زكي شيرخان - السويد

الخاتم

زكي شيرخانلم يعد يملك من ممتلكات شخصية ذات قيمة إلا هذا الخاتم الثمين الذي لم يعد يتلاءم مع مظهره المتواضع ولا مع إمكانياته؛ وأشياء أخرى، ليست ذات قيمة، وكتب كثيرة.

الخاتم، حسب ما أخبره والده، كان لجده، وبعد أن تختم به سنوات طويلة، أهداه لأبنه يوم تخرجه من الجامعة.

إنه يعرف أن جده كان صانع أحذية في أحد أسواق العاصمة التي امتدت إليها يد التحديث في فترة ماضية فهدّتها، وبُنى على أرضها مجمع سكني. وطالما فكر "ما حاجة جدي في ذلك الزمان إلى مثل هذا الخاتم؟" كان يتطلع إليه فيدهش للدقة والجهد المبذول في صياغته.

ولطالما سأل نفسه: "بحكم الوظيفة الحكومية التي كان يشغلها أبي، فلم يكن شيئاً ذا شأن أن يضعه في بنصره الأيمن، كما أعتاد. أما جدي، صانع الأحذية، فإن هذا الخاتم ربما عرّضه للمسائلة من قبل أقرانه في السوق، خاصة وأنه لم يكن من النوع الذي اعتاد الناس على التختم به".

سأل والده يوما عن ذلك فكان جوابه مبهما: "لا أعرف، ربما، أقول ربما، قد أهداه إليه أحد الأعيان المهمّين من زبائنه، يوما ما، إعجابا بحذاء صنعه له".

خاتم ذهبي ثمين ثمنا لحذاء؟ ما هذا الهراء؟ ولكنه لم يجرؤ على مناقشته.

في أحد أيام الصيف القائظة زارهم عمه. رجل نحيل، هو إلى الطول اقرب، في نهاية الخمسينات من عمره، وإن بدا اصغر من ذلك بعقد على الأقل. مهندم، شعره المفتقر للسواد مصفف بصورة مبالغ فيها وكأنه يفاخر بكثافته.

كان نادرا ما يزورهم فهو يعيش وحيدا في مدينة أخرى مديراً لمدرسة إعدادية. لا زوجة له ولا أولاد. يقضي أوقات ما بعد ساعات دوامه في القراءة والتأليف، وإن لم ينشر إلا نطفا بسيطة في بعض الصحف المحلية. لا يملك من الدنيا إلا داراً صغيرة تحوي صالة جلوس كبيرة أكبر من حاجة رجل يعيش وحيداً، وغرفة نوم، وغرفة جلوس لقراءته وكتابته.

زاره مرة واحدة قبل سنوات، ولم يجد صعوبة في العثور عليه عندما وصل إلى المدينة، فالناسك، وهذا ما يطلق عليه أهل المدينة بإجلال، يعرفه الصغير والكبير. أعجب جدا بمكتبته، واطّلع على بعض مؤلفاته. وسأله بجرأة:

= لمن سيؤول كل هذا بعد عمر طويل؟

= لمن يقدّره، وأتمنى أن تكونه.

بالرغم من الزيارات القليلة، بل والنادرة التي كان يقوم بها هذا، إلا أنه كان يحس بألفة ومحبة ونظرة إعجاب متبادلة تربطهما، فمن دون الجميع كان يقبّله ويضمه إلى صدره بحنان. بعد تخرجه من الجامعة اقترح عليه أن يأتي إلى مدينته ويعمل فيها ضمن اختصاصه.

بعد مجاملات التحية قال له صاحب الدار:

= ألم يئن الأوان يا أخي لتنتقل إلى العاصمة، لتكون قريبا منا، ولقد ترامى إلى مسامعي أنك رشحت لدرجة مفتش هنا، وأرجو أن يكون ما سمعته صحيحا.

= لهذا أنا هنا، فقد قابلت وكيل الوزارة وطلبت إلغاء ترشيحي وإلا فسأتقدم بطلب الإحالة على التقاعد، وإذا رفض تقاعدي فسأستقيل.

= إن هذا غير مبرر، لقد آن الأوان كي تعينني على إدارة عقاراتك، فقد بدأ الزمن والمرض يفعلان فعليهما ولم أعد...
قاطعه والامتعاض باد عليه:

= عن أي عقارات تتحدث؟ أنا لا أملك إلا الدار التي اشغلها.

= حصتك من تركة والدنا. أنت مالكٌ لجزء منها مثلما نملك أم تراك…

قاطعه هذه المرة والحدة بادية بوضوح على صوته:

= ألم أقل لكم أن لا حاجة لي بما ترك أباكم.

= ما هذا الكلام؟

وبوقاحة لا تتناسب ووقاره قال:

= حد الله بيني وبين عقار أشتري بمال حرام.

وبحدة ظاهرة رد أخوه:

= احترم ذكرى والدنا.

وبوقاحة اشد:

= لا أستطيع أن أحترم لصا وقاطع طريق حتى لو كان أبي وأنتم تعرفون ذلك. وأنتم تعرفون لماذا تركت العاصمة التي حلم كل أهل البلد أن يعيشوا فيها.

وقبل أن يفيق الأخ من صدمته أكمل الآخر:

= ما زلت أعاني كوني أبن قاطع طريق. لم أرد أن يكون لهذا الرجل أحفاد مني. أنتم تعرفون حقيقة هذا الأب فلا داعي لإنكاركم. إن كان قد أخفى حقيقة ما جمعه من اللصوصية وقطع الطرق عند انتقاله إلى العاصمة، وتصرف بذكاء بشراء عقارات مما جمعه من السرقة وسلب أموال الناس، واختفى وراء صنعة لم يكن بحاجة لها، فلا أدري لم احتفظ بالخاتم؟ أهي الأقدار لعبت لعبتها ليعرف أبناؤه وأحفاده دليل ماضيه. أم أنه أراد أن يتذكر دائما كيف قطع الإصبع بخنجره عندما لم يستطع الرجل نزعه في إحدى مرات قطع الطرق مع أعوانه.

وقع هذا الحديث وقع الصاعقة على الحفيد. ظل أياما يعاني من صدمة الهالة المحيطة بهم من عز ورفاهية عيش واعتبار عائلته من الطبقة الميسورة ذات العقارات الموروثة والتي زادها والده. ظل يعاني من الأرق. وطالما تسائل: "ترى كم شخص يعرف ماضي جده وحقيقة ما يملكونه؟"

مرت السنوات، انكمش على ذاته. انطوى. لم يعد يعقد صداقات. أصدقاؤه بدأ يتجنبهم. دفن نفسه في الكتب. احتج بمختلف الحجج كي يتهرب من الزواج. زادت زياراته لعمه. كانا يتبادلان الآراء في الفلسفة والسياسة والأدب ومختلف نواحي العلوم. تناقشا في كل الأمور عدا حقيقة ما سمعه في ضحى ذلك اليوم الشديد الحرارة. أما الخاتم فنزعه من إصبعه ودسه في درج. فكر مرة في بيعه. وفكر في إهدائه. أن يرميه في النهر، أو على قارعة الطريق كأنه أضاعه ولم يقو على ذلك.

ما أن توفي والده حتى ترك الدار بحجة أن لأخيه الحق في أن يأخذ راحته مع زوجته وليحل محل أبيه ككبير فرع من فروع جده.

استأجر بيتا صغيراً. قلل من زياراته للبيت الذي ولد وترعرع فيه. قارن الجميع بينه وبين عمه، وإن لم يستطع أن يملك جرأته وصراحته، إلا انه كان يغتبط بهذه المقارنة.

كان أخوه يأتيه بين فترة وأخرى بحصته من إيراد العقارات. ما أن ينهي الأخ الزيارة حتى يسارع خلفه ولا يعود إلا بعد أن يكون قد وزع كل ما جاء به أخوه على الفقراء والمساكين الذين اصبحوا زبائنه الدائمين.

مرة زاره الأخ كالعادة ليقدم له حصته من إيراد العقارات ففوجئ بوجود صورة فوتوغرافية مبالغ في كبر حجمها معلقة على الجدار المقابل لمدخل صالة الجلوس. سأله الأخ ونظرة شك في عينيه من سلامة عقل أخيه:

= ما هذا؟

= خاتم جدك ولا أظنك لا تعرفه...

قاطعه الأخ:

= بالطبع أعرفه.

= ذهبتُ بالخاتم إلى اشهر المصورين وطلبت منه أن يلتقط له صورة ويكبّرها بأكبر حجم يستطيعه.

قاطعه الأخ، وقد ازداد استغرابه:

= لم؟

أخذ بيد أخيه متجها صوب الصورة. ما أن أطمئن للمسافة التي تفصلهما عن الصورة حتى رفع يده مؤشرا بسبابة يمناه قائلا:

= هذا تاريخ جدك. ماضيه. أترى هذه الخطوط المنحنية على جانبي الخاتم، كل منها يمثل مرحلة من مراحل كفاحه. ناقلاً سبابته إلى ناحية أخرى من الصورة:

= أترى هذه النقوش؟ كل منها شاهد على جزء من ثروة جدك.

= لا بد أنها كلفتك كثيرا.

= ألا يستحق تراث العائلة هذه الكلفة، حتى لو كانت باهظة؟

= ما الذي دفعك إلى هذا؟

ثم مستطردا:

= أتعرف أنك نسخة من عمك رحمه الله.

= بي شبه منه في بعض النواحي، ولكني لست مثله. لو كنت نسخة منه لناءت الأرض بفخاري.

تركه دون استئذان إلى غرفة مجاورة. لم يطل به الوقت حتى عاد ضاما يده قائلا:

= يبدو إن جدنا وبإدراك واعٍ منه أعطى أبانا الخاتم مع أنه لم يكن الأكبر. أبي أعطانيه وإن كنتَ أنتَ الأكبر. لقد اخطأ أبي التقدير. تراث العائلة يجب أن يحمله الأكثر شبها بجدنا والذي هو امتداد طبيعي له. فمن هذه العائلة أبي وأنتَ الأجدر بحمل هذا الإرث.

فتح كفه ومدها باتجاه أخيه وهو يقول:

= خذه فإنه لك، أما أنا فتكفيني هذه الصورة كي لا أنسى أصل هذه العائلة التي أنتمي إليها.

التقط الأخ الخاتم، غير قادر على إخفاء فرحه، ودفعه باتجاه إصبعه ناظرا إليه بإعجاب، وكأنه يراه لأول مرة وقال:

= كم تمنيت أن أتختم به.

= كي يكتمل شبهك بجدك.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2977682

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC