آية محمد عارف ياسين - الأردن

استفاقة الأمل

قبل أن تدق الساعة ويذكروا اسمي بين قائمة المغادرين، سأكتب لك وأنا أنتظر قطار الرحيل، أحبك وأنت تعلمين، يا أرضا باتت أجمل من أَرجِ المسك والياسمين، ما الذي حل بكِ وجعلك تهرمين؟

لا أسمع منك إلا صوت الأنين، وأنت من كل مكان تنزفين وتنزفين، هل ستعودين صنديدة كما كنت قبل سنين؟

أخبريني إلى أين ذهب رفاقي إن كنت تعلمين، رأيتهم يخرون سُقطا بائسين، ومدامعي مستهلة تبكي عليهم حين تركوها بعزلة، كيف لها أن تَجِّفَ وهي تشعر بحيرة، على أرض مليئة بالحسرة، وأوراق العمر المنهمرة؟

تحطمني الحيرة كثيرا؛ ونخزات في جوفي حرمتني لذة التَهَجُّدَ أيام عدة، أخطط وأرسم وأحلل وأدون دون جدوى؛ فما أنا بواجدة حجة تفسر لي ما رأيته من هلاك جماعات بأكملها تسقط لتلقى حتفها، تضامنا مع أرضها التي صارت غبراء لا يوجد فيها من بادرات الحياة سوى القليل.

وحين تلاشت كل الجماعات أصبحتُ وحدي أترقبُ ساعتي وموعدي المشهود، سهت عيني قليلا وعلى ضوضاء استيقظت. رأيت عالما أبيض، خلتها الجنة، وأن ساعتي قدمت، وتلك هي ملائكة الرحمة حولي برداء أبيض، فتراقص الفرح في قلبي قبل أن تأتي تلك الصاعقة التي ضربت نغماته فتوقف.

رأيت من خلتهم ملائكة الرحمة يجهزون جسدي لإدخال "الكيماوي" إليه، سمعت صوته يأنّ ويتنهد فغرغرت الدمعة، وسقطت.

أنصت إلى حديث الأطباء. قالوا: موعد الجرعة القادمة بعد أسبوعين.

ثلاث جرعات في أسبوع كانت كفيلة بإسقاط ما ذهب من رفيقاتي "الشعرات" في رأس صاحبنا المسكين، جعلتني أدرك ساعتها، لحظتها، أنني احتجت ثلاثين جرعة وأربعين ألما و مئة آه، لأَحل أحجيةَ الضيق والسقم، بأن السبب ذلك الدواء القاتل الذي أُدخل إلى بلادي ليخوض حربا أهلية ويناهض المستوطنات العشوائية التي نمت بداخلها، فاستهلت تُميت خلاياها وتتكاثر لتحدث ضجة كبيرة تغزو أعضاءها.

أيقنت حينها أن رفيقاتي ذهبن نتيجة أورام خبيثة غزت أرضهن فأشاختها وأظهرت تقاسيم المشيب عليها قبل أوانها، فلجأت إلى أقوى الأسلحة الطاغية لمحاربتها فهرمت، لكنها رغم الأسى باتت علما باسقا، أشعلت بداخلها انتفاضات تطالب بالحرية، فوضعت كحل الصلابة في عينها، وزينت بلون الدم شفتيها، وصنعت جديلتها من حزن وخلف ظهرها جعلتها.

ورغم أن قصاقيص شعرها فقدتها، لكنها غرست سهم الأمل في جوف اليأس، وانتصرت فباتت حرة باسمة من جديد، في بسمتها فرحة عيد، تغدو وتغدو من جديد لتمضي الحياة بقلب سعيد، فتحيا للعمر المديد.

وأنا شعرة من بين أكثر من مئة وعشرين ألفا من شعبي، شاء القدر أن أكون جزءا من حكاية جسد نصب أشرعةَ الصمودِ ضد حربِ الورم، وداء السرطان، يزرع بذور التفاؤل بنغم، لتنبت حقلا يواجهُ السقم، فيمضي حصينا بعد ألم، فابتسم يا صاحبي لوجهك في المرآة، واقهر مرارة فقدنا بأمل لقائنا ثانية.

ابتسم؛ وستمنحك الحياة أجمل شَعر. قاومَ وانتصرْ.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3108841

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC