زكي شيرخان - السويد

براء

زكي شيرخانأخذتُ أقلبُ المظروف وأتطلع إلى الخط الذي كتب به اسمي وعنواني. تطلعت إلى الطابع الملصق عليه. من بريطانيا؟ من تراه يعرفني ويعرف عنواني ليبعث لي برسالة؟ الدهشة غلبتني إلى حد أني لم أميّز الخط الذي طالما أُعجبت به وأحببته. خط مميز بتناسق حروفه، ووضوحه.

خفق قلبي بشدة ما أن تذكرت صاحب الخط. أيعقل؟ بعد كل هذه السنوات العجاف؟ ارتعاش يدي منعني من فضها رغم لهفتي المتزايدة لقراءة ما تحويه.

وضعت الرسالة على منضدة صغيرة تتوسط مطبخي، وجلست على كرسي، محتضنة رأسي بكفي، ومسندة كوعي على حافة المنضدة وأنا أمسح بنظراتي كل حرف. إنه هو. أنا متأكدة من ذلك. استجمعت شجاعتي وفضضتها. أخرجت ما بداخلها من ورق، وبدأت أقرأ. أول كلمة كُتبتْ، شطبها، بعدها مباشرة:

"عزيزتي براء"

لا بد وأنه كتب حبيبتي، وشطبها دفعا لأي إحراج قد يسببه لي.

"كتبتُ لكِ رسائل عديدة، ولا أدري إن كنتِ قد استلمتها أم لا؟ أعذري تساؤلي. إنها لم تصلك أبدا لأني أعرف، بل أجزم بأنك لو كنت قد استلمتها لأجبتني. لا أدري إن كان مصير هذه سيكون مثل العشرات غيرها التي بعثتها؟"

بدأتْ حيرتي تتبدد. هو لم ينسني، تماما كما لم أنسه. لقد بعث لي العشرات من الرسائل. ولكن يا حبي الوحيد أقسم بأن هذه هي الأولى، وأقسم بأنها لن تكون الأخيرة.

"لا بد وأن تكوني قد قاسيت كثيرا بسبب ما مر بكم من مآس وويلات وكوارث، ولا أجد غير هذه المفردات تصف حالكم، وما ألتم إليه. كان يوم رُحلّنا عن وطن لم نعرف غيره، يوما لن تمحوه أقدام النسيان مهما داسته. كان يوما نيسانيا اكفهرت فيه الحياة، وسُكبتْ فيه دموع كثرٌ، واختنقت آهات في صدور نهشتها مخالب آلام.

كان من الصعب التصور بأن هناك أشد منه قسوة. رُحلّنا عن وطن شهدت أرض دارنا المشيدة على بقعة منه أول حبوي وأنا طفل، وشهدت مدرسة من مدارسه، أولى الكلمات التي تعلمتها "دار؛ دور"، وشهدت سماؤه حبي له، وشهد إحدى أزقته ولادة أول وآخر حب لي.

رُحلّنا عنه لأننا من أصول عرقية نزحت عبر الحدود قبل أكثر من ستين عاما. جاء جدي قبل تنصيب أول ملك في هذا البلد زائرا مع والده التاجر الذي تربطه بتجار، ما أعتبره لحد الآن وطني، مصالح تجارية.

شاءت الأقدار أن يبقى ويتزوج من ابنة أحد معارف أبيه. شهد هذا الوطن ولادة أبي والذي شهد ولادتي. ألا يكفي أن يولد أبي وأُولد أنا على هذه الأرض حتى لا نُعتبر نازحين؟

يوم جاؤوا إلى البيت لأخذنا إلى الحدود ورمينا إلى ما وراءه، قالوا لأمي: "أنت لستِ منهم ويمكنك البقاء"، فردّت على من قال ذلك القول "أو تظن يا تعس بأني سأتخلى عن زوجي وأولادي؟"

رفع ذلك التعس يده ليلطمها شاتما فأسرعت لمسك يده وقد أخذ الغضب مني كل مأخذ صارخا بوجهه "فاشست". تحول نحوي ولطمني بقوة. سقطت أرضا والدماء تسيل من وجهي وليترك أثرا على الجانب الأيسر من فمي شهادة لي ممن جرحوا الوطن قبل أن يجرحوني".

كم تمنيت فيما بعد لو كنتُ زوجته لأرحلّ معه كما رحلّت أمه مع أبيه. كان علي أن أدرك أن الوطن أبيح لهم، وإن كانوا قد وجدوا سببا لترحيل كل تلك الآلاف، فإنه لن تعوزهم الأسباب لزج مئات الألوف في أتون حرب لم تُبقِ ولم تذر. ولن يعدموا الأسباب للزج بغيرهم في السجون. ولن يعدموا الأسباب لدفع الملايين لترك الوطن. آه يا حبيب العمر لو كنتَ تدرك كم عانينا؟ وكم تمزقنا؟ وكم نزفنا؟ وكم؟ وكم؟ وكم؟

"عشتُ أشهرا في بلد دفعوني عند حدوده وقالوا بصلف بالغ وضحكات استهزاء ملأتهم فرحا مجنونا، وبصفعات مزقت أصواتها سكون ذلك الليل البارد برود الموت "عودوا إلى وطنكم".

وطننا؟ أي وطن هذا الذي لا أعرف لغة أهله؟ ولا أقرباء لي فيه أعرفهم. لم أشرب ماءه ولا شممت هواءه. وطن لا أملك فيه غير أرض وطئتها قدماي لأول مرة.

هناك وطني حيث دارنا، جيراننا، وأصدقاء لنا ومعارف. هناك حيث الأهل. هناك حيث تركت من أنتمي لهم انتماءا حقيقيا. هنا الغربة حتى لو كان حيث ولد الأجداد".

يا حبيب القلب، لو تدري كم عشنا أغرابا هنا؟ هنا حيث الوطن صار أوطانا، والناس أناسا. هنا في وطنك، سُلب كل شيء، الأرض والعِرض. وفوق كل ذلك استُلبت إرادة إنسان هذا الوطن. سُحقت هامته. أصبح بقايا إنسان.

"هنا، فيما افترضوا وقرروا هم وحدهم أنه وطني، لم يتقبلوني. اعتبروني نازحا، مُبعدا، وفي أحسن الأحوال إن أجدادي كانوا من أبناء تلك الأرض وتخلوا عن هويتهم. اُسكنا في مخيمات، واُطعمنا التبرعات. القلة منا كانوا يعرفون أن لهم أهلا هنا. أما الكثرة والذين كنا منهم لا نعرف أن لنا أقارب من الفروع نلتقي بهم عند الأصول. وحتى الآن، بالرغم من السنوات الطويلة التي عشتها هنا وتعلمت لغة أهلها وعملت بها، لا زلت أحس بالغربة، أو بعبارة أدق، هم يشعرونني بأني غريب عنهم. لا يختلفون إلاّ بالشكل عمن أزاحوني عن وطني".

أحسست بدمعي يسيل على خدي بعد أن ملأ مني المآقي. ولم أعد أرى ما كتب على الأسطر بوضوح. كانت فرحتي بوصول الرسالة منه قد اختلطت بحزن ما عاناه، مضافا إليه شيء من غضب وحنق. كان الألم يجتاحني أمواجا عاتية لم أكن لأتصور أن بإمكان أعصابي أن تتحمله، ولكني لم أستطع ترك ما تبقى من الرسالة. هذا محال. إن مجرد فكرة إكمال قراءة الرسالة فيما بعد لم تكن لتُحتمل. كان عليّ إكمال قراءتها غير عابئة بالآلام.

"كانت أحداث سنوات الحرب التي أُضرمت بين بلدي وما فرضوه عليّ كبلد، هي الأشد وطأة على أعصابي. هذه الأحداث جعلت الأحزان رفيقا لا يمكنني التخلص منه، وأصابتني كآبة مزمنة. كانت مشاهد المعارك التي يعرضها التلفاز قاسية كقسوة من بدأها. كان منظر الجثث مبعثرة على الأرض، والأوصال ممزقة في الوحل شيئا غير قابل للتصديق.

لم أشعر بفرح يوما ما من فكرة أني أُبعدت عن الوطن فتخلصت من الخدمة العسكرية ونجوت من الموت أو فقدان عضو من أعضائي، لأن من كنت أراهم ربما كانوا أصدقاء طفولتي أو أبناء محلتي أو زملاء دراستي. كانوا بعمري، وأقل عمرا وأكبر. كان الوطن يفقد كل يوم الكثير من أبناءه.

كنت أفرح فقط عندما أرى الأسرى وهم يساقون إلى المعسكرات. هؤلاء لن يشاركوا في الحرب ثانية، وسيعودون يوما إلى الوطن ليبنوه من جديد. ولكني لم أكن لأتصور أن القسوة ستتطرف إلى هذا الحد الذي يُعاد هؤلاء وهم أنصاف أحياء، بقايا آدميين. حطام ليس إلاّ.

وعندما زاد نهم الحرب ولم تعد تكتفي بالسنوات العديدة التي مضت بل ترغب بالمزيد من سنوات أُخر، تذكرت أبناء حينا الذين عندما رأيتهم آخر مرة كانوا في ريعان الشباب، وكنت أقول لنفسي، لا بد وأنهم أنهوا دراستهم الآن، وهم منخرطون في الخدمة العسكرية. تذكرت عبد الستار، مازن، صباح، دريد، عبد الله، وسيم، وليد، وآخرون أتذكر أشكالهم ولكن لا أتذكر أسماءهم".

لم أعد أقوى على الاستمرار في القراءة، فقد فتح جرحا بالكاد اندمل. فكل هؤلاء الذين ذكرهم وغيرهم لم يبق منهم حيٌ واحد، ما عدا مازن الذي ما زال يتمنى لو قتل في إحدى المعارك بدلا من فقدان ساقيه وأحد كفيه. صارت المآتم في حينا أشبه بطقوس منتظمة، فما يكاد ينتهي مأتم حتى يبتدأ مأتم آخر.

اعتاد كل واحد من هؤلاء الذين ذكرهم والذين لم يذكرهم أن يودع كل أهل بيوت الزقاق بعد انتهاء إجازته الدورية لأنه لم يكن متأكدا من عودته في إجازته التالية، ولربما عاد جثة في تابوت ملفوفا بعلم الوطن.

لم يأت على ذكر أخي محمد. أتراه نسيه؟ أم لم يجرؤ على أن يسأل عنه؟ محمد الذي أعادوه يوما في تابوت ملفوف بعلم وكتوب عليه عبارة "الشهيد محمد رمضان صادق".

قال الضابط: "يُفضّل عدم فتح النعش". لكن والدي أصر على ذلك قبل دفنه، حيث سرت شائعات بأن البعض ممن سٌلّمت جثثهم لذويهم لم يكونوا هم.

كانت صدمة أبي كبيرة عندما وجد نصف ابنه. نصفه العلوي فقط. قطع أخي إلى نصفين. نصفه العلوي خال من أي جرح. كانت صدمة أبي الأخرى هي أنه وجد في التابوت ساقين. نصف أخي العلوي أضيف إليه ساقان. ترى لمن هما؟ وأين النصف العلوي لصاحب الساقين؟

"كنتُ أكتب لك رسائل أبعثها مع معارف لي يسافرون إلى بلدان مختلفة، وأطلب منهم أن يرسلوها إليك بالبريد. كتبتُ الكثير الكثير منها استفسر عنك وعن أحوالك وأحوال الوطن وأهل وطني الذي كُتب علي أن لا أقتنع بعد كل هذا البعد عنه بغيره. كنت أكتب بدون أن يدب اليأس إلى نفسي. كنت أقول، لا بد أن تصل إحداها. لو وصلت واحدة فقط. كنت أمنّي النفس بالآمال. أن أشم رائحة الوطن من خلال رسالة تصل منكِ. كم انتظرت؟ وكم أضناني الانتظار؟"

لو كنت استلمت على الأقل واحدة من هذه الرسائل لكان حزني على من فقدت تباعا ربما أقل وطأة يا حبيب العمر.

استلتني مما أنا فيه يد رفاه، ابنة أختي ذات الأعوام الستة، وهي تضعها فوق كتفي. التفت إليها برعشة من فوجئ، وقبل أن أتفوه، سألتني بعيون نصف مغمضة:

"ما بك يا خالة؟ لماذا تبكين؟ أهذه رسالة من خالي جعفر؟"

ليت جعفر كتب لي ولو سطرا واحدا مثلما كتب لي هذا الحبيب صفحات. هذا الحبيب قد عرفت أنه ما زال يتنفس ولا أقول حيا، ولكن جعفر؟ أي بقعة من ارض المحافظة المضافة ضمته؟ إن كان أبوك، يا صغيرتي، قد رُد إلينا وقد اخترقت الرصاصات صدره في ذلك الشهر الذي أنفجر فيه الدم الغاضب بوجه جبروت لم يُقتلع. آلاف أخرى كان قدرها أن تضيف إلى الدم المراق دما آخرا.

"لا، يا حبيبتي، إنها من عزيز على القلب آخر. عودي إلى سريرك فما زال الصباح في أوله".

عادت إلى غرفتها ولتعود الذكريات تسحق كل شيء فيّ.

"بعد وصولنا إلى هنا بأشهر، توفي والدي كمدا وحزنا، وبعد أقل من عام لحقت به أمي. أختي تعيش مع زوجها في مدينة أخرى بسبب عمله، ولها بنت. أخي بقي في انجلترا بعد أن أنهى دراسته، ويحمل الجنسية البريطانية، ويعمل مديرا للمبيعات في إحدى الشركات. ولأن لغته الأم هي العربية فهو كثير السفر إلى البلدان العربية وخاصة الخليجية، وهناك يفاخر بمناسبة وبدون مناسبة من أنه أبن هذا الوطن الذي ما زال لحد الآن مُصرّا على التحدث بلهجته.

أنا اكتسبت خبرة ممتازة من خلال عملي كل السنوات المنصرمة، ولا يمكن لأحد أن يميّزني عن أهل البلد بسبب اتقاني للغتهم بمختلف لهجاتها. ولأني أعيش وحدي حيث لا زوجة ولا أولاد، فقد اقترح أخي أن أنتقل إلى جواره لأعمل في أحدى الشركات، وقررت أن أرحل إلى هناك وأستقر إلى أن تسنح الفرصة لأعود إلى موطني. لدي إحساس، ومنذ رحلّوني، بأني عائد إليه ولو جثة لأدفن في ثراه.

إن قدّر لك واستلمتِ هذه الرسالة، فأرجو أن تبعثي لي على عنوان أخي المدرج في الذيل، لأني مغادر إليه خلال أيام. لا أتمنى غير أن أستلم منك. أما العودة إلى الوطن فهي ليست أمنية فقط بل هي حقيقة وإحساس، كما قلت لك، لست في ريب منه. تحياتي. خليل".

تسمرت في مكاني. اجتاحتني موجة عارمة من مشاعر شتى لا أستطيع أن أسمّي أي منها. رباه، أنهاية الأحزان هي؟ أم مكافئة على صبر صار ملازما للعيش؟ أم تراه تعويضا عن كل ما فقدته؟

لم أجد نفسي إلاّ وأنا أنهض من مكاني متجهة نحو غرفتي لأعود مسرعة بدفتر رسائل وقلم لأبدأ الكتابة.

"حبيب العمر،

لا أدري من أين أبدأ؟ ولا كيف؟ ولكن ما أدريه هو أني، وبدون إرادة مني، ها أنا ذا أكتب إليك. سأخبرك عن كل شيء ولكن قبل كل شيء، لا بد أن أقول، لقد أعادتني رسالتك إلى الحياة، أو أعادت الحياة لي. لقد فتحتْ لي كل الأبواب التي أغلقتها نفوس مريضة، وعادت إلى شراييني دماء امتصتها أفواه شريرة.

رسالتك مولد جديد لي بعد أن تعسرت الولادة. سأتبعك أينما تكون لنعيش سوية أملا بالعودة في يوم ستزهر كل النفوس فيه. حبيبتك براء".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2977682

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC