د. نصرالدين شيخ الدين عثمان - السودان

موضوعات شعر العقاد

أضواء على موضوعات شعر عباس محمود العقاد

نصر الدين شيخ الدين عثمانوُلد العقاد بأسوان سنة 1889[1]، وتلقى بها دروسه الابتدائية، ولم يكتف بالمرحلة الابتدائية التي أتمها سنة 1903، فقد انتفع بالدراسة الذاتية والاطلاع الشخصي، والتحق ببعض الوظائف الحكومية ثم تركها وعمل بالصحافة، وتعرف على صديقه المازني في المدرسة الإعدادية التي كانا يدرسان فيها.

ويُعتبر العقاد أديبا متعدد الجوانب، فقد كتب في الأدب والفكر والفلسفة والاجتماع والديانات وغيرها، وكان إلى جانب ذلك شاعرا مجددا، وامتازت مسيرته الشعرية بالتنوع، إذ كتب أحد عشر ديوانا هي بحسب ترتيب صدورها:

يقظة الصباح 1916؛ وهج الظهيرة 1917؛ أشباح الأصيل 1921؛ أشجان الليل 1928؛ وحى الأربعين 1933؛ هدية الكروان 1933؛ عابر سبيل 1937؛ أعاصير مغرب 1942؛ بعد الأعاصير 1950؛ ديوان من دواوين 1958؛ ما بعد البعد 1966[2].

وقراءته للتراث العربي واستيعابه للثقافة الغربية، وبخاصة الأدب الانجليزي، أتاحت له أن يؤسس مع زميليه شكري والمازني مدرسة شعرية جديدة هي مدرسة الديوان التي اضطلعت بدور كبير في تطور الشعر العربي الحديث.

ويقول إن الإحساس بشيء من الأشياء هو الذي يخلق فيه اللذة ويبث فيه الروح ويجعله معنى شعريا تهتز له النفس، فليست الرياض وحدها ولا البحار ولا الكواكب هي موضوعات الشعر الصالحة لتنبيه القريحة واستجاشة الخيال، فكل ما نخلع عليه من إحساسنا ونفيض عليه من خيالنا ونتخلله بوعينا ونبث فيه من هواجسنا وأحلامنا هو شعر وموضوع للشعر، لأنه حياة وموضوع للحياة. فموضوعات الشعر تشتمل على كل ما تراه العين وتمسه الأذواق؟

ولذلك أوقف العقاد ديوانه "عابر سبيل" على موضوعات مستمدة من الحياة اليومية. ومن قصائده: "الطريق في الصباح"؛ و"المتسول"؛ و"قطار عابر"؛ و"صورة الحي"؛ و"بابل الساعة الثامنة" وفيها تصوير طريف لنداء الباعة قبل انصرافهم.

ومن قصائده قصيدة بعنوان "الدكاكين في يوم البطالة" وهو لا يصف فيها هذه السلع وصفا تقريريا مباشرا، إنما يصورها وهى تشكو لأنها تُركت حبيسة مهملة بعد أن أُغلقت الحوانيت في يوم العطلة، ويصورها وهى ثائرة على هذا الوضع وكأنها لا ترى الحرية إلا حين تنطلق وتخرج من رفوفها المظلمة لتحتويها أجساد البشر. يقول العقاد في ذلك[3]:

مُقفرات مُغلقات مُحكمات

كلَ أبواب الدكاكين على كل الجهات

تركوها – أهملوها

يوم عيد عيدوه – ومضوا في الخلوات[4]

البدار! ما لنا اليوم قرار

أي صوت ذاك يدعو الناس من خلف الجدار

أدركوها.. أطلقوها

ذاك صوت السلع المحبوس في الظلمة ثار

في الرفوف.. تحت أطباق السقوف

المدى طال بنا بين قعود ووقوف

أطلقونا.. أرسلونا

بين أشتات من الشادين نسعى ونطوف

سوف نبلى يوم أن نبذل بذلا

غير إنا قد وددنا

أن نرى العيش وإن لم يك ورد العيش سهلا

كالجنين.. وهو في الغيب سجين

أن تحذره أذى الدنيا وآفات السنين

قال هيا.. سوف أحيا

ذاك خير من أمان الغيب والغيب أمين

أطلقونا.. وإلي الدنيا خذونا

حيث نلقى الشاربين اللابسينا

ذاك خير.. وهو ضير

من رفوف مظلمات.. يوم عيد تحتوينا[5]

وفى القصيدة بُعد إيحائي فهي تمس فكرة "الحرية" التي آمن بها العقاد مسا مباشرا، فالحرية قيمة غالية في الحياة بل لعلها اثمن من كل قيمة. وإذا كانت "الجمادات" تبحث عنها فأحرى بالأحياء أن يدفعوا حياتهم ثمنا لها.

وعلى هذا النحو يحيل العقاد الموضوعات البسيطة العادية إلى موضوعات شعرية نابضة بالحياة. ومثل هذه الصورة تظهر أيضا في قصيدته "كواء الثياب ليلة الأحد" وفيها يستبطن أحاسيس الكواء ويغوص في أعماقه، فيقول في قصيدته[6]:

لا تنم لا تنم = = إنهم ساهرون

سهروا في الظلم == واغفوا يحلمون

أنت فيهم حكم == وهم ينظرون

في غد يلبسون = = في غد يمردون

كم أهاب صقيل = = يا له من إهاب

وقوام نبيل = = في انتظار الثياب

وحبيب جميل = = يزدهى بالشباب

كلهم يحلمون = = في غد يلبسون

أسلموك الحُلل = = كالربيع الجديد

في احمرار الخجل = = أو صفاء النهود

تستتى بالقبل = = لا يمس الحديد

يالها من فنون بهجة للعيون

طُويت كالعجين = = فاطوِ فيها الجمال

لمسة باليمين = = عطفة بالشمال

والعجين الثمين = = في استواء المثال

فيه ماست غصون = = من جناها الجنون

زد نصيب الحبيب = = من هوى وابتسام

بالكساء القشيب = = رف حول القوام

لك فيهم نصيب = = غير كيّ الغرام

عند برح الشجون = = هم هم المكتوون

الضرام اتقد في = = المكاوى الشداد

هل خبا أو برد = = أو علاه الرماد

ذاك يوم الأحد = = أين منك الرقاد

إن قضيت الديون = = كل نار تهون

أنا مصغ إليك = = في الظلام الطويل

سامع من يديك = = كل ضرب ثقيل

ناظرٌ موقديك = = منذ غاب الأصيل

بين غمض الجفون = = واطراد السكون[7]

عباس محمود العقادوإذا كان العقاد قد التفت في ديوان "عابر سبيل" إلى موضوعات لم يلتفت إليها الشعراء المصريون من قبل، فان ديوانه "هدية الكروان" الذي سبقه بثلاثة سنوات، 1937، كان جديدا كذلك في موضوعه، إذا لم يلتفت الشعراء المصريون إلى هذا الطائر الذي يحلق مترنما في أجوائهم شمالا وجنوبا.

وقصائد العقاد في الكروان ليست وصفا حسيا مجردا لهذا الطائر الذي يملأ ليالي الوادي غناء شجيا عذبا، ولكنه في كثير من قصائده يتفاعل معها، ويفيض عليها من تأملاته وخواطره، فهو يجد نفسه في هذا الطائر المغرّد، فهو صوته الذي يشدو به وضميره الذي يبوح بأسراره وقلبه الصغير الذي يساجل خفق الربيع بخفقاته، وعينه التي تهب الكرى. إنه يتحد بالكروان اتحادا تاما بمثل اتحاد الطبيعة بمخلوقاتها وموجوداتها يقول العقاد مخاطبا الكروان[8]:

أنا لا أراك وطالما طرق النهى = = وحي ولم تظفر به عينان

أنا في جناحك حيث غاب مع الدجى = = وان استقر على الثرى جثماني

أنا في لسانك حيث أطلقه الهوى = = مرحا وان غلب السرور لساني

أنا في ضميرك حيث باح فما أرى = = سرا بغيبته ضمير زماني

أنا منك في القلب الصغير مساجل = = خفق الربيع بذلك الخفقان

أنا منك في العين التي تهب الكرى = = وتضن بالصحوات والأشجان

طرفي الظلام بمهجه لو صافحت = = حجر الوهاد لهم بالطيران

تغنيك عن ريش الجناح وعزمه = = فرحات منطلق الهوى نشوان

التفات العقاد إلى عالم الطيور إحدى الظواهر البارزة في شعره. وهو يرى في هذا العالم شبيها بعالمنا بكل ما ينطوى عليه من خير وشر. وهو كثيرا ما يخلع أحاسيسه على هذه الطيور بحيث نرى فيها صورة من العقاد نفسه أو نموذجا من نماذج البشر. ونستطيع أن نلحظ ذلك في قصيدته عن "العصفور" أنه يرقب حركته وهو يحط على الغصن وينحدر في اقل من لمحة البصر. يراقبه في خوفه وخفته. في تمتعه بحريته. ومع ذلك فهذا العصفور لا يستطيع أن ينعم دائما بالأمان فهو مهدد في أية لحظة بطائر جارح أو بصائد لا يرحم[9].

حط على الغصن وانحدر = = اقل من لمحة البصر

مغردا قط ما توانى = = مرفوفا قط ما استقر

كخفة الطفل في صباه = = لكنها خفة العمر

وروده تعبة فأخرى = = من خوف الطائر الصدر

يقارب السحب ثم يهوى = = يبشر الروض بالمطر

اصدق من سار في سرار = = بين الحيا العذب والشجر

أو يستحث الرياح ضربا = = بخافقيه فتبتدر

اخبر بالنضج مقلتاه = = ممن سقى الحب أو بذر

سله عن الجند والزمر = = سله عن الملك والسُرر

لم يأته عنهم بلاغ = = ولا دليل ولا خبر

هذا هو العين فاغبطوه = = عليه يا أيها البشر

ولكن هذه الغبطة لا تدوم فهذا العصفور محكوم عليه بالموت:

حبائل الدهر قانصاتٌ = = من طار أو غاص أو خطر

السنا نجد في هذا العصفور صورة من حياة بعض الناس في قناعاتهم وعزوفهم عن المناصب وبحثهم عن الحرية وخوفهم من المصير المجهول؟

وجد بعض الباحثين في قصيدة العقاد "أصداء" من قصيدة الشاعر الانجليزي شيلي إلى قبره[10]، وقد يكون ذلك صحيحا من حيث استلهام الموضوع. ولكن العقاد يتفرد بطريقته في التناول، فهو يستقل فيهما بفكرة الحرية، وبفكرة الموت الذي ينتظر كل كائن حي.

وأجمل ما في شعر العقاد هو ما ينطوي عليه من إيحاءات ورموز، فهو لا يعرض لفكرته بطريقة مباشرة، لأنه يدرك أن ذلك من طبيعة المقال لا القصيدة، وكثير من قصائده توحي بأبعاد أخرى، فالموضوع الظاهري فيها يذوب ويتلاشى لكي يُخلق خلقا آخر. وإذا كنا قد لمسنا ذلك في قصيدته عن الكروان والعصفور فإننا نلمس ذلك أيضا في قصيدته عن العقاب الهرم، فهي ببعدها الظاهري تصف عقابا أخنى عليه الدهر، وضاع شبابه، وأدركته الشيخوخة، فأصبح عاجزا عن النهوض والتحليق.

وينفذ العقاد إلى أعماق هذا العقاب البائس فيصوره في لحظات عجزه تصويرا دقيقا، فيقول:

يهيم ويعييه النهوض فيجثم = = ويعزم إلا ريشه ليس يعزم

لقد رنق الصرصور وهو على الثرى = = مكب وقد صاح القطا وهو أبكم

يلملم حدباء القدامى كأنها = = أضالع في ارماسها تتهشم

ويثقله حمل الجناحين بعدما = = أقلاه وهو الكاسر المتقحم

جناحين لو طارا لنصت فدومت = = شمارخ رضوى واستقل يلملم

ويلحظ أقطار السماء كأنه = = رجيم على عهد السموات يندم

وغمض أحيانا فهل أبصر الردى = = مقضا عليه أم بماضيه يحلم

إذا ادفأته الشمس أغفى وربما = = توهمها صيدا له وهو هيثم

لعينيك يا شيخ الطيور مهابة = = يفر بغاث الطير عنها ويهزم

وما عجزت عنك الغداة وإنما = = لكل شباب هيبة حين يهرم

نظرته إلى شعر الطبيعة

كان العقاد حريصا على أن يكون شعره صورة من آرائه التجديدية، وإذا كان قد عاب على الشعراء الكلاسيكيين افتقارهم إلى المشاركة الوجدانية فيما يتناولونه من موضوعات، فحري به ألا يصنع هذا الصنيع في شعره.

وحين وجه العقاد سهام نقده إلى شوقي، كان مما أخذه عليه نظرته إلى موضوعاته نظره خارجية، وأنه لا يتجاوز في أوصافه غاية أقصى من المتعة الحسية وأنه يقف عند "هوامش الحياة " دون أن يتغلغل إلى أعماقها .وضرب مثلا لذلك ببعض قصائده في وصف الطبيعة، ومن ذلك في وصف الربيع[11]:

آذار أقبل قم بنا يا صاح = = حي الربيع حديقة الأرواح

واجمع ندامى الظرف تحت لوائه = = وانشر بساحته بساط الراح

ملك النيات فكل ارض داره = = تلقاه بالأعراس والأفراح

منشورة إعلامه من أحمر = = قانِ، وأبيض في الربى لماح

يقول العقاد تعليقا على هذه الأبيات[12]: "وفى اللفظ عذوبة، وفى السرد نغمة محبوبة، والمناظر الموصوفة هى مناظر الربيع لامراء، فلالتباس بينها وبين المناظر في الصيف والشتاء، ولكن هل يزيد هذا الربيع شيئا على ربيع طلاب المنازة في يوم شم النسيم؟ أو طلاب الربيع كأنه متعة حسية يستريح إليها الإنسان كما يستريح بعض الحيوان إلى برد الظلال، فالغاية إذن ليست في وصف الموضوع وصفا خارجيا جامدا حتى ولو أتى الشاعر بروائع المجازات، وعنى بالمشاكلات والتشبيهات، وإنما الشعر الجيد هو ذلك الذي يشعرك بجوهر الأشياء ويبعث في الموضوع حياة وحركة وحيوية، ويتحقق فيه التلاحم والتوحد بين الذات والموضوع [13].

وقد هام العقاد بالطبيعة، وخصها بقصائد كثيرة في دواوينه المختلفة، وكان استلهام الطبيعة من الأسس التي ارتكزت عليها مدرسة الديوان في دعوتها التجديدية، وقد وقف العقاد طويلا عند النيل والبحر والقمر والليل كما وقف عند الربيع والخريف والشتاء وجذبته الأزهار على اختلافها، وهو في ذلك يخلع على هذه المرئيات أحاسيسه ويبث فيها الحياة، ويضفى عليها من تأملاته وخواطره. يقول العقاد في قصيدة بعنوان "زهرة ديسمبر":

حلّ أيار ونوارا له = = ربما أعجب قوما ربما

خير نوارى الذي أهديته = = زهرا في شهر كانون نما

عيد ميلادك من بستانه = = يا ربيعا في الشتاء ابتسما

هات يا كانون زهرا كلما = = سقط الزهر تعالى وسما

شخصية العقاد من خلال شعره

ومما دعا إليه العقاد أن شخصية الشاعر لا بد أن تظهر واضحة في شعره، وقد لاحظ أن الشعراء الذين تناولهم بالنقد لا يظهر لشخصياتهم اثر قوى في أشعارهم وأنهم لا يعبرون عن أحاسيسهم تعبيرا صادقا، فهل تحقق في شعر العقاد هذا الأثر؟
إن قراءة دواوين العقاد قراءة جيدة تلاحظ أنه يمثل شخصيته خير تمثيل، فشخصية العقاد "الإنسان" تظهر في شعره على نحو أكثر وضوحا مما تقرأه في سيرته الذاتية التي كتبها بقامة في كتابه "أنا" وفى غيره من الكتب والمقالات. وعلى سبيل المثال، فقد ظن الكثيرون أن شخصية العقاد طبعت على الجفاء والكبر والصلابة، ولكن من عرفوه معرفه وثيقة لمسوا فيه صفات أخرى على النقيض من هذه الصفات، كالسماحة والتواضع. وفى شعره ما يشير إلى أن المظهر قد يخفى وراءه جوهرا مختلفا. يقول[14]:

إذا استصعبت نفسُ وضاقت أفجاجها = = ولاحت لمرأى العين كالجبل الوعر

فلا تنكروا منه جفاء ووحشة = = ولا ترجموها بالقبيح من الكبر

فتلك ظلال الناس فيها ودونها = = طبائع كالماء النمير إذا يجرى

وفى شعره ما يشير إلى تجلده وثباته أمام الشدائد والأخطار:

أيتها الأخطار علمتنا = = بأننا الأحرار لو تعلمين

ونرى في شعره صورة لعزوفه عن الشهرة العوراء التي ينقاد لها أهل الجهالة[15]

دع الشهرة العوراء تقتاد جاهلا = = على حكمها يجرى وان طاش أو ظلم

إذا الدهر لم يعرف الذي الحق حقه = = فللدهر منى موطئ النعل والقدم

إذا جاز بيع الذكر في شرع أمه = = فلا كان من ذكر ولا كانت الأمم

وفى قصيدته صورة صادقة لنفسية العقاد في حالة من حالات السأم والحيرة والضيق والتبرم التي كثيرا ما يعانيها الفنان ذو الحس المرهف يقول العقاد[16]:

ظمآن ظمآن لا صوب الغمام ولا = = عذب المدام ولا الانداء تروينى

حيران حيران لا نجم السماء ولا = = معالم الأرض في الغماء تهديني

يقظان يقظان لا طيب الرقاد يُدانينى = = ولا سمر السماء يلهــــينى

غصان غصان لا الأوجاع تبلينى = = ولا الكوارث والأشجان تبـكينى

أسوان أسوان لا طب الإساءة ولا = = سحر الرقاة من اللاواء يشفينى

سامان سامان لا صفو الحياة ولا = = عجائب القدر المكنون تعنينى

أصاحب الدهر لا قلب فيسعدني = = على الزمان ولا خل فياسونى

وهذه الأنغام الحزينة التي تعكس الإحساس بالضيق والسأم والشكوى من الناس والدهر تجدها عند العقاد كما تجدها عند زميليه شكري والمازني، حيث غدت سمة من سمات مدرستهم الأدبية. ولكن العقاد لم يكن متشائما في حياته على النحو الذي تجده عند عبد الرحمن شكري[17].

ويصور ديوانه "أعاصير مغرب" الذي ظهر أثناء الحرب العالمية الثانية ما يعتمل داخل نفسه من اضطراب، "فعالم الدنيا مضطرب بأعاصير الحرب وعالم نفسه مضطرب بأعاصير مختلفة من حب وغير حب وهو موزع بين العالمين"[18].

وفى شعر العقاد ما يصور إحساسه بالجمال ووقوعه أسيرا للفتنه. استمع إليه يقول وقد رأى فتاة تُقبل صاحبتها[19]:

راحت إلى ترب تخاصرها = = كلتاهما في ضحوة العمر

راحت تخاصرها وتلثمها = = وتضمها حينا إلى الصدر

ونستشف من شعره فتنته بالفن وكلفه بالموسيقى والغناء[20]

معلمةُ الإنسان ما ليس يعلم = = وقائلةٌ ما لا يبوح به الفم

أعيدي علىّ القول أنصت واستمع = = حديثا له في نوطة القلب ميسم

حديثا يناغينى واذكر أنني = = سمعته والقلب وسنان يحلم

وأوغل بالذكرى فأزعم انه = = قديم كعهد القلب أو هو أقدم

أعيدي علىّ الصوت انظر لعلني = = أرى في ثنايا اللحن ما يتوسم

ويا رب وجه يطرق السمع حسنه = = إذا غنت الأوتار أو يتنسم

ميله إلى الدعابة والفكاهة

وفى شعر العقاد ما يشير إلى جانب الدعابة والمرح والفكاهة، فهو يقول حين علم أن كلبة أحد أصدقائه قد أنجبت:[21]:

أعلني (يا فلورة) الأفراحا = = واملئي الأرض والسماء نباحا

ما حبى الدهر بنت كلب بأعلى = = من ذراريك عنصرا ولقاحا

أبشري دولة الكلاب بجروٍ = = سوف ينفى عن جيله الأتراحا

ما نقضى الأسبوع إلا تمشّى = = يذرع الأرض جيئة ورواحا

سوف يُدعى على الكلاب أميرا = = يفزع الأسد وثبة وصياحا

يلبس الطوق من نضار ودر = = ويحوك الخز الثمين وشاحا

ويأبى العقاد وهو في معرض الدعابة إلا أن يفلسف الموقف ويستحضر الحكمة والعبرة[22]:

ما مدحت الأنام يوما وإني = = لست آلوك يا كليب امتداحا

أعجم الناس في الوداد وما زال = = بنو الكلب في الوداد فصاحا

إنّ عى اللسان خير من النطق = = إذا كان للأذاة سلاحا

وسعار الكلاب أهون شرا = = من سعار يمزق الأرواحا

ولم تكن الدعابة تفارقه مع أصدقائه. دعاه إبراهيم الدسوقي أباظة إلى مأدبة أقامها للأدباء، فأناب عنه صديقه العوض الوكيل وقال يخاطبه مداعبا:

يا مطعم الأدباء من = = خير الذبائح والبقول

ما طاب من ضان ومن = = طير ومن عدس وفول

عوضي الوكيل إذا دعو = = ثم دعوة عوضي الوكيل

عوض إذا ما شئتم = = عنى وأكال أكيل

بيني الموكل والمؤكل = = فاز بالغنم الأصيل

وتتجلى روحه المرحة كذلك في اللفظة التي يرسمها لشرطي المرور[23]:

متحكم في الراكبين = = وماله أبدا ركوبه

لهم المثوبة من بنانك = = حين تأمر والعقوبة

مُر ما بدالك في الطريق= = ورض على مهل شعوبه

أنا ثائرٌ أبدا وما = = في ثورتي أبدا صعوبة

أنا راكب رجلي فلا = = أمر عليّ ولا ضريبة

وكذاك اركب رأسه = = في هذه الدنيا العجيبة

[...]

يتبع
= = = = =

الهوامش

[1] اقرأ عنه: عباس محمود العقاد دراسة وتحية، محمد خليفة التونسى، ومع عباس محمود العقاد لأحمد شوقي عبد السلام ضيف والأدب العربي المعاصر في مصر لأخمد شوقي عبد السلام ضيف، ص 136 وما بعدها.

[2] صدرت الدواوين الأربعة الأولى في مجموعة واحدة 1928 باسم ديوان عباس محمود العقاد.

[3] عباس محمود العقاد، عابر سبيل، نهضة مصر للطباعة والنشر، 1917، ص 47-48.

[4] المرجع السابق، ص 47-48.

[5] المرجع السابق، ص 48.

[6] المرجع السابق، ص 39-41.

[7] المرجع السابق، ص 39-41.

[8] العقاد، هديه الكروان، ص 17-18.

[9] ديوان عباس محمود العقاد، تقديم فاروق شوشه، ط1، 1996، ص 98.

[10] شوقي ضيف، في الأدب العربي المعاصر، ص 143-144.

[11] عباس محمود العقاد، شعراء مصر وبياتهم في الجيل الماضي، ص 177.

[12] المرجع السابق، ص 178-179.

[13] المرجع نفسه، ص 179.

[14] ديوان عباس محمود العقاد، ص 258.

[15] عباس محمود العقاد، وحي الأربعين، ص 167-168.

[16] عباس محمود العقاد،وهج الظهيرة، ص 194.

[17] احمد شوقي عبد السلام ضيف، الأدب العربي المعاصر في مصر، ص 64.

[18] احمد شوقي عبد السلام ضيف، الأدب العربي المعاصر في مصر، ص 64.

[19] يقظة الصباح، عباس محمود العقاد، ص 118.

[20] ديوان عباس محمود العقاد، ص 21-22.

[21] يقظة الصباح، عباس محمود العقاد، ص 228.

[22] ديوان عباس محمود العقاد، ص 78.

[23] عباس محمود العقاد، عابر سبيل، ص 211.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3035610

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC