زهرة يبرم - الجزائر

بين عجلات سيارة الجيب

كنت أذرع الصالون جيئة وذهابا. ألم بالروح لا يسكّنه شيء. توقّفَتْ بي الحياة فجأة في نقطة، ولم تعد تساوي شيئا. تمنيت لو أبدأ من الصفر، لو أدفع لعقل جديد ووجه جديد واسم جديد وحياة جديدة مع أناس لا أعرفهم.

"لا يمكن أن نجدد حياتنا، بل نواصلها فقط". هذا ما قاله لي طبيب نفسي حاول أن يطبق بعض النظريات علي، لكنه لم يقنعني فلم أعد أخضع لجلساته. أكّدْتُ له أن حياتي صارت تساوي العدم، وأنني أصبحت لا أريدها ولا أرغب في مواصلتها، ولا أعلم كيف التخطيط للفرار منها وقد تحولت إلى سجني وسجاني.

"كيف يمكن أن نقول إن الحياة في الثانية والعشرين سنة لا تساوي شيئا؟" تساءل طبيبي الذي لم يعد كذلك بعد أن فشل في إقناعي بقبول ذاتي وواقعي وحياتي. وربما أنا أظلم نفسي وأتحامل عليها كما يقول، لكنها الحرية الوحيدة المتبقية لي بعد أن فقدت كل رغبة في التعايش مع نفسي.

نظرت من النافذةّ، في الأسفل على الرصيف. كان رجل الثلج وحيدا مثلي. إن حياتي هكذا، مثل الخارج متجمدة فارغة بلا أمل. أحس بهوة داخلي لا يملؤها شيء. هدأت العاصفة خارجا، ولم تهدأ عاصفة قلبي.

تركت شبيهي في وحدتي وارتميت على أريكة. شغلت تلقائيا شاشة كبيرة معلقة على الحائط. قناة خاصة، وصورة طفل تغطي الشاشة. يبدو أنه تاه وأهله يبحثون عنه. والداه يتوسلان الخاطف ألّا يمسه بسوء. يناشدانه أن يقدم مطالبه بطريقة حضارية.

نكأ الموضوع جرحي الذي لا يزال نازفا بداخلي. حرّك رواكد نفسي، فقلب أسافلها على أعاليها وطفا ما كاد يترسب في الأعماق فصرت أراه جليا لا يحجبه تناس أو تغافل أو تبلد، أو بعض من بلسم كلمات طبيبي النفسي. ارتفع منسوب الكآبة عندي فوق ما كان عليه، وانخرَطَتْ روحي في النحيب.

كورت نفسي في ركن الأريكة ورحت أتابع الأحداث. ألح علي سؤال: ما أدراهما أنه ما زال حيا؟ لعله مات وقبر. سيطول الألم والحيرة ما لم تنته المأساة بخبر يقين.

وتمنيت لو أعرف كيف أكون إيجابية في تعاملي مع الألم.

دونت على هاتفي رقما كان يمر متكررا على شريط أسفل الشاشة. قررت أن أتصل لأقدم دعمي المعنوي ومساندتي لهؤلاء في محنتهم. وقد أقدم مساعدة مالية في حال ما طلب المختطفون فدية. وهممت بذلك، لكن...

تبدل المشهد. صورة الأم تملأ الشاشة. تتكلم فتسبقها عبراتها. تتجلد وتحاول كتم انفعالاتها. تصف ابنها: كان ضعيف البنية. شعره أسود ناعم يسترسل على جبينه وكتفيه. يرتدي بذلة رياضية بألوان علم الوطن، وبرُسْغه سوار من فضة منقوش عليه اسم أخته الكبرى، لم يعد مقاسها فألبسته إياه.

وقفزت إلى أشيائي أبعثرها، أبحث بينها عن علبة تحوي سلسلة فضية بوصلات مسطحة صممت سوارا ليد صغيرة، منقوش عليها بحروف لاتينية اسم "فريال". وأعود أبحلق في الشاشة. فريال لم تكن بنتا إذن، بل هي هذا الولد!؟

ووقفت من جديد وجها لوجه مع ما حدث. مر شريط ذلك اليوم المأساوي في ذاكرتي كأنني أعيشه اللحظة بكل التفاصيل الصغيرة.

* * *

الساعة الثانية بعد الظهر، وأنا استعد للذهاب إلى حفل دعتني إليه إحدى الصديقات. أخذت حماما، ورحت أقلب كل الخزائن بحثا عن فستان سلموني اللون أحببت أن أظهر به في الحفلة، لكن دون جدوى. اتجهت إلى المطبخ ورحت أصيح بمربيتي بمزاج سيئ:

"أين وضعته؟"

"ما هو؟"

"الفستان".

"عندك العشرات".

"السلموني اللون".

"إذا لم تجديه فهو مع الغسيل".

"هل قلت لك اغسليه؟"

"لم تقولي شيئا، كفاك دلالا. أنت في الثانية والعشرين سنة ولست في الثانية عشرة".

" لم يكن لك أن تكلميني هكذا".

" أنا أحدثك كما ستفعل أمك لو كانت موجودة".

"لكنك لست أمي، وما أنت إلا خادمة تتلقين أجرا عن ذلك".

"نعم، ربما أنا خادمة، لكنني مع ذلك سأقول لك عيوبك السبعة: لقد صرت لا تطاقين، تتصرفين كطفلة مدللة، سطحية وأنانية. لم يعد لك قلب أو إنسانية. تركت نفسك تتلوثين بكل ما تحمله الثروة من مساوئ: ازدراء الآخر وفقدان القيم. لم تفهمي بعد أن الثراء لا يمدك فقط بالحقوق، بل أيضا بالواجبات. لكن أنت لا تهتمين بالواجبات. ليس لك مشروع لحياتك. لذلك نعم، ربما أنا خادمتك، لكن تظل الحقيقة أنني صرت أخجل بك لأني لم أربيك جيدا وقد تركتك أمك لحمة طرية".

ولما صادف كلام مربيتي، الذي يمس كبد الحقيقة، مزاجي السيئ، استوليت على كأس، ترددت، ثم هشمته على الحائط. بقينا لبرهة جامدتين إحدانا في وجه الأخرى. مشلولتين لفجائية وعنف المواجهة. وفي النهاية استسلمت أنا الأولى هاربة من البيت ومحتمية بداخل سيارتي.

مضطربة وعيوني دامعة يغشاها ضباب، أدرت مفتاح التشغيل وأسرعت في ترك المنزل. حتى الطقس كان يعاكسني في ذلك اليوم. مطر غزير بدأ يتساقط على المدينة يتخلله برق ورعد. وسيارة الـ 4x4 تسير بسرعة قصوى على طول الطرقات المحفوفة بالنخيل والكليتوس.

لماذا فعلت ذلك معها؟ ولما كنت بغيضة إلى ذاك الحد؟ لم أعرف أمي التي غادرت الحياة باكرا، ولم تهتم امرأة بشأني مثلما اهتمت مربيتي. صحيح أنها تتقاضى أجرا من والدي، لكنها عوضتني اهتمام وحب وحنان الأم، وكرّست عمرها لأجلي.

وبينما المطر يضاعف من هطوله، كنت أجوب الشوارع والأزقة على غير هدى. أغادر السهول والتلال مبتعدة عن المدينة، وأنخرط آليا في الطريق السريع. كنت أعلم أنني لن أحضر الحفلة.

قهرني الخجل من تصرفي فرحت أحاول ترتيب أفكاري: عَلَيّ تغيير أسلوب حياتي عاجلا والعودة إلى حضن مربيتي والاعتذار لها. عَلَيّ أن أنتصح بنصحها وأنتهي بنهيها كما تفعل البنات مع أمهاتهن، وإلا سأنتهي إلى اقتراف ما يتعذر إصلاحه.

أبطأت في السرعة لأنشف دموعي، وكان المطر يصفق بكثافة إلى درجة عجزت فيها الماسحات عن إخلاء المياه المتساقطة على زجاج السيارة أمامي.

اطمأنت نفسي بعض الشيء إلى ما وصلت إليه من قرار. سأعود إلي بيتي وأقوم اعوجاجي. أتصالح مع أمي وأشكرها أن فتحت عيني على حقيقة أمري. سأقضي معها هذا المساء، ومثلما كنت صغيرة سأساعدها في إعداد الطعام. سأسقط بعض الأسماء من قائمة الرفاق، وأهتم بدراستي المتعطلة أكثر.

وأبي؟ سأحيطه علما بكل أخباري وقراراتي علني أقلص المسافة بيني وبينه. هو تلهيه دوما أسفاره ومشاريعه وزوجاته، أما أنا فأبتعد عنه بسبب التحدي وربما بعض الغباء. سأجعله فخورا بي كما كان وأنا طفلة.

سيارة جيبأحس باهتزاز السيارة لشدة هبوب الرياح. علامات المرور على الطريق السريع تدعو لتوخي الحذر. وأنا حريصة على التعجيل بوضع خطتي موضع التنفيذ، لذا كنت أتسلل بين المركبات لأمسك بأول مخرج يعترضني للعودة في أسرع وقت.

اختلط المطر بريح عاصفة وصار ينزل بخيوط غزيرة منحنية وبطريقة مثيرة للدهشة. ذكرني المشهد بفيلم من عهد الطفولة لم أعد أذكر من تفاصيله غير النهاية، حين تنزل أمطار غامضة ومخيفة من الضفادع.

العديد من السيارات توقفت على جانبي الطريق منتظرة هدوء العاصفة، لكنني واصلت طريقي. تركت الطريق المحاذية للبحر وانخرطت صعودا في طريق جبلي ضيق متعرج يشرف على البحر من عل، يُمْكِنني عبره أن أختصر المسافة إلى البيت.

لم يكن على سفح الجبل غير سيارة الجيب وبعض السكنات المتباعدة وخيوط كثيفة من ماء يصل السماء بالأرض ، حين انبعث اللحن المميز من هاتفي المحمول فجأة. كان الجهاز في حقيبة يد صغيرة على مقعد الراكب الخلفي. كنت أعلم كما الجميع أنه لا ينبغي الرد على الهاتف أثناء القيادة، لكننا رغم ذلك نفعله.

انحنيت للخلف لأمسك بهاتفي، وفي نيتي أن أطلع على اسم أو رقم المتصل فقط على أن أتصل به لاحقا. لكن الصدمة كانت فجائية وغير متوقعة. قمت من مقعدي مذعورة، لقد اصطدمت بشيء ما. حافة الرصيف؟ حيوان؟

لا أدري بي إلا وقد سحقت دواسة الفرامل وفتحت باب الجيب. في ثواني كان إيقاع ضربات قلبي قد تضاعف. وما أن نظرت أمام العجلات حتى تأكدت من أسوأ ما كنت أخافه. لم يكن شيئا ما صدمت، بل كان أحدا. إنه طفل.

أسرعت إليه. ملأني الرعب وأنا أمام جسده، بل جسدها الصغير، بلا حراك. كانت صغيرة ولياقتها البدنية واهية. لا يوجد أثر للدماء، لكن يبدو أن رأسها قد ارتطم بحافة الرصيف الإسمنتي.

قلبت رأسي في كل اتجاه أبحث يائسة عمن يساعدني. صحت بأعلى ما أمتلك من صوت أطلب النجدة متوغلة في أطراف الغابة، لكن لم يكن لصدى صوتي غير وميض البرق وقصف الرعد. العاصفة في أوج عتوها وقد أفرغ المكان من أي أثر للحياة.

عدت إلى السيارة سريعا، أتقاطر مطرا ودموعا، التقطت هاتفي وشكلت رقم النجدة لكنه كان مزدحما. لا شك بسبب أحوال الطقس السيئة. عاودت المحاولة مرات عديدة لكن بدون نجاح.

صفعني هول المطر فقررت أن أحمل الطفلة بنفسي إلى المشفى. وبكل حذر انحنيت بين عجلات السيارة، ورفعتها بين يدي. كانت طفلة بشعر أسود مبلل ملتصق على جبينها وخديها، ترتدي بذلة بألوان علم الوطن.

"لا تموتي صغيرتي؛ تماسكي؛ ستنجين؛ ستنجين". وكان علي أن أقتنع بالحقيقة المفزعة: الطفلة كانت ميتة. أطلقت صرخة رهيبة. وفي حالة ذهول ضممتها بقوة إلى صدري.

حين وضعتها على المقعد الخلفي، سقط من يدها سوار مكسور. التقطته. ومر وقت طويل قبل أن أغلق باب السيارة، وألتحق بالمقود.

تذكرت أن لي والدا! وكنوع من آخر ردة فعل، قررت أن أشكل رقمه راجية من ربي ألا يكون خارج الوطن أو متوغلا داخله. اتصلت به فرد علي. عرف أنني مضطربة من نبرة صوتي الذي تخنقه العبرة: "أبي، لقد صدمت طفلة، وأظنها ماتت. سأنقلها إلى المستشفى".

"ماذا؟ توقفي حيث أنت، لا تسيري مترا واحدا، أنا قادم إليك. أنا معك لا تخافي".

عاد إلي جزء من روحي مع كلام أبي. نزلت من المركبة. جلست إلى جذع شجرة، حضنت ركبتي ودفنت رأسي بين ذراعي.

بَعْدَ لا أدري كم من الوقت كان أبي هناك وقد هدأت العاصفة. كنت مبللة أرتعد وأسناني تصطك، وأبدو أنني أصبت بنوع من الهذيان. وفي إحدى يدي أقبض بقوة وعصبية على سوار الطفلة الفضي. انحنى أبي علي ولمس خدي فوجدني أشتعل من الحمى. وربما كنت أنتظر حضوره كي أغيب عن الدنيا.

* * *

بأعصاب مشدودة، تمنيت لو أضغط على الجرح عله ينضح بما بداخله فيبرأ. اجتاحتني رغبة في الخلاص من السر الذي يقوض حياتي ويعذب نفسي. لو أواجه مسؤوليتي لعجلت بإنهاء حيرة تلك الأسرة وربما تنتهي آلامي.

قتلي متهور وغير متعمد، لكني كنت أقود بدون رخصة سواقة. أسابيع من قبل حكم علي بتعليق الرخصة لثلاثة أشهر بسبب السرعة المفرطة. أبي خاف علي من مواجهة السجن والعار، لذا فهو هناك يدفع ثمن فعلة لم يرتكبها.

كم شعرت بالارتياح وأنا أرفع هاتفي وأتصل لأحكي كل شيء.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3430898

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC