زهرة يبرم - الجزائر

المنعطف

جواز سفرها في الحياة سُرق منها. محتارة كيف ستعيش ما تبقى من أيامها؟ باتت غريبة في بيتها، ضعيفة بين الأنام، تهزمها العواطف ويبكيها النسيان. يطاردها شبح الوحدة وتقسو عليها الأيام.

يمضي الليل والقلب وجيعا كسيرا، تتوسد ذراعها المبلل بالدموع وسط الظلام، تتأمل سَرابَ من أَوْلَاهَا ظَهره هجرا، ويأتيها صوتُه مغيظا: اغمضي عينيك نامي، أو اقضي الليل سهدا لن أعود.

ذاكرة ليل ثقيل يسير في مدار الزمن على مهل كأنه سنوات طوال، والليل يضخم أحزان الغرباء. تتقهقر بها الذاكرة إلى الوراء، تحاول أن تقيس المسافة التي قطعت معه. عِشرة عشرين عاما ويزيد طبعتها سمة التفاهم والحب وهناءة الذكريات. أما اليوم، فصارت تحيى مع الوجع.

جافى النوم مقلتيها فظلتا مشرعتين تعبّان من ظلام الليل. أفكار شتى تتزاحم برأسها فترهقها، ومشاعر متناقضة تتعارك في صدرها فتؤلمها، فهجرت فراشها رغبة منها في إيقاف جيشانها.

أخرجت ملفا قديما به حزمة من الرسائل قد آل لونها إلى الاصفرار، تؤرخ لما كان بينهما من حب كبير. مكاتبات توثق لميلاد هذا الحب ونشأته الأولى، فما لقلبه كيف ألغى كل مواثيقه؟

"هذا قلبي وقد دخلتِه في أبهى صورة وأعظم حب وأجمل شعور. سكنتِه وتربعتِ فيه إلى الأبد، ولن تغادريه مهما حصل. أنت حبيبتي الأبدية، وقلبي خالص لك وحدك".

"طول العمر وأنا متصحّر العواطف، قلبي كالصخر لم يعرف رقيق المشاعر إلى أن وَجَدَكِ فلان ووجد سبيله للحب. خفق لكِ وحدكِ واختارك دون نساء العالمين".

"كأنكِ خلقتِ لأجلي، وكنتُ أعرفكِ مند زمن طويل. تهتِ عني وها أنا أعثر عليك من جديد".

"أنتِ سر جمال الكون، وهبة الله لنفسي لترتاح ولروحي لتهدأ. سأقفل عليك في قلبي لتكوني معي وحولي في كل مكان أكون فيه".

"لا تبحري في غير زورقي، ولا تطيري على غير بساطي، ولا تدوسي على أديم الأرض بل دوسي إن شئت على قلبي".

ما زالت تذكر يوم كانت تكتب بموهبة جميلة، ولها بدايات أدبية تبشر بالخير. لكنه كره ذلك منها، واحتجزها وموهبتها لنفسه بكل أثرة. وكتب لها:

"مكنون ذاتك جميل، وأفضل ألّا يطّلع عليه غيري. اكتبي ما تشائين حبيبتي لكن لقارئك الوحيد والأوحد، أنا. أرغب في احتجازك لنفسي، وما بقلبك وعقلك يخص قلبي ووجداني أنا فقط. أحب أن أعيش حلاوة أفكارك وحدي دون أن يشاركني فيها أحد".

وتصفحت رسائلها إليه، بل تلك السخافات. وهمت بتمزيق الرسائل جميعا. لكنها عدلت عن الفكرة، إذ هي تحمل ذاكرة جزء من ماضيها وقد جعلتها يوما ما سعيدة. ولن تكون ناكرة للجميل.

سكن تفاصيلها وظنت أنها سكنت قلبه إلى الأبد، وتلك كانت أطول الأكاذيب عاشتها عمرا. أشعرها وجودُه بالأمان فراحت تشتري له الفرح وتخترع أساليب لإسعاده. تربّع ملكا على عرش قلبها، فهام به فوق السحب والمجرات بعيدا عن الواقع.

أخذتها دوامة الحياة فقل اهتمامها بالكتابة حتى توقف وخبت جذوة الإبداع فيها. ظلمت نفسها وغمطتها بعض حقوقها مقابل أن تزيد من واجباتها نحوه. اختزلت كل همها في خدمته والقيام بشؤون بيته، لتكتشف بعد عقدين من الزمن أنها كمن كان ينقش في الماء. لم تشفع لها تضحياتها عنده، فهانت عليه بعد هذا العمر.

أحست بقبضة الحياة تضرب بين كتفيها بعنف. نَكَث بعهده. خذلها. أبعدها عن حياته وابتعد. فارقها بصمت دون نقاش، دون عتاب، دون اتهام أو تبرير. دون عناء. كان فراقا بلا ملامح، وهذا النوع من الفراق مضن، بل مهلك.

ولا يغير قلب رجل عن امرأة إلا وجود امرأة أخرى فيه. وبحدسها كأنثى باتت على يقين بوجود تلك الأخرى، ولا تظنه إلا يعيش مراهقته الثانية، وسيعود لِوَكْرِه يوما حين يستفيق من وهمه الجميل. لكنها لن تعتمد حماقة الانتظار. لن تغزل وتنقض غزلها لتصنع أسطورة تنافس بها بينيلوب.

كفكفت دمعا عقيما لا يجدي وكفت عن البكاء على أطلال الروح. فتشت في ثنايا النفس، فوجدت بقايا من أمل، بصيصا يغذي الروح لم يخب بعد. وعاودتها الرغبة في الكتابة من جديد، أحست بألمها يجرح فكرها، والكتابة كالولادة حين يحين مخاضها لا تقبل التأجيل. نطق الأبكم بين أناملها، فوجد لديها من الأفكار والإلهامات والأصداء والظلال والترجيعات ما ملأ به صفحات وصفحات. والنفس الحزينة تبدع أكثر.

وعادت تمارس هواية حبيبة إلى قلبها، مدعومة بموهبة كانت نائمة مقموعة.

بعد كثير ركود وسكون صار عليها أن تتحرك، تماما كالنهر، فهو لا يحسب نهرا إلا بحركته وتبدل مياهه، وإلا بغير حركة الماء يؤول إلى التأسن والاستنقاع. والتحول هو القاعدة في الأشياء، ولا ثابت غير الله، وكل ما عداه محكوم بالصيرورة ومسافر من حال إلى حال.

ستخرج من باب يفضي إلى الحياة. ستتحرر من لعنة الذكريات وصمت الحواس. ستجتاز وعر الطريق وتطلق العنان لروحها السجينة، تفتح لها كل انبثاقات الضوء. ستجهض نفسها حبرا على ورق كلما حبلت بألم أو أمل. ستتعاطى دواء البوح كتابة، وتواصل طريقها منفردة.

الحياة تمضي به أو بدونه، لذا لا تريدها من اليوم أن تسير كما أراد وخطط، بل كما أرادت هي يوما ولم تكن.

* * *

مضت سنتان من عمره بدونها، وشده الحنين إلى مواسمها.

ها هي اليوم أمامه لامعة كنجمة حقيقية. وضاءة كالضحى. كلها رونق وحيوية. متأنقة كما لم يرها منذ زمن بعيد. كيف لم ينتبه قبل اليوم أنها بهذا الجمال؟ كيف افتكت مكانة اجتماعية وهي التي لم تبرح بيته ولم تندمج منذ عقدين من الزمن؟ وهذه الكوكبة من المهتمين بشأن الثقافة، كيف ومتى تعرفت عليهم، فعرفوا قدرها والتفوا حولها في مناسبة كهذه؟

كانت القاعة رحبة، وعدد الحاضرين متواضع، فالأدب في بلده ليس سلعة رائجة، بل متداولة على نطاق ضيق. صعد على المنصة ثلاثة رجال وامرأة رابعة وهي خامستهم. كتاب وأدباء على ما يبدو، حاملين كراريسهم وأوراقهم ليلقوا على الحاضرين كلماتهم. جلست تتوسطهم، بينما جلس هو في الصف الأخير من مقاعد الجمهور، وبإمكانه أن يراها ويسمعها جيدا.

كان ينصت لكل كلمة تقال، مقدمات وترحاب وإشادات، وتفاصيل عن محتوى كتاب. إنه احتفاء بها وبباكورة أعمالها الروائية.

وجاء دورها في الكلام.

جاءت مدججة بكمنجات اللغة وأوتارها الباذخة. منطلقة المحيا، طلقة اللسان. لها حنجرة عصفورة، وكلامها يتسربل بصوتها ويطير في الهواء. ينعتق فتنعتق. يتحرر منها فتتحرر. يبدو عليها قليل ارتباك، وحديثها مليء باليتم والغربة، كأنما تطرد الفجيعة الكامنة داخلها، لكنها واثقة من نفسها، وكلها قوة وإصرار.

كان يتلقف كل ما تنطق به بعقله وقلبه وكل جوارحه، وبُهِتَ. أصابه الدوار. إنها تحسن الكلام. نجحت في النهوض من جديد. كيف قتل هذه الموهبة في المهد ولم يسمح لها منذ البداية أن تزهر؟ وكيف أهملها سنتين كاملتين ويزيد؟

صورة لمرافقة قصة"إنني اليوم أولد من جديد مع ميلاد روايتي الأولى: "سنوات التيه". أولد من رحم الهزيمة والفشل في الزمن الضائع من عمري..."

أنهت كلمتها فصفق لها الحاضرون بحرارة، وشرعت في توقيع نسخ من روايتها. راقب المشهد بصمت. تكأكؤوا عليها فبدت له بينهم كلؤلؤة خرجت للتو من صدفتها لا لشيء إلا لتصفعه. بل لتطعنه.

اقترب منها وهي تلملم أغراضها للمغادرة. مسحة من الحزن بادية على محياه. صافحها مهنئا، وكم رغب في احتضانها، بل في اختطافها وإعادتها إلى البيت كما كانت. طلب نسخة لنفسه، فمدت له واحدة دون توقيع. فكم أخذ توقيعات منها على بياض ولم تثمر! طلب الحديث معها على انفراد. لكنها مشغولة بمن هم أهم منه: أصدقاء، كتاب، معجبون، مشجعون وحتى فضوليون.

كلهم على اختلاف مشاربهم أهم منه بكثير. لكن الحقيقة أنها أيضا تريده على انفراد لأمر هام.

"كم أنا سعيد بك وبإنجازك الأدبي الرائع! مذ عرفتك وأنا على يقين من أنك أديبة راقية، موعودة بالنجاح وبإثبات الذات. كنت مؤمنا بك ككاتبة مستقبلية، وها أنت تنجحين". لم تقاطعه فأكمل:

"تعالي نحتفل وحدنا حبيبتي. سآخذك إلى المطعم الذي طالما أحببته. ذالك الذي كنا نزوره..."

قاطعته: "منذ عشرين عاما. لا، لم أعد أذكر المكان، ولم يعد يعني لي شيئا".

لم يكن يتخيل أنها سترفض عرضه وهي المطيعة، لكنه لم يخسر شيئا في المحاولة. لم تمهله وقتا كافيا ليرتب أفكاره، وأردفت وكأنها على عجلة من أمرها:

"كل ما أطلبه منك اليوم، وهو سبب قبولي الحديث معك، هو أن تمنحني حريتي بالطلاق".

أذهلته المفاجأة وجرأتها في اتخاذ هذا القرار. كيف هانت عليها عشرة عشرين عاما؟ شعر بالهواء يتضاءل في رئتيه مع تضاؤل الأمل في عودتها إليه. طعنة ثانية في القلب.

تذكر فتاته الطالبة المغناج صاحبة الخطوات الموزونة. تلك المرتكسة في حمأة الانتهازية. مثلت عليه الحب. استغلته ليدعمها. ولما حصلت على مبتغاها تنكرت له. رمته كشيء انتهت صلاحيته. سخرت من سنه. كانت سحابة صيف وأمنية مطر في غير مواسمه، وكان عليه ألّا يؤمن بسحب الصيف كثيرا، فالأماني التي تأتي محمولة على سحب الصيف لا تعيد الحياة للأرض ولا للزرع ولا للقلب.

تمنى لها حظا سعيدا وهو يغادر. لكنه كان ينتظر منها ولو في آخر لحظة أن تتراجع. أن تعتذر عما قالت. كان يلتفت ويلقي السمع لعل الكلمة تأتيه وهو يبتعد. تأتيه مع النسيم.

أبطأ المشي قليلا يعطيها فرصة أخيرة ويمنح نفسه بعض الأمل. استدار وتوقف. لكنه أدرك أن الخيانة لا شك أكبر من الحب، وأنها قد أحدثت فتقا في قلبها الكبير من الصعب رتقه. فالقلوب المنكسرة أشبه بالزجاج.

أما هي، فسألت قلبها بصدق، فأخبرها أن رحيله هو أفضل شيء حدث لها في الحياة.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3300479

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC