حاتم الشبلي - السودان

جديبة وتسقي حقل الليل

حاتم الشبليفي بناية غير مكتملة، تحت التشييّد، ليس بها أبواب، تفتح من جهة واحدة لتطل على الشارع الإسفلتي الخفيف الحركة، الطوب الأحمر الغاطس في كتلة الأسمنت على شكل مربعات وسطور كأنّما أمامك كراسة حساب كبيرة هو بالضبط ما يمثل العلامة البارزة التي تنبئك بالمكان فلا تخطئه أبدا.

النوافذ مغطاة بجوالات من الخيش تتدلى من أعلى إلى أسفل وأحيانا تترنح مع الهواء لتكشف ما بداخل الغرفة، ولن تجد سوى عناقريب فقدت صلاحيتها، جركانات مملوءة وأخري فارغة، طرابيز حديدية قصيرة السيقان، مقاعد مهترئة، وطشت يتوسط مساحة الغرفة.

أكثر ما يلفت انتباهك بالمكان الأطفال، ولن تستطيع أن تحصي عددهم، غالبا ما تجد مجموعة منهم تتراكض في باحة البناية حفايا ونصف عراة وبملابس متسخة وبالية، دائما ما يهاجمك أحدهم باسطا يده المتسخة طالبا عملة معدنية، ثم ينصرف ليأتي آخر مكررا نفس المشهد.

هي دائما في حالة قلق، تتمشي بلا هدف ما بين الغرفة الأمامية والطريق الأسفلتي وأحيانا تمد خطواتها قليلا لتتفرس ملامح العابرين والسيارات المتتالية بطريقة تعرفها جيدا، نادرا ما تجدها متكئة على سرير حديدي قصير ترضع صغيرا عاريا سالت من أنفه خطوط خضراء تكاد أن تلج فمه الصغير.

المعتاد في عملية البيع والشراء أن يكون هنالك حوار بين الزبون وصاحب البضاعة، وربما يطول أويقصر على حسب الحالة، هنا ينكسر هذا القانون، لا مجال لإطالة الحديث أو التفاوض، السرعة سيدة الموقف، وهذا هو الاتفاق الضمني بين الطرفين.

بخفة تضع نقودها بداخل علبة معدنية على أرضية الغرفة ثم تختفي فجأة ما بين الغرف المبعثرة لتعود من جديد، أحيانا تتحدث بلهجة عسكرية خشنة طالبة من الجميع مغادرة المكان، خاصة حينما يعبر أذنيها بعض من إزعاجات الدوائر البشرية.

قوانين المكان وضوابطه فرضتها الظروف العامة وصاغتها هي بخبرتها الطويلة في تلك المهنة، ما بعد شارع الأسفلت لا وجود للتسميات الاجتماعية المعروفة، الطالب والطبيب والمتعطل والأحمر والأسود والصغير والكبير يندرجون جميعهم تحت مسمى واحد، ويخضعون بالتالي لنفس طريقة التعامل ولابد من أحترام هذه القاعدة وإلّا فلن تحظى بشيء، بل ربما تطرد كأي شحاذ حتى ولو كنت صاحب حظوة ومكانة اجتماعية معروفة.

وبعد أن تتم عملية البيع يتقرفص الأطفال على الأرض أمام الغرفة علي شكل دائرة كبيرة مهيأة لابتلاع الحجارة نفسها، ناهيك عن قطع الطعام القليلة التي جادت بها شروط الأم، وأثناء ذلك يتعلمون درسين في وقت واحد، الأول هو كيف تقاتل من أجل عظم أو قطعة رغيف لتطفئ بعضا من جوعك الذي لا يحس به أحد غيرك، والثاني هو أن كيف تحتمل قرصات معدتك وإلحاحاتها ليكف الرضيع عن البكاء، ليعاود نشاطه المتواصل في التجوال المستمر، والتغوط أمام مدخل الغرفة، والتبول حيثما خطر على باله والبكاء.

البنت الأبنوسية صاحبة التسعة أعوام والتي تمتص ملامحها ترسبات الهم والشقاء اليومي، تأخذ دور الأم في غيابها، وتفعل كل شي،ء بدءا من إدارة المكان، وليس انتهاء برعاية الصغار. وربما لو جادت عليها الطبيعة لتموقعت في سرير الأم حتى يكف الرضيع عن البكاء، ولكنها تفعل ما بوسعها وتستعيض عن ذلك بترديد أهازيج الجدة واللولاي، وأحيانا السب والّشتم.

أيضا تكون في مقدمة الغرفة بجانب الباب الخشبي المخلوع وخلفها مجموعة الأجساد المرتعشة الباردة التي تفتقد دفء الأم حين تأتي العربة الزرقاء التي تحمل الرقم 999 في زيارة خاطفة للمكان .

ما ذكرته هو بالضبط مشاهداتي ومعايشتي لعدة سنوات لتلك العوالم التحتانية والليلية، والليلية هنا لا تعني بالتأكيد تحديد زمن النشاط وحصره، فهذه الأماكن تستطيع أن تولج النهار في الليل وتولج الليل في النهار، بالإضافة إلى كونها تمتاز بهواءات وأمزجة تفتح أشرعة الخيال على ألف احتمال واحتمال.

هذا المكان الذي كنت أتحدث عنه هو بناية نصف مكتملة، مملوكة لأحد زعماء البلاد التأريخيين، ورثها من حكومة المستعمر الانجليزي حينما غادر.

الآن تسكنه أسرة مكونة من أم هي أنجلينا أنيانق وعدد من الأطفال وتمارس فيه تجارتها منذ وقت طويل، ولها العديد من الزبائن المرموقين من ضباط وأطباء وأساتذة جامعات وطلاب وصحفيون ومتسكعون وكتاب وشماشة ومن كل صنف.

أنجلينا لا تحسد أحدا، رغم علمها التام بأن مشروبها العزيز ينال حظوة لم ولن تنلها هي أو أيا من رديفاتها الأخريات طيلة حياتهن البائسة، تدرك شؤون الليل وحفلاته وإيقاعات النشوي والتطريب التي تتوهج بفضلها في قلب المدينة، تدرك هندستها البارعة لأوقاتهم السعيدة، بينما تبقي هي في أقصي توترها و خوفها اليومي، تكابد خبزها المملوح بدموع الصغار، وطعامها المكدود، تتنفس هواءات ساخنة وتمشي على باقة الجمر.

أنجلينا تبدأ عملها المصبوغ بالمجازفة في سرية تامة، حين يهجد الجميع وتشتعل ليالي المدينة بالأغنيات والشبق والدوار، توقد كانونها الطيني ثم تنتظر في قلق وفرح، قطرات الذهب، كفلاح رمي بذوره وضرب موعدا مع البرق والرعود. في جحر المدينة الخربة، ينمو عالمها المزدهر بالأثارة والترقب الممتد، عالم أنثي تتقاطع علي جسدها المنحول أقدام الفيلة المتصارع، ولكنها تبتسم في هيئة مباركة وتعلن انتظارها على الملأ.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3180302

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC