيض من الزوار المشاركين في معرض "بورجيه" للطيران، وأنا واحد ممن قدموا إلى باريس للغاية نفسها. هذا المعرض السنوي الضخم يشكل حدثا موسميّا بارزا؛ يقام لمختلف أنواع الطائرات، المدنيّة منها والعسكريّة تأتي من مختلف القارات، تتخلله العروض والتشكيلات الجوية البهلوانية المدهشة لبعض الطائرات الحربية الحديثة "عنوان الدمار السريع؛ والقتل الجماعي المنظّم في عصر تميّز بالأهمية الحضارية"، ويؤمه ملايين المهتمين من المدعويين والمستثمرين وقادة الجيوش وتجار السلاح، للتعاقد وشراء الطائرات التجارية والعسكرية، ممن قدموا من الأقطار العربية خاصة؛ ومن العالم أجمع.

لم تشفع لموظفة الاستقبال أناقتها وجمال وجهها وعينيها، ولا التنورة "الميكرو" التي لا تغطي كامل الأرض الحرام، فعلا صوتي معها احتجاجا على الورطة التي أوقعتني فيها؛ وعلى تقصيرها في أداء وظيفتها، وعلا صوتها معي في الدفاع عن نفسها. توسّلت ضمير المخاطب المفرد (TU) في الحديث معها لاستفزازها والنيل منها. وردّت عليّ بكثير من السلبيّة والتّحدي بالصيغة ذاتها.

كاد الموقف يخرج عن السيطرة، وينقلب إلى شتائم متبادلة لولا أنني كظمت غيظي، فردّات الفعل العصبيّة لم تعد تجدي ولا تنفع. لعنت الشيطان ولعنتها في سري، ولجأت في باطني أتلو آية الكرسي.

"بم التّعلل لا أهل ولا وطن = = ولا نديم ولا كأس ولا سكن". كنت في حالة من اليأس والإرهاق؛ والارتباك الشديد، لا سيما وأن مفاعيل الصراخ بيني وبينها لم تؤد إلى نتيجة إيجابيّة في مصلحتي، فأنّى لبائس مثلي وقد تدهورت علاقتي بها إلى حدّها الأقصى، أن يجد من يفتش له عن غرفة وسرير دافىء في فندق آخر أو "پانسيون" أو حتى في "خمّ للدّجاج" أقضي فيه ما تبقى من هذا الليل البهيم؟

ما العمل والساعة أشرفت على الثانية صباحا وبرودة الطقس في الخارج لا ترحم، فلا يكاد يتحملها من كان بين جنبيه لحم ودم؟ طار صوابي من جديد "وبنت الحرام" تمعن في تحدّيها لي، حينما انصرفتْ عنّي إلى مجلة بين يديها، وأعادتني مرة أخرى إلى دائرة الثورة والجنون.

أفاقتْ "غازويل" صاحبة الفندق على الصراخ المتبادل، وتنام السيدة في الطبقة الأولى مقابل "كنتوار" الاستقبال، لتكون على دراية بما يحدث في الفندق لحظة بلحظة، امرأة لم تتعد الخمسين من عمرها؛ رشيقة القدّ مزرورقة العينين كأزهار البنفسج؛ أو كما الآلهة أثينا. يتراءى لمن يراها كأنها لم تتجاوزعتبة الثلاثين، فلم تخسر بعد شيئا من شبابها ونضارة أنوثتها.

بالرغم من تعاستي وجوعي وإرهاقي؛ فلم أهمل المزيد من التدقيق في ملامحها. أتت في قميص النوم وخفّ نيليّ من "السّاتان" مع ابتسامة مشرقة خففت التوتر بيننا؛ وتقدمت إلي باقتراح تسهيلا لأمري وحسما للجدل. ويقضي الاقتراح أن أنام مكان "ڤيكي" في غرفتها.

الخزي واللعنة والعار على الشيطان. " قل أعوذ برب الناس. ملك الناس. إله الناس. من شر الوسواس الخنّاس. الذي يوسوس في صدور الناس". صدمتني المفاجأة والدّهشة والحرج وطار تعبي وجوعي، فكيف يصحّ لبدويّ مثلي مولود في صحراء الربع الخالي؛ حملته الصدفة إلى باريس وابتليتْ نفسه بعطش صحراوي قديم، أن ينام في غرفة زوج وزوجة، أو ربما امرأة وصديقها. لا أدري. امرأة لم تحجب عن عيني مفاتنها. لا، هذه مسألة لا تليق بإنسان سويّ يعيش على مشارف بداية القرن الواحد والعشرين، ويتمتع بالحد الأدنى من اللياقة والذوق السليم.

أرهقني الارتباك والتفكير السريع والمغامرة غير المتوقّعة، والسيدة لا تنفك تراقبني وتنتظر إجابتي. ألهبت خيالي باقتراحها المفاجىء الذي صفعني بشدّة وأوجعني ولم يكن ليخطر في بالي، وهي تكرر على مسامعي أن المسألة وإن تكن محرجة لي ولها، إلاّ أنّ اقتراحها هو أبسط الحلول، فلن أصل قبل طلوع الفجر في هذا الطقس العاصف الرديء إلى "أورليون پالاس أوتيل"، الفندق الذي تكرّمتْ ووجدتْ فيه موظفة الاستقبال؛ مكانا لي أبات فيه ما تبقّى من ليلتي المنكودة أو المحظوظة؛ لست أدري.

وكان مما ليس منه بد، وأنا أتهيب الموقف وأحمّل نفسي فوق طاقتها، وأفترض في مخيلتي ما عساه يقول لي ڤيكتور أو ڤيكي، زوجها أو صديقها- لا أدري؛ وهي تطالبه أن يغادر سريره من أجلي، وكيف أردّ على خطابه واعتراضه أو سوى ذلك. ربما كانت السيّدة مطلّقة أو أرملة مات زوجها. لا فرق في شتّى الحالات؛ فمن أبسط حقوق المرأة الأرملة أو المطلقة أن تحظى برجل صديق. أربكتني المفاجأة مرة أخرى؛ ونحن ندخل الغرفة وأكتشف أن ڤيكي هذا هو كلبها المحروس. وقع المحظور. هذا هو الخمّ الذي تمنيته. فعلام ألوم نفسي وأعاتبها.

شكرتها على سخائها معي؛ فتنازلت عن كبريائي وقبلت عرضها "الطيّب"، لقضاء الساعات الأخيرة من ليلتي الخاوية السوداء، حيث كان ثالثنا الكلب لا الشيطان.

ما يؤلم ويبعث على سخرية القدر، أنني في باريس وفي فندق "الرجال العظام" وإلى جوار "مقبرة العظماء"، أنا العربيّ الأبيّ من سلالة المتنبي الذي "صحبت الوحش في الفلوات منفردا = = حتى تعجّب مني القور والأكم". كيف تهزمني الغربة وسوء الطالع، فلا أجد لنفسي مكانا أبات فيه غير مكان ڤيكي كلب السيدة غازويل، النائم على كنبة واسعة وثيرة. لا بأس أن ينعم بالراحة عليها تاعس مثلي، نسيتْ أمّه أن تدعو له في هذه الليلة المدلهمة العمياء.

تبخّر آخر الأحلام من رأسي. وقد عمدت السيدة إلى إيقاظ ڤيكي برقّة يحسد عليها، فلاطفت صوفه الأبيض بأطراف أناملها، وقبّلته وحضنته بحنان بين ذراعيها لكي ينام في السرير إلى جانبها. من شدة لهفتي إلى النوم وتعبي وانكساري وبردي وحسدي لفيكي؛ وحظي العاثر وشوقي إلى أمي. ما إن وضعت رأسي على وسادة هذا المخلوق المدلل أكثر من معظم الآدميين في بلدان العالم النامي، حتى استسلمت في مناخ الفندق الدافىء إلى نوم عميق، فلم أصح قبل العاشرة من صباح اليوم التالي، حينما انتقلت إلى الغرفة المجاورة التي حجزوها لسعادة هذا الذي نام في سرير الكلب، ابن الكلب.

قبل أن أنتقل من غرفة غازويل إلى غرفتي، ليعود ڤيكي إلى سريره بالسلامة، فتحت حقيبتي وقدّمت للسيدة مضيفتي التي أشفقتْ على حالي وسامحتني بأجرة الليلة وثمن القهوة، حاملة للمفاتيح من الفضّة النقيّة والعاج الناعم المصقول؛ مطعّمة ببعض الأحجار الجميلة والخرز الملون، من "أرتيزنا الصناعة الجزّينيّة" الرائعة التي تبْيضّ لمنظرها الوجوه، وتركت لها نصف كيلوغرام من بن "المحمصاني" في فرعه على جادة بشارة الخوري؛ البن اليمني الممتاز، وشرحت لها كيف تعدّ القهوة على طريقتنا مع قليل من السكر، ثم أطعمتها قطعتين من "بقلاوة" كنت قد حملتها معي من حلويات "الصّمدي" في بيروت.

أكلت الحلوى، وتلمّظتْ، ولحستْ أصابعها، وتأملتْ حاملة المفاتيح بإعجاب شديد، ودفنتْ أنفها في الكيس وشمّتْ بعمق رائحة البن اليمني والهال- "الحبّهان"، ثمّ تنهّدت من أعماق قلبها وقالت: "مون ديو" (يا ربّي). بسرعة توثقتْ علاقتنا. فاقترحتْ عليّ في الأيام التالية على وصولي، أن تكون رفيقتي ودليلي الأحد المقبل بعد يومين، إلى قصر لويس الرابع عشر في "ڤرساي" من ضواحي العاصمة باريس.

يتبع

= = = = =

(1) بعض غلاة اللبنانيين ينسبون ماري كوري إليهم، فيقولون: إنها ماري خوري (KHOURY) من أصول لبنانية.

(2) الپانتيون: مقبرة العظماء في باريس.

(3) الحي اللاتيني: روياة للدكتور سهيل إدريس، خريج جامعة السربون، ومن مؤسسي مجلة الآداب.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3296033

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC