إيناس يونس ثابت - اليمن

كذبة صغيرة

تحت أغصانها المتكاتفة الرحيمة أستريح، ويتكئ جسدي على جذعها الحنون. تحميني بثوب نقي مازال بادي الخضرة، تخشخش، وتداعب قدميّ بأوراقها اليابسة التي تتساقط بين الحين والحين.

ورقة كبيرة منها ضممتها بين دفتي كتابي، لتكون إشارة للصفحة الأخيرة التي بلغتها، وحينما هبَّ نسيمٌ منعش لطيفٌ زارتني نعيمة الطيبة، ويدها كالعادة لا تخلو من طبق فاكهة أو حلوى، وفي اليد الأخرى شمسية تزهو بها اعتزازاً وإعلاناً ينم عن حبها لشاكر من أهدى لها الشمسية.

تلهو أصابعي بطرف ورقة من الكتاب، وأنا أستمع لحديثها الأسطوري عن الحبيب الغائب، وحكايتها لا تخلو من التذكير والإشارة إلى إهدائها الشمسية من شاكر في بلاد بعيدة، ثم تعرجُ إلى الحديث عن بطولاته، بينما حبات الفاكهة تختفي بسرعة في فمها المستدير الواحدة تلو الأخرى، وسرب من النمل مستنفر لينال بعض الرزق من وليمة نعيمة لو خطر لها أن تفترش الأرض مع طبقها، فأجد نفسي مرغمة أن أنصرف عن مطالعة الكتاب والإصغاء لما تقول، كإشارة مني إلى انسجامي مع مغامرات شاكر صاحب البطولات التي لا تتوقف، فأهز رأسي للموافقة على أساطير فارسها، ونفسي تكتم الضحك حيناً وتشعر بالملل أحيانا أخرى، وفي داخلي ما يقول لها: "كفى يا نعيمة"، بينما لساني يسايرها بالقول لها: "يا لحظكِ بهذا الفارس النبيل، لا تتعجلي الرحيل وأكملي القصة يا نعيمة".

قصص نعيمة عن بطلها دون كيشوت مقاتل طواحين الهواء شر لا بد منه، تبالغ فيما تختلق وتروي أو تتوهم مرة تلو مرة، وكلها قصص خرافية تعودتُ أن أسمعها.

ومما ترويه نعيمة عن بطولة فارسها أنه يقضى بضربة واحدة على عشرة رجال من أصحاب البنى القوية، حتى أمسى بطلا وأسطورة في الشجاعة والإقدام، تضرب به الأمثال في البلاد البعيدة والقريبة، فيرتعد من يسمع اسمه وتذوب الأفئدة خوفاً منه وخنوعاً، وتزرّق وجوههم إذا ما تراءى لهم خياله. هو ليس شجاعا وحسب، بل شهم وكريم، وفي حسنه يتميز بأحلى الوجوه.

تجاوزت نعيمة المسكينة الحد وهي تهز كتفها تِيهاً ودلالاً قائلة إنه فارس أحلام الشقراوات الحسان، ليس فارسا فحسب بل شاعرا فاق عنترة الفارس المقدام، يتغنى بمعلقته في خضم المعارك وهو يعتلي صهوة جواد أصيل من أجل حبيبته نعيمة.
تتفتق مخيلته بالشاعرية ويتدلى من صدره قوس وجعبة للسهام، وبين يديه تولد الكرامة والشهامة العربية، لو عاد به الزمان لغار منه عنترة ولأحبته حتى الصبابة عبلة العاشقة الأسطورية، وهنا سألتني: "أتظنينه يتركني من أجل عبلة؟"

تظاهرتُ بالحيرة والتفكير وحدثتني نفسي: "لو سمعكِ عنترة لانتفض من قبره واستل سيفه وقطع لسانك يا نعيمة".

ضحكتْ وأكملتْ بصوت واثق مرة أخرى: "يحوم حوله الكثير من الفتيات ويرفض أن يلمحهن بطرف عينه كرمى لعيني نعيمة البهية".

هززتُ رأسي إشارة مني على الموافقة وأنا أقول لها: "نعم، نعم. هذا صحيح".

بعد بضع سنوات عاد شاكر من غربته إلى البلدة ترافقه سيدة جذابة شقراء تكبره أعواما وتظهر عليها علامات الثراء، عرفتُ فيما بعد أنها زوجته ولن تطول إقامتهما في البلدة .

أسرت نعيمة الأمر في نفسها وقالت لي وهي تكابد غيظها: "حتى زواجه من العجوز الشمطاء القبيحة كان تضحية لأجلي، المسكين سيصبر على قبحها وعمرها الكبير ليأخذ ثروتها ثم يتركها ويعود إليّ وننعم بالعيش في هناء وثراء".

هززت رأسي أمامها أدعي تصديقي لها كعادتي.

غادرتني نعيمة وأنا أردد: "أوهامك كبيرة يا نعيمة، أما تمثيلي وقبولي ما تقولين فهو مجرد كذبة صغيرة".


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2959346

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC