زهرة يبرم - الجزائر

رجل بين أوراقي

صوت كسر زجاج أخرجني من كابوسي، ففتحت عيني مع قفزة. كانت الغرفة غارقة في الظلام والمطر يصفع النوافذ. اعتدلت بمشقة، وشعرت بجفاف في حلقي. كنت محمومة ومبللة عرقا. أتنفس بصعوبة لكنني لا أزال حية.

العاصفة في الخارج مجنونة، والمنزل تحت نيران البرق يشبه منارة وسط العاصفة، وأنا أسيرة الفراش، وصخب يعم الطابق السفلي. أسمع بوضوح الكراسي تُدفع والستائر الخشبية تَصفَع الحائط بعنف. يرتطم شيء بالأرض. يبدو أنها فازة الكريستال التي تتوسط طاولة السفرة. من يا ترى؟

تحاملت على نفسي وقمت من فراشي بصعوبة أتوكأ على الأشياء من حولي. ضغطت على زر الإنارة، لكن كالعادة، تتسبب العاصفة في انقطاع الكهرباء. مررت في الرواق الطويل أُعِينُ نفسي على المشي بالاستناد على الحائط حين ينتابني الدوار كي لا أسقط.

على ضوء البرق لمحت نفسي في مرآة منتصبة في إحدى الزوايا. كنت مخيفة كالشبح. على كتفي دثار ألفه حولي جيدا وأمسك به تحت ذقني. وأَعْنف على نفسي حتى أتمكن من نزول الأدراج الملتوية التي تربطني بالطابق الأرضي. وتتضح حركة الارتطام كلما دنوت من مصدر الجلبة.

وصلت أسفل الدرج بمشقة. وكنت أعتمد على ضوء البرق لتمييز الأشياء من حولي، بينما فوضى الحركة بدت جلية للسمع أكثر.

ينتهي السلم ببهو فسيح تتوسطه طاولة كبيرة بيضاوية الشكل يصطف حولها ستة كراسي، وعن يميني باب مفتوح على المطبخ. في نهاية البهو يسارا باب يفضي إلى الصالون، أما يمينا فباب المنزل الخارجي ويؤدي إلى الشارع مباشرة، وهو موصود ببابين، الداخلي منهما من خشب منقوش، أما الخارجي فمن حديد.

لعج البرق، وعلى ضوئه لمحت رجلا عاري النصف الأعلى من الجسد. أوجست خيفة، وتعجبت ممن يقتحم البيوت في جو كهذا وهو نصف عار. وداهمتني موجة من العطاس لم أعرف كيف أكبتها.

في المرة الموالية لوميض البرق، اختفى من هناك. قد يكون لمحني فاحتمى بالصالون. هكذا خمنت. فكرت بالعودة من حيث جئت والاحتماء بغرفتي وليكن من بعدي الطوفان. لكن حركتي بطيئة ولن تفيدني محاولة الهرب إن أُريد بي سوء.

وبينما أنا في حيرتي عادت الكهرباء، فأضاءت مشكاة نحاسية تتوسط البهو. تبدد الظلام من حولي لكن الخوف لم يتبدد من قلبي إلا قليلا.

بدا الصالون مظلما عبر بابه الزجاجي السميك المؤطر. فكرت في اقتحامه عليه، لكنني كنت خائفة. وفي الوقت نفسه، رغبت في اكتشاف أمره ومن يكون. وتغلب فضولي على خوفي درجة.

شحنت طاقة شجاعتي وفتحت باب الصالون وضغطت على زر الإنارة. سطع الضوء فانعكس على سطح مكتب زجاجي، وكان هناك أمامه منكبا يفتش في أحد أدراجه عن شيء ما، ويبدو أنه كان يستعين بمصباح يدوي، وفوضى الأوراق تعم كل المكان.

انتصب واقفا مذعورا محدقا في. وبدا واضحا أن خوفه مني لم يكن بأقل من خوفي منه. لكن سرعان ما اطمأن إلي بعض الشيء وكأنه تعرف علي. وقال متلعثما: "هذه أنت؟" ثم ستر صدره بذراعيه كمن استحى من أن أراه نصف عار. وأجال ناظريه في المكان كأنه يبحث عن قطعة ثياب يلبسها. لكنه لم يجد، فأردف قائلا: "أنت من تركتني عاريا في هذا البرد".

كنت أراقب المشهد مذهولة فاغرة فمي تعقدني الدهشة وكثير من الخوف. جمعت قليلا من الشجاعة مكنتني من أن أقول له:

رسم لرجل"لكن من أنت؟"

"أنت تعرفينني جيدا، ألا تذكرينني حقا؟"

نظرت إليه بريبة دون أن أفهم أيا من كلماته الخاطئة المتشتتة، وقلت مشجعة نفسي كثيرا على مواجهته: "لا أعرفك، ولا أعتقد أني عرفتك يوما ما. لكن بأي حق تبعثر أغراضي؟ وعما تبحث بينها؟ ثم من أي المداخل اقتحمت بيتي؟"

"لست مقتحم أبواب".

قلت مستهزئة: "لكنك هنا، هل سقطت من السماء مثلا؟ حتى هذا ليس ممكنا فبيتي له سقف".

"لقد سقطت من سطر وسط فقرة ناقصة من نص لك ولد خديجا"، أضاف مشيرا إلى الأوراق المبعثرة على الأرض.

فكرت مليا في كلامه وحاولت أن أحلله بعين المنطق لأقرنه بصورة ذلك الرجل الذي بدا لوهلة أنه ليس غريبا عني. وأنني عرفته في مكان ما. لكن متى وأين؟

كنت لا أزال واقفة على عتبة الباب مذهولة، وقد بدأت أتعرف على ملامحه. كيف لا؟ أوليست ملامحه وصفاته من محض تهويمات خيالي؟

"باديس؟"

"نعم، باديس يا سيدتي. بطل إحدى قصصك الرئيسي. هل وصل بك الأمر إلى حد نسياني؟"

وباستغراب كبير تساءلت كأنما أكلم نفسي: " لكن ما الذي يبحث عنه بين أشيائي وأوراقي؟"

كأنما فهم حيرتي وتساؤلي فأجابني: "لقد خرجت أبحث عن ورقة تخصني ويعذبني محتواها منذ ان كتبَتْها لي، وأرغب في تمزيقها".

"ورقة تخصك؟ من التي كتبتها لك؟ لا أظنني أتذكر، لقد نسيت بعض التفاصيل".

فجأة تسربل صوته الحزين بالغضب وارتفع، فارتعبت:

"أنت من أوحى لها بكتابتها ودسها في مكان ما على نية أن ترسلها لي في وقت لاحق. أعتقد أنها مخبأة في درج ما من هذا البيت. قد يكون أحد أدراج المكتب أو من أدراج طاولة الطعام بين المناديل والملاعق والسكاكين. أو في إحدى المزهريات أو تُحَفِ الزينة أو في بعض الأدراج من غرفة النوم أو لا أدري أين؟! فحيث كتَبَتْ خبأت الورقة. وعليّ أن أجدها قبل أن تقرر إرسالها لي فأموت حسرة حينها".

لم أقل شيئا، بل فتحت ثغري من وقع المفاجأة بينما استرسل هو في الكلام:

"لقد تركتني في حيرة من أمري، أكاد أموت كمدا. لماذا توقفت عن الكتابة؟ ألا تعلمين أن قلمك هو من أوجدني، وهو من يحييني ويميتني إن شاء؟ انتظرت طويلا لعل قلمك يخط شيئا بشأني فيرحمني ويحررني من حيرتي. لكنك أوقفته عن الكتابة بقرار منك. توقف فطال انتظاري وخاب ظني واختنقت.

أنت من وهبني الحياة بين الأوراق، وجعل لي عالما أتحرك ضمنه. إن شئت جعلته رحبا فضفاضا، وإن شئت كان ضيقا كسم الخياط. ولقد ضاق بي ذلك العالم، وأنت من جعله كذلك حين توقفت عن الكتابة.

أنت من قذف في قلبي حبها. أنا مستعر يا سيدتي من حينها. لكنك كنت قاسية علي، ولم ترحمي حبي لها. جعلتها تتخلى عني في أسوأ ظروفي. أنت أعلم الناس ببراءتي، وتعرفين أنني مظلوم في تلك القضية. ارتضيت لي أن أقتاد من بيتي حاسر الصدر حافي القدمين، ثم توقفت عن الكتابة. ومن يومها وأنا أعاني عري الجسد وبرد الشتاء.

أما تلك الكلمات التي أمليت عليها كتابتها فكانت أقسى علي من ظلم الناس مجتمعين".

استرسلتُ أَحُثُّ ذاكرتي علني أتذكر تلك الكلمات التي حزت في نفسه. فمنذ مدة طويلة لم أعد لأوراق تلك القصة الخديجة، حتى أني نسيت بعض ما وضعت فيها من تفاصيل.

وتذكرت على وجه التقريب لا الدقة أن الحبيبة كتبت بعد سماعها بتورطه في جريمة قتل ملفقة:

"سأخرجك من حياتي، سأنبذك من مشاعري، سألفظك من شراييني وأنفثك من صدري. لا قِبَلَ لي بالعيش مع مجرم بعد اليوم".

أحسست بغبنه، وبرجفة الكبرياء الجريح والعنفوان الكليم، فقلت معتذرة:

"سامحني إن كنت نسيتك بين أوراقي ولم أفرج عن آلامك. كما ترى فأنا مريضة، منذ أكثر من شهر وأنا على هذه الحال أعاني، متدثرة في فراشي بالكاد أتحرك".

قال مفزوعا :"إلا أنت سيدتي. سلامتك من كل سوء. فجرة قلم منك تحييني، وتَوقُّفه يشقيني، لا بل يقتلني وينهيني".

أيعقل لمن أوجدته من خيالي، وأعطيته روحا وحياة، ورويته حبا وإنسانية أن يحاججني في تفاصيل ونهايات ما أكتب بشأنه؟

أعلم أن الألم من طبيعة الإنسان، لكن، هل يألم الإنسان حتى وإن كان بطلا من حبر على ورق، رئيسيا أم ثانويا، في القصص والروايات؟ وهل على القاص أن يراعي الجانب الإنساني في شخوص قصصه؟

لكن كيف يمكن للكاتب أن يتملص من سلطته بحيث يترك شخصياته تتحرك، تتصرف، تتكلم، وتعيش كما تريد لا كما يريد هو من خلال إملاءاته؟

قبل أن يختفي باديس من صالون بيتي ويعود إلى عالمه الورقي، كنت قد بحثت عن عالمه ذاك فوجدته في أسفل أدراج المكتب جهة اليمين. أما الورقة التي يبحث عنها، والتي كتبتها الحبيبة فنسيت في أي المواضع أَملأْتُ عليها أن تخبئها. هل في أحد أدراج المكتب؟ أم في إحدى الفازات؟ أم في منضدة الزينة بغرفة نومها؟ لا أذكر على وجه الدقة، فقد ترددت في اختيار المكان وأنا أكتب القصة.

فتحت أوراقي على وهن، فوجدتها لا تزال هناك ترفل بثياب نوم عسلي اللون تجر ذيله وراءها. وعلى رفوف المكتبة بعض الصور المؤطرة تُذكّرُ بالأيام الخوالي. دنت منها، تأملتها صورة صورة، فانبعث منها عطر الأيام السعيدة الذي لم يختف بعد. انتابتها حالة من انسياب العواطف وسالت على خدها دمعة.

مجموعة من تحف البامبو المطلي بدهن أحمر براق، منحوتة بحرفية مدهشة، تزين رفوف المكتبة. أدخلت يدها في إحداها، ومنها أخرجت الرسالة محل البحث. مزقتها بعد عدولها عن قرار إرسالها له، وقد سطع وهج الأمل في براءته في قلبها من جديد. أطفأت النور، وعادت إلى غرفتها لتنام.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2904189

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC