بونيني طه - الجزائر

فلسفة وجنون

طه بونينيرحت أتأرجح بتفكيري بينما أجوس خلال الشوارع متجوّلا:

"لماذا لا يكون المفكّرون أمثالي إلّا معتوهين ومرضى؟ أليس في الدنيا مجالٌ لمن يستثمرون في الفكر، كالمجال الواسع الذي يجده من يستثمر في تجارة أو في مقهى أو حتى في بيع "الفول السوداني". لم أجد لزورقي الشراعي المُخاطر مرفأً، فاتّخذتُ عُبابَ البحر الهائج مرفئي. ربمّا لأنّ اليابسة هي خطري المحدق. تلك اليابسة التي ييبَس فيها خيالي، ويتحجّر فيها عقلي، ويتبع فيها ذهني أنماطا هي كالقوالب. إنّ هذا المرفأ لَأخطرُ من لجج البحر.

لماذا أنشد كل هذا التعقيد والصعوبة؟ ربمّا لأن الثوري تشي غيفارا قال يوما: "إذا كان الطريق صعبا فالصعوبة هي الطريق" والطريق التي أبتغيها صعبة. الهناء الكاذب لا يغريني فمرحبا بأزمات النفس وشطحات الخيال وصداع الرأس وارتفاع الضغط. ماذا يساوي صداع الرأس أمام الهاوية التي يجري الكثيرون نحوها غير آبهين. البعض معصوب العينين والبعض يقصدها متعمّدا والآخرون يقفون على شفاها داعين النّاس إليها."

كان الجوّ باردا، رحتُ أمشي وأنظر إلى الأشخاص من حولي. كلّهم مشغولون في أحاديث الطقس والزيت والسكّر. يتحدّثون وهم واقفون، ينفثون البخار من أفواههم وهم يثرثرون حول أحوالهم البائسة، يضحكون ويقهقهون، ثمّ يفترقون أو تراهم ينقادون كالمغانط نحو المقاهي. وبعد ساعة أو تزيد، ينتشرون كالفراش المبثوث نحو الأسواق حيث يجدون التجّار والخضّارين في انتظارهم بالمرصاد. أليس الإنسان عبث وحياته هدر؟ ثمّ فتمعّني يا نفسي في التجّار أليسوا جنسا بين البشر والوحوش؟ دعيني من هذه الحياة الفارغة المفرغة من المعنى. أحمد الله لأنّي أعيش وحدي على الرغيف والأرز واللبن.

مررت على أب وابنه الصغير يمشيان في تؤدة، مشية الأب والابن المعتادة. الأب في العقد الرابع، سماته ليست غريبة عن ذاكرتي، والابن لا يربو عمره على الأربع سنوات. كانا يمشيان سعيدين، الوجهان منبسطان، الملامح تشي بالراحة، وحركة الجسد لا تدلّ إلّا على عفوية مطلقة وكأنّه لا سابق لهما بهذه الحياة المضطربة الشرّيرة. لا يحملان لها ولا للنّاس ضغينة. على عكس غالبية النّاس الذي يمشون مضطربين، صُدروهم مُوغرة بالحقد على الأيّام السوداء التي وشَمت أرواحهم بأشكال جهنّمية.

الابنُ صفحةٌ بيضاء، والأب سجلّ مفتوح على العالم. لا أراه إلّا تجسيداً للمثل القائل: الجهل نعمة.

حدجتهما بعين ثاقبة فاحصة تحاول أن تفهم وتعي وتستعلم، علّني أصطاد بعضا من فلسفتهما في الحياة. ومع أنّي قرأت معظم الفلسفات، فعقلي، متفتحٌ على أي فلسفة جديدة تساعدني على تقبّل الحياة. ولو كان الجهل مكوّنا أساسيا في وصفة السعادة فمرحبا بالجهل.

أشفقت على الطفل الذي لا ذنب له في الحياة. أتى قسرا إلى دنيا تكاد تنتهي صلاحيتها، لكن أباه رغم رشده، لا يكادُ يضمر أو يبدي شيئا ممّا يعتمل في ذهني من حسرة على الحياة.

مررت بجانب الرجل بوجهي الشاحب نظرتُ إليه كأنّي أصوّرُه ككاميرا متحرّكة. بدا لي الرجل مرتاحا في "قشّابية" صحراوية تتبدّى أكداس من الملابس تحتها كالطبقات الجيولوجية. كان يبدو ككارثة جمالية ومصيبة فنيّة ورغم ذلك كلّه كان تصرّفه متماسكا هادئا لا يشوب صفوه ولا يكدّر مزاجه شيء.

أمّا الطفل فرغم البرد كان رأسه عاريا ووجنتاه حمراوان رغم بشرته الدّاكنة. يلبس سروالا مرقّعا وسترة تشي بقدمها، ولكأنّها قطعةٌ من الزمن الغابر.

تجاوزت الرجل وابنه ولمس الأب في تحديقي نحوه شيئاً مريبا، لكنّه وبعفويته لم يوجِس منّي خِيفة وتابع جرّه لابنه بينما يتوجّه مباشرة نحو المقهى الذي اعتاد ارتياده. وجلس إلى طاولة في مدخلها وقبل أن يومئ للنّادل بإشارة، أتاه بقهوة وعصيرٍ لابنه.

اخترت طاولة قريبة منهما وجلست. أخرجتُ جرائدي المتخمة بالأخبار، كألغام تنسف آمال الصباح وابتسامات الإشراق. طلبتُ قهوة مضغوطة جدّا، وواصلت تحديقي من زاوية لا تثير الشكوك.

وما إن مرّت لحظات حتّى غدا الداخل للمقهى والخارج منه ينادي الرجل بوجه ضاحك: "عبدو كيف حالك؟" "عبدو أنت هنا؟" ثمّ ينهالون على ابنه بالتقبيل، ثمّ أدركتُ أنّي الوحيد الذي لا يعرفه. لم ينبس "عبدو" ببنت شفة وبقيَ جالسا يرتشف قهوته بثقة كاملة، بينما يتناوب الرجال والفتيان على الترحيب به والمزاح معه، كأنّه رمزٌ أو شخص مشهور. بيد أنّ ملامحه ظلّت صامتة واكتفى بإيماءة خفيفة يتفضّل بها بين الحين والآخر.

وتواصل الهتاف والنداء، هذا يمزح وهذا يضع أمامه قطعة حلوى وذاك يخبره بأنّ قهوته على حسابه. أمّا "عبدو" فاكتفى بالنّظر إلى ابنه الذي كان يبدو أمامه كأسطورة إغريقية، ينعكس على وجهه الطفولي أشعّة الشّمس الذهبية بينما ينساب العصير في حنجرته الصغيرة، وظلّ يردّد ناظريه بين وجه ابنه وبين فنجان القهوة.

في تلك اللحظة تذكّرتُ. لا بدّ أنّي نسيت، فحياتي مرّت كدوّامة خرجتُ للتوّ منها. أطلقت الحياة سراحي عندما أحالتني إلى التقاعد. حياةٌ أمضيتها دارسا للفلسفة ثمّ مدرّسا لها. تذكّرتُ أن "عبدو" مجنون، نعم لطالما رأيته يمشي وهو يزمّر بيديه كأنّما يعزف على النّاي، ويُصدر أصواتا مضحكة. لكنّه يبدو اليوم هادئا برفقة ابنه. وتساءلتُ: "هل برئ من الجنون؟"

مرّت دقائق ونهض "عبدو" يرافقه ابنه، ورجعا أدراجَهما يمشيان الهوينا كملِكَين على الزمن. وبعد بضع لحظات جاءني النّادل فدفعت ثمن فنجان القهوة، وسألته: ما قصّته؟ فقال:" عبدو المسكين، الذي يسكن في آخر الشارع مع زوجته وأمّه ألا تعرفه؟ يهدأُ جنونه عندما يكون برفقة طفله".

ونهضت من مقعدي وقلت في سرّي: "كنتُ أظنّه جاهلا وبأنّ جهله نعمته، لكنّه مجنون مثلي غير أنّه قد وجد جزيرة تُؤويه وهي "الأبوّة" أمّا أنا فلا يبدو في أفقي خيالُ جزيرة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3224407

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC