زكي شيرخان - السويد

أسئلة

زكي شيرخان"كل شيء تغير في المدينة التي أعتدتها، هل أقول أدمنتها؟ الغريب أن أسمها بقي كما هو. شوارعها، ساحاتها، محلاتها ظلت محتفظة بأسمائها فقط. لا أدّعي أني لم أعد أعرفها، وأتوه في دروبها وأزقتها، لكن ينتابني حيالها ما لا أستطيع تفسيره.

"أنا غريب فيها. هل عليّ أن أصحح العبارة؟ هي الغريبة عني. شيء ما، أو بالأحرى، كم هائل من أحداث أذابت ما ربطني بها. قيدٌ كبّلني بها، فيما مضى، كنتُ أحبه. حتى وجوه أبناءها، أو من تبقى منهم، وهم قلة، لم تعد تعكس القها.

"يجتاحني شعور، وأنا أحث الخطى في شوارعها ذهابا وإيابا لعملي، بأن أغرابا اجتاحوها".

ترك مكانه وأتجه نحو الحديقة الخلفية للدار، أو ما كانت يوما. صيف هذا العام الساخن سينتهي كما انتهي غيره. ها هي الشمس على وشك أن تغرب كعادتها كل يوم. أغمض عينيه، لا يريد أن يرى إلّا ما بداخله.

"ما الذي اعتراني؟"

على مدى الأشهر الماضية هو على غير عادته. لم يعد يستسيغ أيا مما بات يُمارسْ بحكم العادة ليس إلّا. صار النوم له عذابا، فما أن يلقي جسده المتعب حتى تأتيه الأفكار تدوس سنابك خيل راكبها، وأقدام راجلها، عقله المجهد. لا يستطيع أن يسلسل قدومها ليواجهها. يختلط الحابل بالنابل.

تحضره وجوه، أحداث، أتراح، مآسٍ. وإن جاءت فرحة مصادفة، سقطت صريعة طعنة تلك الدماء التي تأبى مفارقة الذاكرة مذ رآها غب تفجير وقد لوّنت أحد أرصفة مدينته التي يحس بالغربة فيها كأنه لم يتعرّف عليها منذ ثلاثين عاما هي سنوات عمره.

يومها، قال لنفسه: "هل يمكن التميز بين دم الرجل ودم المرأة؟"، "كيف خلط مُفجّر نفسه دم رجل بدم امرأة؟"، "أليس أختلاط الرجال بالنساء محرّما؟". ركام المأساة يطرح أسئلة سخيفة لا تستحق إلّا أجوبة أسخف.

"ما الذي أوصلك إلى ما أنت عليه؟ هذا أيضا سؤال سخيف آخر".

هذا ما كان يردده مع نفسه كلما اختليا معا، وما أكثرها كانت فرص الخلوة! لم يعد يشعر بالآخرين خاصة المتكيفين.

"ما هو التكيف؟ كيف يمكن لإنسان أن يتكيف مع وضع كهذا؟ لقد تكيفت مع هذا الوضع لما يزيد عن عشر سنين، أليس كذلك؟"

كان حوار الذات هذا يخيفه أحيانا. كان يخشى أن يكون يحاور بصوت عالٍ فيُظن به الجنون. يعود مطمئنا :

"سيقال عني إني جننت، من منا العاقل؟ فليتقدم من يجرأ على القول إنه عاقل في هذا الزمن المجنون".

فتح عينيه. كان قرص الشمس قد غيّبه الأفق، ولم يبق له من أثر إلا هذه الحمرة التي أحضرت صورة جهنم في ذهنه.

هل عليه أن يراجع طبيبا نفسيا ؟ ما الذي سيقوله؟ كيف سيتعامل الطبيب معه؟ من المؤكد أنه سيصف له مجموعة أدوية تجعل منه إنسانا معطّل العقل، لا تستفزه الأحداث، ولا تثير مشاعره مآسي الحياة اليومية. لن يغضب إن أنقطع التيار الكهربائي لأيام وليس لساعات. لن يهتم لابتزاز زملاءه من الموظفين مراجعيهم كي يقدموا رشوة لإكمال معاملاتهم. لن يبالي إن احتلت المجاميع المسلحة التي وفدت من كل بقاع العالم بلده، ولن يمثل له أي فرق إن أعاد الجيش تحريرها من أيديهم. ألا يصفها الإعلام بمعارك الكر والفر؟ باختصار سيصبح أحد المدمنين الذين لا يستطيع القانون أن يطالهم، إن كان هناك من قانون يعاقب متعاطي المخدرات.

هذا الطبيب المفترض، كم من البشر عليه أن يعالج؟ هل يبتدأ بنفسه؟ ألا يعاني هو الآخر؟ "من المؤكد أني لست وحدي من يعاني من مثل حالتي".

* * *

= اللّغْو، هو الممارسة الجادة الوحيدة في عصرنا هذا، أو وقتنا هذا، أو زمننا، سمه ما شئت.

قالها لصاحبه بجده المعهود. سأله الآخر:

= أعرف براعتك في التعبير، وأعرف كذلك دقتك في استخدام المفردات. ما تقصده باللّغو؟

= جد المعنى الدقيق في "لسان العرب".

تركه متوجها لغرفة المدير العام.

في طريق عودته توقف عنده. اتكأ على المنضدة. أحنى جسده حتى أصبح رأسه قريبا من رأس صاحبه. وبصوت يكاد يكون همسا قال:

= عند انتهاء الدوام، ستدعوني للغداء في مطعم أختاره أنا. أطمئن، لن يكلفك كثيرا، فأنا زبون دائم وأحصل على خصم خاص.

* * *

اختار منضدة في الركن البعيد عن المدخل. ما أن جلسا حتى قال:

= إحدى مساوئك شغفك بتقصي أخبار الآخرين، ومن محاسنك أنك صندوق أسرار غير قابل للفتح.

صداقتهما من أيام الجامعة تجعله يتقبل ملاحظاته القاسية في بعض الأحيان، إضافة لمعرفته التامة بطيبة قلبه، ونقاء سريرته.

= أراهن أنك لن تندم على دفع ثمن ما سنأكله. ما سأقوله لك يساوي أكثر. يا صاحبي مديرك العام سيهجر البلد.

= إما أنك تمزح، أو هناك خطأ، أو أنك سمعت خبرا كاذبا.

= هذه ثلاثة احتمالات. الرابع أن ما أقوله صحيح.

= ماذا عن موقف كتلته السياسية التي خُصص لها هذا المنصب بموجب نظام المحاصصة؟

= المنصب محفوظ لهذه الجهة، كل ما هناك سيشغل المنصب آخر منتمٍ لهذه الكتلة، أو محسوب عليها، أو قريب منها، أو دافع سعرها.

= لا أصدق أذني، أنت من يتحدث بهذه الطريقة. أنت؟ هذا غير معقول.

= وما المعقول في هذا البلد؟ لا تقل لي إنك فوجئت بما سمعته.

= ما قصدته: مديرنا العام، لو كانت الأمور تسير بشكل طبيعي لم يكن يستحق إلا وظيفة في أدنى السّلم. راتب خيالي، فصيل حماية، أسطول سيارات دفع رباعي، يقضي خارج البلد موفدا أكثر مما يقضيه في الدائرة.

= متى كانت الأمور طبيعية؟ فيما مضى، ألم نخض حروبا بقيادة أناس حتى لم يخدموا حتى كجنود؟ ألم تُدر الصناعة من قبل أناس لم يكونوا يفرقوا بين الحِرف والتقنيات المتقدمة؟ هذه الـ (لو) حرف امتناع لامتناع، بمعنى أنه امتنع الثاني لامتناع الأول.

= لكن لماذا يهجر البلد؟

= لا أريد أن أخمّن بدون دليل، لكن سنسمع ما خفي من نائب في البرلمان منتمٍ لكتلة مناوئة سينشر الغسيل الوسخ ليس قبل أن يهجر مديرنا العام البلد.

استمر حديثهما أثناء ما كانت أطباق الأطعمة تُرص على المنضدة.

= الكل يريد ترك البلد، الفقير والغني، الجاهل والمتعلم، الصغير والكبير، السارق والشريف، الملحد والمتدين، السائل والمسؤول.

= القفز من سفينة على وشك الغرق.

= ألم تغرق بعد؟

وهو يلوك اللقمة في فمه، حضر سؤال في ذهنه: "ترى كم عدد الأشخاص الذين ينتظرون في دول الجوار حتى يحين موعد هجرتهم لأوروبا، أو الولايات المتحدة، أو كندا ممن تسهّل له الأمم المتحدة هذه المهمة أو يسهلها مهربون؟"

* * *

تذكر يوم سأله صاحبه ذات مرة بعد أن عرف أن أخاه يعيش في هولندا، وأن أخته تعيش في بلجيكا، وأن له أقارب في كندا:

= ألا يستطيع أحد منهم أن يرتب لك أمر هجرتك؟

= بلى.

= ولم بقاءك لحد الآن؟

= هذه زوبعة سرعان ما تمضي. ستترك أثرا، لكنا قادرين على إعادة البناء. هذا بلد واعدٌ مستقبله. نحتاج بين خمس وعشر سنين.

= أخشى أن يكون رهانك خاسر.

= لم لا تهاجر أنت؟

= لا أدعي البطولة، أنا مجبر على البقاء وأنت تعرف ذلك جيدا.

"مضت السنوات العشر. هل أقول ذهبت هباءا؟ أين حصل الخطأ؟ كيف؟ متى؟ هل اللعبة أكبر منا؟ هذه أيضا تصنّف ضمن الأسئلة السخيفة".

* * *

عاد من الحديقة ليكمل الرسالة الإلكترونية التي بدأها. أعاد قراءتها يريد أن يعيد تسلسل أفكاره.

"كل شيء تغير في المدينة التي اعتدتها. هل أقول أدمنتها؟"

توقفَ. ما الذي يريد بهذه المقدمة التي لن تقدم أو تُأخر؟ محا كل ما كتبه. بدأ من جديد.

"كررتَ عدة مرات أن باستطاعتك تقديم طلب لدائرة الهجرة تطلب الموافقة على التحاقي بك باعتباري شقيقك. ابدأ الإجراءات وأعلمني بما علي أن أفعله".

لم يرد أن يمنح عقله فرصة التراجع، ضغط بسرعة بيد مرتجفة من شدة الانفعال مرسلا إياها.


forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3430898

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC