د. يسري عبد الغني عبد الله - مصر

أعمدة الأدب العربي

يسري عبد الله
يسري عبد الله

ثمة من يرى أن أربعة مؤلفات تعد أعمدة للأدب العربي، وهي كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب الآمالي لأبي علي القالي، وكتاب البيان والتبيين للجاحظ، وكتاب العقد الفريد لأحمد بن عبد ربه. واعتقدت الأجيال المتلاحقة أن هذه الكتب الأربعة هي أعمدة الأدب العربي، حتى أن أستاذي الدكتور علي الجندي الذي كان يدرس لنا الأدب الجاهلي في كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، كان يطلب منا مطالعة كتاب الآمالي لأبي علي القالي وحفظ ما تيسر منه، وهو كتاب سخيف، وصاحبه أسخف منه، ولن تجد فيه غير بعض النصوص الشعرية أو النثرية، والشروح اللغوية، وبعض الحكايات التي لا يكملها صاحبها، ويقدمها بغير مناسبة، ولا يعرفك بحقائقها، أو خلفياتها، أو تسلسل أحداثها.

عندما تقرأ الآمالي تشعر أنك أمام عقل قاصر، لا يعرف شيئا غير الألفاظ الجامدة يشرحها بألفاظ أكثر جمودا، وأشباح ميتة من ماض سحيق، لا تحببك في الحياة. ولكنني قرأت أن طه حسين قال لطلابه ذات يوم إن الآمالي أحد أعمدة الأدب الأربعة، وكان يجب أن أصدق كلامه، وأنا شاب ناشئ يدرس الأدب على يد من درس لهم طه حسين. ومرت الأيام واكتشفت أن أبا علي القالي له كتاب أو معجم لغوي اسمه (البارع)، وقد اقتنعت بكون الرجل لغويا معجميا أكثر منه أديبا أو ناقدا، ولذلك كتبت عنه فصلا تحليليا نقديا في كتابي (معجم المعاجم العربية).

عدت مرات ومرات إلى الآمالي فأدركت أن سبب تخلف الأدب العربي عن الآداب العالمية هو هذا اللون من الكتب، التي توهمنا أنها أعمدة الأدب، وأسرف أسلافنا إسرافا شديدا في تقديرها، ثم أصبح الجيل الجديد من الأدباء لا يكاد يعرفها، أو يلتفت إليها.

ولم يكن طه حسين وعلى الجندي وحدهما من المعجبين بهذه الكتب، فقد اعتقد أحمد أمين أن كتاب الآمالي يضم ذخائر من التراث، وكان شديد الإعجاب بقصيدة من القصائد التي رواها القالي، وهي قصيدة الشاعر بشر بن المعتمر في ابنة عمه فاطمة، والتي يقول في مطلعها :

أفاطم هل شهدت ببطن خبت = = وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا

وقصة بشر وفاطمة مثل قصة قيس وليلى، وقصة عنترة وعبلة، ولكن بشرا في الأدب العربي يذكرك بهرقل في الأدب اليوناني القديم، وقد حكى في قصيدته، كيف التقى بالهزبر (وهو الأسد) في الصحراء، وصارعه، ثم أمسك بفكيه بين يديه حتى قتله وأهلكه، وكان بشر يريد أن يثبت لابنة عمه فاطمة، وهي حبيبته، أنه بطل مغوار، ولكننا لم نعرف حكاية بشر وفاطمة، كما عرفنا أمثالها من حكايات الغرام أو الحب العذري أو الحسي بين الشعراء وبين بنات، هن دائما بنات العم.

كل العشق في البطولات الغرامية العربية بين شاب شاعر وابنة عمه. لماذا ؟ حتى الآن لست أدري، ولا أكتمك سرا أنني أشعر في بعض الأحيان أنها قصص ملفقة، وليس لها أساس في الواقع، وهي من اختراع رواة الشعر العربي، وكان أبو علي القالي يجري في أذيالهم، ويروي عنهم، وقد تكون تلك طبيعة العشق عند العرب، حيث يحب الشاب ابنة عمه التي غالبا ما تكون قريبة منه.

ولكن صاحب كتاب الآمالي لم يقدم لنا قصة بشر وفاطمة، واقتصر على رواية القصيدة وشرحها، وتركنا نفكر وحدنا في الشخصيتين العاشقتين، وهما بشر وفاطمة، مع أن القصة الدرامية الهرقلية عظيمة دون شك، ولو أن أبا علي القالي كان يحس بوجود الإنسان، لقدم لنا القصة، ولعله لم يكن يعرفها، ولم يحاول معرفتها، لأن هدفه هو اللغة، وأنا لا أنكر قيمة اللغة، وكون الرجل لغويا جيدا، لذلك قمت بالكتابة عنه، ولكني أنكر أن تكون اللغة وحدها هي وسيلتنا إلى فهم الحياة، لأن الألفاظ اللغوية وشرحها، لا تؤدي إلى المعرفة إذا كانت مقصودة لذاتها، ولذلك فإن معاجم اللغات العالمية تتطور دائما بتطور الحياة، وتطبع عاما بعد عام لملاحقة التطور الحضاري للغات.

وأذكرك أيضا بأن دوائر المعارف العالمية تتطور هي الأخرى، وتطبع خلال سنوات قليلة، حتى تتمكن من ملاحقة خطوات الحضارة، ولعلكم تعرفون أن قاموس (أُكسفورد) في اللغة الإنجليزية، يتغير ويتبدل، ليلاحق ألفاظ الحضارة، كما أن دائرة المعارف البريطانية، تتغير دائما لمسايرة مستجدات العصر. هل كتب علينا أن نعتقد في أن كتاب الآمالي لأبي علي القالي يصلح لعصرنا كما كان صالحا في عصره؟

ثم يأتي كتاب الأغاني للأصفهاني، الذي ألفه صاحبه على أساس موسيقي غنائي، حيث جمع فيه مائة صوت، أو لحن في عرف عصرنا، ثم حكى عن طريق الألحان، حكايات كثيرة، تكاد تضم تاريخ الأدب العربي القديم.

هذا كتاب عظيم من مراجع الأدب العربي القديم، ولكنه ليس كتاب أدب عصري، ولذلك كان طه حسين يكتب مقالاته الشهيرة (حديث الأربعاء) مستندا على هذا المرجع الأدبي، وكانت أحاديث عميد الأدب تجديدا رائعا لأدب قديم، ولكنه استخدم اللغة القديمة في مخاطبة العصر الحديث، وأصر إصرارا غريبا على استخدام هذه اللغة القديمة، مع أنه كان الداعية الأول إلى أن هذه اللغة العربية القديمة نملكها، ولا تملكنا، وكان يعلم أن لغة (مالرو) ليست هي لغة (راسين)، وأن لغة (جان بول سارتر) تتقدم نحو العصر الحديث، على خلاف لغة (فولتير).

أرجو أن لا تفهم أنني أدعو إلى تحطيم لغتنا العربية الجميلة، ولكنني أدعو إلى تحريرها من الأسر الذي التزمت به في كتب الأعمدة الأربعة.

وإذا كان الجاحظ وهو صاحب كتاب (البيان والتبيين ) قد حرر لغته وأسلوبه، واستطاع في عصره استخدام لغة جديدة، وأسلوب جديد في كتاباته، فلماذا أصر أسلافنا على هذا الالتزام الغريب؟

إن الذين اختاروا كتاب (البيان والتبيين) كواحد من أعمدة الأدب العربي، أرادوا إقناعنا بالتزام أسلوب واحد، ولغة واحدة، فيما نكتب، لأن الجاحظ التزم في هذا الكتاب أسلوب البلاغة التقليدية القديمة، التي لم يلتزمها في كتابه (البخلاء) أو في رسائله البارعة، أو في كتاب (المحاسن والأضداد)، ولذلك جعلوا كتاب (البيان والتبيين ) من أعمدة الأدب العربي، ولم يجعلوا كتاب (البخلاء) من هذه الأعمدة، مع أن (البخلاء) أولى بالتقديم، باعتباره نصا أدبيا رفيعا في تصوير فئة من الناس هم البخلاء.

وكان طه حسين من أشد المعجبين بكتاب البخلاء، وقد تولى طبعه ونشره في دار الكاتب المصري عندما أشرف عليها، ومنح تلميذه طه الحاجري درجة الدكتوراه على نشر هذا الكتاب، كما منح تلميذته عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ) درجة الدكتوراه على نشر كتاب (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، وجدير بالذكر أن كاتب هذه السطور قام بدراسة أدبية نقدية موسعة لكتاب (البخلاء) للجاحظ، مع تحقيق وتدقيق وتهذيب للكتاب، صدر سنة 1989 بالقاهرة.

ولم يلتفت طه حسين وأبناء جيله إلى كتاب (البيان والتبيين) للجاحظ على أنه أحد أعمدة الأدب الأربعة، ولعل السبب في ذلك هو أن الكتاب يشبه الكتب المدرسية في تعليم فنون الكتابة والخطابة، أو فنون البلاغة، والفصاحة، وهو كما أرى ثمرة تجارب الجاحظ في حياته الأدبية والفنية، وليس ثمرة العبقرية للفنان الكاتب المبدع.

أما كتاب (العقد الفريد) لابن عبد ربه، وهو أندلسي، صاحب عقل منظم، فقد كان خلاصة الخلاصة لأدب العرب، وقد قال فيه أهل المشرق العربي، حين جاءهم من المغرب العربي: هذه بضاعتنا ردت إلينا. وكتاب (العقد الفريد)، مثل كتاب (الأغاني)، مرجع من مراجع الأدب العربي، وليس عملا فنيا، يمكن أن يكون بحق من أعمدة الأدب.

أنا لا ألوم أسلافنا القدماء على تسمية هذه الكتب الأربعة، وتقديسها، ولا ألوم أصحابها الذين ألفوها، ولكني أريد أن أعرف الحقيقة ككاتب وباحث، حقيقة هذه الكتب الأربعة من مراجع الأدب، ولكنها ليست أعمدة الأدب، وقد يصبح الخطأ الشائع مع مر الأيام حقيقة في أذهان الناس، ولكن السكوت على الخطأ الشائع جريمة لا تغتفر قي حق الناس.

إن كتاب (الأغاني) ليس إلا حمل بعير من التراث الأدبي العربي، وكتاب (الآمالي) و(ذيل الآمالي) ليس إلا روايات كاذبة أو صادقة لنوع من التراث، يرتبط بالتفسير اللغوي، ومنه الصادق، ومنه الكاذب أيضا، وكتاب (البيان والتبيين) ليس إلا خلاصة تجربة لفنان كاتب، أثرى الفكر العربي، بما هو أعظم، ثم أراد أن يكون معلما، وهو الفاشل في التعليم، عندما أريد له أن يكون معلما لولي العهد في أعظم إمبراطوريات العالم، في عهد الخليفة العباسي هارون الرشيد، وكتاب (العقد الفريد) هو خلاصة القراءة للتراث العربي في المشرق، وليس فيه أي إبداع أو تجديد يذكر.

ليس ما أقوله لك هو طعنا في التراث العربي العظيم، الذي تربينا عليه، ودرسناه، وكتبنا عنه سنوات وسنوات، ولكنه مجرد تقييم لأعمدة الأدب العربي، كما حددها أجدادنا، ثم سار عليها المجددون في عصرنا الحديث.

ثم انطفأت هذه الشموع، لأننا لم نقدم للأجيال الجديدة التراث العربي الحقيقي، الذي يستحق البقاء والخلود. كانت اللغة، ولا زالت، هي مشكلتنا، لأننا لم نحافظ عليها، وتركناها أداة طيعة للابتذال والإسفاف، ولم نطورها، بل أننا، في إصرار عنيد، أردنا أن تبقى كما هي، وكل لغات الدنيا تتطور وتتقدم.

هل يستطيع تلاميذ المدارس الثانوية الآن قراءة (النظرات) و(العبرات) لمصطفى لطفي المنفلوطي؟ وبعد عشرين عاما، لن يستطيع القراء فهم أسلوب طه حسين والعقاد والمازني، بل أقول: قد لا يفهمون أسلوب يوسف السباعي، أو يوسف إدريس، أو يوسف الشاروني، أو يوسف القعيد.

لماذا لا نسأل أنفسنا عن السبب؟ إن التلميذ الفرنسي يستطيع فهم أسلوب فيكتور هوجو، وراسين، وموليير، بعد الشرح البسيط، لأن لغته اليوم ليست غريبة عن أساليب هؤلاء الكتاب والشعراء.

والتلميذ الإنجليزي يستطيع فهم لغة شكسبير بعد شرح بسيط، لأن لغته اليوم ترتبط بلغة شكسبير ولا تبعد عنها كثيرا، والتلميذ الألماني يفهم جوته وشيللر، ولا يعتبر نفسه غريبا عنهما، لأن لغته المتطورة النامية، تعرف جوته وشيللر وإبداعاتهما، بعد تفسير بسيط.

ولكن التلميذ العربي لا يعرف كيف يفهم المعلقات، ولا كتاب الأغاني أو الآمالي أو البيان والتبيين أو العقد الفريد، لأنه انفصل عن لغة أصحاب هذه القصائد، وهذه الكتب، وأصبحت لغته التي يتحدث بها، بعيدة كل البعد عن هؤلاء القوم.

إن المشكلة ليست هي مشكلة الفصحى والعامية، كما يتصور بعض الناس، فكل لغات العالم لها فصحى وعامية، ولكن المشكلة هي الانعزال الفكري والثقافي بين الإنسان، وبين فكره وثقافته، وتلك كارثة كبرى لا نهتم بها، ولا نعيرها أدنى اهتمام.

إن الذين يعرفون القراءة والكتابة العربية، لا يستطيعون قراءة بيت واحد من شعر امرئ القيس أو طرفة بن العبد أو عنترة بن شداد، ولا أبالغ إذا قلت: بيت واحد من شعر شوقي أو حافظ أو الجارم أو محمود حسن إسماعيل، ولكن الذين يعرفون القراءة والكتابة باللغة الفرنسية يستطيعون قراءة أشعار (فيكتور هوجو)، وغيره من أدباء جيله.

إن الشعوب المتقدمة تعيش في الحاضر، ولا مانع من أن تتخذ من الماضي دروسا وعظات تستفيد منها لصنع حاضر أفضل ومستقبل أحسن، أما نحن فما زلنا نعيش في الماضي، والمصيبة الكبرى أننا نصر على الحياة في الماضي، حتى من خلال الأدب والفكر والثقافة.

الماضي بالنسبة للشعوب المتقدمة تراث عظيم يجب الاستفادة منه بعد تطويره بما يتناسب مع الحاضر المعاش، والماضي بالنسبة لنا حياة، خير منها الموت.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3252745

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC