إيناس يونس ثابت - اليمن

جلنار والقمر

أحدثك من جنان الخلد أيها القمر المنير في جنبات الكون حديث المحب للحبيب، مجددة عهدا قديما بيننا وودا خالصا في نفسي لم يبرح مكانه.

في طلعتك البهية أيها القمر المضيء في صفحة السماء المظلمة ما يشبه سنا طلعته البهية في مرآة حياتي ومتاهة الروح، يشع نورك على القمم الراسيات؛ فوق جداول الماء وسطح الأرض؛ في السهول والوديان؛ ونور وجه الحبيب يشع فوق ورد الخدين وفي حنايا الضلوع؛ وأنت خير شاهد على ما أقول، فلا أدري أيها القمر أنورك أم نوره أضاء العتمة في قلبي؟

وأنت أيها القمر أنيس المحبين كل زمان ومكان؛ أنت العالم بأخبارهم وأسرارهم؛ الشاهد على صبابتهم ونجواهم؛ تمدّ سلاسل أشعتك الفضية دمعا على خدود المشتاقين العاشقين وتصنع من قداسة عشقهم نورا ربانيا في السماء تضيفه إلى نورك فتسطع متوهجا بلا مثيل أو شبيه.

أيها القمر؛ يا سمير العاشقين، هلّا أبلغته جملة أحوالي لعلّه يناجيك في هذا الميعاد ويبثك أشواقه إليّ؟

أخبرني كيف يقضي أيامه ولياليه من بعدي؟ هل يشكو الوحدة أم أضناه شوق الليل إلى أحضاني؟ هل جافاه النوم فسامرك ونادمك أم أرّقه الحنين إليّ فبكى وأبكاني؟

قدومه لحياتي كان كطلعة الفجر البهي بعد ليل طويل، فلطالما كنت أراقبه من شرفة غرفتي المطلة على الحديقة أثناء زيارته لبيتنا، فوالدي هو من تعهده وأشرف على تربيته بعد وفاة أبيه.

لم يغب عني وعنك نقاؤه وطهره وحنو نظرته، ومحيّاه الرقيق واختلاسه النظر إليّ من حين إلى حين؛ وفي نظرته ما يشي بالعاطفة والرّقة والإعجاب الشديد؛ فتعانق نظرته نظرتي فأكابر وأدعي عدم اكتراثي بالوافد الحبيب، أنا جلنار المترعة بالحب.

كنت أنتظر قدومه بحنين المحبين المدنفين وأنا أغني في الشرفة، ففي الغناء أنس وبهجة وراحة للنفوس والقلوب. أغني له بصوت شجي تطرب الشمس له، ويطرب الشجر والريح؛ ويرفع معه وجيب القلوب.

وحينما تناهى إليه صوتي مرة، وقف يتأملني كمن يصلي صلاة حارة تلامس برفق حنايا القلوب، فاحمرت وجنتاي وكدت أذوب خجلا، فأسبلت جفني على محياه الجميل.

تعمّدت أن أغيب عن ناظريه أثناء زياراته الأخيرة لنا، لكن عينيه فضحتاه والصبّ تفضحه العيون، فسأل أختي عني وعن حالي بقلق لم يغب عن محياه.

ما حمل أختي أن تقلق لهذا الشأن الجديد؟ أختي التي طالما كانت توجهني وترشدني. رقت لحالي وطاوعتني في ترتيب لقاء لي معه ليبدو كأن اللقاء حصل بالصدفة، ونجحنا في التخطيط والتنفيذ.

تحدثت إليه لأول مرة في حديقة بيتنا، ثم صار الكلام بيننا عادة يومية لا تؤجل مرة ولا تغيب، ودخلت بفضلها عالما لم أكن قد عرفته أو عشته وحلمت بمثله؛ فذقت بفضله اللذة و المرارة جنبا إلى جنب؛ وعرفت الحب فآمنت به، الحب الذي لم يكن في قصيدة شاعر أو رواية، بل كان كما هو الحب خالصا طاهرا.

إلا أن ثمة أمرأ أرقني وحرك ضميري ونازعني؛ ابنته: طفلة السنوات الثلاث وامرأته الطيبة؛ لكني كنت أنسى كل هذا كلما رأيته أمامي من جديد.

أيها القمر كنا نجتمع في المساءات تحت ضوئك فإذا غنيت له ابتسم لي وقال إن غنائي يشبه صوت الناي، يذيب قلوب العاشقين ويفتن الزاهد في محرابه، فيخفق قلبي ويشرد ذهني فارتبك وأنسى معنى الكلمات.

وإذا تحدثت عن الطبيعة والحياة وكل أمر بهيج يصيخ بسمعه معجبا بحديثي وما أقول ولو خلا من كل أمر مستغْرب أو مثير.

وإن هو تحدّث ترنمت مع كل حرف يقول، وحفظته عن ظهر قلبي كما يفعل التلميذ النجيب، فأعود أقلد حركته ونبرة صوته تودّدا مني له، وإذا كف عن الكلام أنصت إلى صمته فأجد فيه بلاغة أكثر فصاحة من حديث العيون.

وآه لو تعلم أيها القمر السمير: عرّفني إليك صديقا ودلني عليك أنيسا، وأوصاني كي اختلي بك في المساء ليبثّني من خلالك هيامه وأشواقه وشكواه، ولكم أرسل لي مع خيوطك الفضية أحلاما تزين حياتي!

وفي يوم اصطحب معه طفلته ورأيتها تلهو وتمرح في حديقة بيتنا. كان وجهها جميلا كطلعة الصبح، تضحك فرحانة خليّة البال من الهموم.

لاعبتها وأحببتها كثيرا وتخيلتها ابنة لي، لكن صوت أختي قطع خيالي وحلمي وهي تقول:

"إن أنت أحببتها فهذا شأنك، أما هي فلن تحب من يسرق حياة والدتها وأمنها. لو كنت مكانها ماذا كنت ستفعلين؟"

ظل صوتها يتردد في خلايا مسمعي ويلاحقني أياما طويلة حتى اتخذت قرارا شجاعا مليئا بالدموع وآلام البعاد والانتصار على الذات. رفضت لقاءه والحديث إليه وعدت أراقبه من خلف ستار نافذة غرفتي لأراه في كل مرة ينصرف حزينا، وإذا هزمتني عواطفي تحبسني أختي في غرفتي حتى يغادر منزلنا، حتى انقطع رجاؤه وتوقف نهائيا عن زيارتنا.

وحينما نفد صبري وأعيتني قدرتي على التحمل سافرت إلى بيت عمتي في بلد بعيد والنيران تحرق صدري، فرفضت الطعام والشراب حتى مرضت واشتد عليّ أمري؛ فرقّ عودي وشحب وجهي وخار جسدي، ولازمت فراشي أياما طويلة؛ مكتفية بالصمت ومواراة الدمع في عيني؛ فأغني غناء حزينا بصوت مخنوق يفطر قلب الطير ويجفف أوراق الشجر ويحيل الندى دمعا فوق بتلات الزهور، تلك التي تعشق الحياة تحت نورك أيها القمر.

وفي يوم قدمت فيه أختي تزورني وكان في سيمائها وجه لا أعرفه، حدثتني حديث المستغفر النادم. قالت إنها قابلته صدفة بعد وقت من رحيلي. كان مهموما حزينا حاملا آلام يتم ابنته بوفاة أمها، ويتم قلبه بعد رحيلي. وحينما حدثته شقيقتي عن سبب رحيلي استأذنها أن يلقاني وشدّ على يدها وأصرّ على طلبه.

فاضت عيوني بالدموع؛ وأشرقت نفسي من جديد؛ وضحكت طويلا، ضحكت بصوت عال وشردت عن سماع حديثها الباقي وأنا أنتظر أجلي يحملني شهيدة إلى ملكوت السماء.

بلغه يا قمر أن الحب جنة الأرض وسلامها. قل له أن يسعد من أجلي فقد قتلني الوجد يا ربي؛ اغرورقت روحي بالدموع وعادت إلى ربها مطمئنة راضية مرضية لتدخل جنته بسلام وأمان.

سلام عليك أيها الحب، وعلى المؤمنين بك، سلام يحمله الرحالة إلى بلادك والسائرين على دروبك إلى صبيّة تيمها وأضناها الهوى، تبتّل قلبها للمحبوب فهامتْ به، وصار عقدة نضرة في القلب لا انفصام فيها أو فكاك فلا تسْقم ولا تبلى.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2959346

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC