محمد كتيلة - كندا

صمتكم يواري خيام الأهل في البعيد

برد في ذاكرة البعض في سورية وزمهرير. وهم ليسوا قلة ولا حفنة من تراب، بل من رماد وصقيع، والوطن بالنسبة لهم، عبارة عن قبضة من ذهب لا علاقة له بالعواطف المشبوبة بالمخاطر والعواصف، ولا في حسابات الحرية والعدالة الخارجة عن مألوف ما يعبدون.

دبابات تلتهم البيوت والشوارع، تقضم عظام الأطفال ولحوم أهاليهم. رصاص يشق طريقه بلا مبالاة في نهارات وليالي المدن والقرى الوادعة، وقناصات تختطف بلا أسف، وبكل صلافة وإستبداد، أرواح من يلوحون بأجنحة الحرية بلا رحمة.

حرب مفتوحة على الجحيم، لا هوادة فيها وضروس بشعة ومن طرف واحد غبي شرس، تلفت انتباه العاصي والبريء والقاصي والداني، القريب والغريب والبعيد المنفي المشرد والمؤمن والكافر. العاطل عن العمل والمقهور والتاجر الميسور، إلا هم كهنة الدم، من يفترشون موائد الإفطار المطلة على سيلان الدم والذبائح، لا يرف لهم رمش ولا ضمير، وكأنهم في إجازة عن البلاد، وما يجري من حصار ودمار وتشتيت وتفتيت، مجرد سحابة صيف ستتلاشى وتتبخر من حالها والسماء ستمطر عما قريب وسيختفي الدم.

الصباحات أعلنت حدادها منذ الدقائق الأولى لفجر اندلاع الحرب. ليل وضجر، حرب وغضب وإقتلاع قسري للبشر والشجر من الأرض وحليب الأمهات.

قتل وتشريد، والقلوب المتعبة الأسيانة الصابرة المكابرة،على مرمى قذيفة وعلى بعد رصاصة، وفي عيون الذئاب والبلاد في انهيار شامل ومتكامل. وهم لا هنا ولا هناك ولا من المكان والزمان ولا هم يحزنون.

الخيام في البعيد، أثر جهنمي من آثار الحرب المدمرة، منصوبة على الريح ومساعدة الجيران والهبات والصدقات التي لا تكفي لإطعام الحمام المخيم في سماء الخيام القاحلة.

خيام بيضاء مسالمة، منصوبة أمام الكاميرات المصوبة على الوجوه المحملقة في الفراغ وما يسعفهم من الأخبار عن الثورة والثوار وما يفد إليهم من قلب الحصار.

كل خيمة ليست إلا جلد غيمة عصية على التلاشي ومهما عصرتها أو طاردتها لا تذوب ولا تختفي، أثر كالوشم لما تقترفه أيادي القتلة، طعنة بغيضة من قرون ثور هائج يناطح دم ضحاياه.

لقاء صامت ومريب بين من أصبحوا بلا مأوى. خيام لا نوافذ لها، محاصرة بالجفاف وإنقطاع الأخبار عن حياتهم وما كان، تطل على نداءات بيوت كانت لهم واختفت فجأة مع الطلقات المتعددة الأصوات والأهداف.

إقامة إجبارية في العراء، لا هم بسكان ولاهم بموتى. ضحايا عدوان سافر قاهر، والأرض ليست بعيدة عنهم ولا هم عليها والزيارة ممنوعة، لا أقرباء يأتونهم ولا أصدقاء والصمت القاتل يعاقر النسيان على شرفات ذاكرة باردة.

رغم كل هذا السأم والبؤس واليأس تأتيهم الرياح من جهات البلاد محملة بطيب الأهل وتضحياتهم، من المدن والقرى المخضبة بالدم، المرفوعة على الحناجر المطالبة بالانعتاق وتحرير الأرض والإنسان، من شاطئ البحر المسكون بالريبة والخشية والرعب، من الأنهار التي تستحم فيها الجثث، من أرواح الشهداء التي ترفع من قاماتهم وتغسل هاماتهم.

هل يعني لك الكثير لو فكرت بأحدهم كقريب أو كغريب أو كسائح يهوى السياحة على الأنقاض، أو كمسمافر يعود لزيارة الأهل بعد غربة قاسية فلا يجد لا البيت ولا الأهل، أو كواحد من أفراد أسرة يبحث عن بيته في آخر الليل بعد أن غادر المشفى أو المعتقل على عكاكيز خشبية بلا قلب، بلا ذاكرة؟

آلاف من الخيام وبلا أرقام ولا صناديق بريد. لكل خيمة نجمة في الأعالي وهي عنوان لكل الخيام، فبأي نجمة سنهتدي على أهالينا بعد أن تشابهوا جميعاً وتاهوا. وأي ضوء سيرشدنا إليهم في الليل لو تجاوزنا الحدود وتسللنا إليهم، وكيف سنتعرف عليهم وهم سواسية في النوم في كومة من ظلام؟

سقفهم سماء رصاصية، تحيطهم سياجات من القهر والمدافع، وما وراء الخيام ما وراءها. لا أحد منكم ولا من معكم يريد أن يعلم ولا أن يفكر كيف أصبحوا هؤلاء في العراء ما بين ليلة وضحاها، وما بين مجزرة ومجزرة، يداومون العذاب والخوف والذعر، تختلط أيامهم بلياليهم، خيام مؤثثة على الفراغ. أماكن مفرغة من الزمن. لااتصال لهم إلا مع العدم وما يتناثر في الأنحاء، في المدن والأحياء والسهول والضياع والقرى، من جنازات لأقرباء وأصدقاء وأهل.

لا شئ في الذاكرة، سوى أيام الحرب والمجازر التي لم تتوقف بعد. ومع ذلك يتذكرون إصاباتهم وفقدان بيوتهم وزرعهم ومواشيهم. ومن ينسى ما دام الجلاد مستمرا في تشويه البلاد. يتذكرون كل فاصلة ووصلات الدم المتلاحقة، لهاثهم ومطاردة الحوامات والدبابات والضربات الهستيرية الموجعة التي تفصل الدم عن الأجساد، والهوية عن الوطن.

المواجهة المرة مع ما تقذقه الرشاشات وفوهات المدافع على أبدانهم العارية. الحرائق في كل مكان، في المآذن وصوت الأذان، في الزرع والبيوت والمواشي التي لم تسلم بدورها من الهمجية الخرقاء.

فوضى عارمة، تتمدد في كل الجهات، تتطاول تتشابه. رماد ودماء وأجساد متطايرة متشابكة وفي كل وقت وأنتم ترزحون في عوالم من الصمت وعيونكم مسلطة على أية نهاية تخلصكم من الرعب والخوف من القتلة، ولا همَّ لكم ولا سؤال ولا من هم الشهداء ولا إلى أين سيذهب القتلة بالوطن!

وهل تسألون كيف أهالينا يستحمون، بالماء أم بالدماء، وعلى أي شيء ينامون ولأي قدر هم ذاهبون ولأي سبب يستيقظون لو واتاهم النوم، وماذا يأكلون وأي هواء يتنفسون، لا ذهاب ولا إياب، وحصار في حصار وفراغ من حولهم وفوقهم وتحتهم، لا فكرة لديهم عن أي معنى لهذا الجنون إلا الجنون، سقط الغد في حفرة يومهم المستعصي على الإنتهاء من كثرة العذابات والآلام.

الماضي يأتيهم كل يوم وفي كل نظرة إلى الوراء الداخن أو إلى الأمام السابح في السراب، مقطوع الرأس بلا جسد، يرتديهم جميعاً ويمشي حول نفسه لا يعلو ولا يسقط، يظهر ولا يظهر لكنه يقيم في الذاكرة وينام معهم نومة أهل الكهف حتى يستيقظ الجميع من أفاكين ومشعوذين وأمراء حرب وسلاطين دم وتجار أوطان وشعارات وديانات، ويرجع الضمير إلى موطنه سالماً وقد تخلص من المذلة والخنوع.

مشاهد الحرب لم تزل كما هي: الدبابات ترعى في الشوارع وقيادات العصابات تخطط إلى ما هو أبعد من القيامة، صراخ مبهم ونداءات غير مسموعة ومقطوعة عن العالم ولا تصل لأحد، كل صرخة يقابلها طلقة، وكل بكاء يرتطم ببكاء أشد واقوى. من يسعف من ومن ينقذ من، وصمتكم يواري خيام الأهل في البعيد ويباري انتقام القتلة.

كل من هو في الخيمة يتذكر نفسه في البيت ويرى إلى وجوده بلا بيت بلا وطن ولا يعرف كيف يتعرف على ذاته من غير بيت وإسم وعائلة منقوصة، لا يدري في اي زمن هو وما مستقبل هذا العدم، وما الذي سيجئ به المستقبل وهل هو خارج الزمن أم أصبح غريباً عليه، لا رسائل تأتي من البعيد غير أصوات الحناجر المسالمة الواقفة في موتها، الواثقة من غدها ومن جدوى سقوط ضحاياها اليومي فداء للوطن.

نحن على أبواب الخريف: خريف الأباطرة، والبعض يتنصت على سقوط الضحايا وكأنهم أوراق شجر، نفايات حشرات، وكأنهم عبث وكأنهم ليسوا بشراً. لا طعام لا دواء لا عمل لا أمل لا إنتظار إلا الموت ولا حياة. لا عطلة في نهاية الأسبوع ولا مناسبات غير مناسبات الدم ولا أفراح ولا أعياد، لا ذكر لأسماء، فالكل يشهد ما كانه قبل الحرب وما هو عليه من بعدها، فما حدث لم ينته، وهذا البعض الكريه المقيت في غيبوبة بسبب إرتطام الحقيقة في اللامعقول وفي جنون الطغاة، أو لأنهم ما زالوا في ذهول من صدى القذائف ووابل الرصاص وهذا الكم الهائل من الضحايا، وفي ظنهم أن الخلاص لن يكون إلا في إحالة القتلى على الغيب وفي نسيان القاتل بعد شكره.

خيام بلا جدران. لا يمكن الاتكاء عليها، تطفو على المكان كشواهد بيضاء فوق مرتفعات الخراب والدم ولا تحتاج إلى براهين للتأكد من هوياتهم واسم بلادهم ولا لضياع العقل في متاهة عائلة هائجة مختلة ستبحث بعد قليل من الوقت وقبل ضياع الوطن بالكامل، عن موطئ قدم تفر إليه أو للعيش فيه ولن تجده، وإن وجدته بمساعدة الشيطان الأكبر، فلن يكون إلا هناك وراء الحدود أو في نعش العرش المتهالك.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2971709

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC