ظلال عدنان - الأردن

الأقدام العارية لا تنسى

ورق أيلول الأصفر، الهش، يملأ طريقي. طريق العودة من المدرسة. تماما كما تملأ الانكسارات طريق أحلامي. تماما كما هو لون خيباتي الهشة التي تتبدى لي كلما ناظرتني أصابعي بارزة من شقوق "بوطي" المهترىء.

اليوم قررت أن أتحدى نفسي، سأثبت لها أنني أقوى من رغباتها: حين أصير جوار الدكان، سأستمر بالمسير، مثبِّتا نظري نحو الأمام، لن ألتفت إليه، لن أسمح لعيني أن تسترق النظر إليه معلَّقا تداعبه الرياح، ولن أمنح ذاك "البوط" فرصته المتكررة في إذلالي حين أقف أمامه، صامتا، مذهولا، مبهورا، لا ترف عيناي عن مقامه العالي، ويخفق قلبي نبضا متسارعا إجلالا لجماله وهيبته، فأبتلع ريقي، وأغرق في أحلامي وأوهامي.

نعم، اليوم هو يومي، يوم النصر، والأمر بسيط. بسيط جدا. لا يحتاج غير بضع حفنات من صبر. وهل عرفت في حياتي غير الصبر؟ صبر على جوع، وصبر على برد. وصبر على ذل، وصبر على يتم. وهل نما عودي بغير سقيا مرار الصبر؟

أنا لها. وها قد اقتربت. ها هو الشارع ينثني بي، ينعطف يسارا نحو تلك البيوتات العتيقة، وبدأت أشتمُّ روائح أصناف الطعام تختلط بخلايا رأسي، فيشتعل خيالي، وأمنِّي النفس بوجبة أخرى جديدة، شهية من الصبر. تفتح البيوت أبوابها تبتلع طلاب المدارس العائدين، ليبتلعوا هم بدورهم خبز الطابون، والدجاج، والمقلوبة، واللبن، وأنا يبتلعني الحنين.

بوط صيني من السبعينياتبتنا على مقربة، أنا، وهو. بل هما: "البوط وصاحبه"، ذاك الفظ الغليظ.. الذي كلما رآني أطيل النظر إلى "البوط" نهرني، وبقسوة أبعدني: "امش من هون، امش يا ولد".

اليوم سيرى أنني ما عدت ولدا يهشه كالأغنام، ويفرُّ كقطة مذعورة لحظة انهمار المطر. سيرى أنني رجل يمتلك قراره، وعينه، سأمر من أمامهم ولن يهتزّ لي جفن. سأثبت عنقي كنخلة شمّاء، ولعله بعدها يرضخ لرغبتي ويمنحني إياه على قدر طاقتي، أو لأكون صادقا على قدر طاقة "أمي"، تلك السنديانة الشامخة في وجه ترمل، وجفاء أهل.

كنت أتساءل دوما: أيدخل الله الأيتام النار؟ أيحرقهم بنارين معا: نار اليتم في الدنيا، ونار الآخرة أليس الأولى أن ندخل نحن الأيتام سراعا إلى الجنة ننغمس فيها، فننسى شقوتنا، ودمعنا وسهادنا؟ ألسنا أحق الناس بجنة عرضها السموات والأرض، بعد أن ضاقت علينا الأرض بما رحبت، وضاق أهلها بنا ذرعا، فباتوا يضنّون علينا برؤية ما نحب ونشتهي ولو لحظات؟

ها أنا الآن أمام بابه، باب الدكان الحديدي الأخضر، يأكله صدأ بني كأوراق الخريف الذابلة، كأحلامي الهشة. وفي داخل الدكان أرفف تحمل مؤونة الشتاء والصيف، واحتياجات أهل القرية والضيف. والباب الأخضر يحمل "حلمي".

"البوط" تداعبه نسائم الخريف الباردة، فتهتز خيوطه، وترتطم فردتاه ببعضهما، فيضطرب لاهتزازه قلبي، أمدُّ يدي الصغيرة فيهزأ مني بارتفاعه، فأستسلم جلوسا أحدق به، تعبث به ريح فيستجيب لها ويغيب معها خلف الجدار فتغيب معهما روحي، ليعود بعد لحيظة هازئا من دمعتي.

أرقبه وأرسم خيالاتي حوله ومعه: لو كان هذا "البوط العظيم" لي، لكنت أفضل عداء في القرية، ولو كان في قدمي لكنت هداف المدرسة، ولو انتعلته لما أكلت حجارة الطريق أصابعي في ذهابي وأوبتي في طرقات قريتي، ولعله كان يستر سوءة بوطي البلاستيكي المهتريء، ذاك الذي لا يدفىء ولا يحمي من صخور.

كل ذلك كان ليكون لو استطاعت أمي، الأرملة، أن تدفع ثمن " البوط" لأبي خليل صاحب الدكان. كنت أراها تتحسس تلك القروش البسيطة المتراكبة في عقدتين صغيرتين على أطراف غطاء رأسها، وتحتار بين تحقيق حلمي في شراء ذلك البوط، وبين حقيقة الجوع القاهرة، جوعي أنا وإخوتي، وتختار الحقيقة والقهر، وتدع الأحلام للدهر.

"يا ولد امش من هون. امش. كم مرة قلتلك لا توقف هيك قدام الدكانة؟"

آآآه! إذن فشلت ثانية؛ بل عاشرة. وأخذني سحر البوط، فشدّ عيني، والتفتَ وجهي رغم عني، وخسرت الرهان أمام نفسي. يا لضعفي وقلة حيلتي وهواني على الناس!

جررت أقدامي الصغيرة أدوس أحلامي، تهرس الخيبات أصابعي البارزة من فاه نعلي، فتخدشها، لكني لا أتألم.

طيفها تبدى لي واضحا، مع انكسارات شعاع الشمس قادمة نحوي.

كغيمة في صحراء، كندى على ثغر زهرة، كان ذاك ظلها المستطيل نحوي، أخفيت وجهي في ثوبها أبكي: "البوط. البوط. يا أمي..

"لا تبكي يمة، البوط إلك ومش راح يكون إلا إلك".

تفكّ عقد إشاربها، فتنحلُّ عقد أحلامي.

يقبض أبو خليل مبتسما الثمن كاملا غير منقوص. وأنا أرتدي أحلامي في قدمي. أحلام زرقاء. جلدية. صينية. له رباط أبيض طويل، أعقده بإحكام، تختفي أصابعي، ويعود الدفء الغائب يسكنني. أقبل يد "الأرملة أمي"، وأجري، أركض في الأزقة والحارات، فأنا أسرع عداء. وأجمع أولاد الحارة لنقيم المباراة وأكون هدافها.

لعبت كثيرا.طويلا. يوما كاملا. ضحكت. وضحكت. رفضت أن أنام دونه. نمت والبوط في قدمي، فليس لكم أن تخرجوني من جنتي مرتين: مرة بغير ذنب، ومرة بإرادتي.

ونسيت اليتم أياما. وما عدت أفكر في الجنة، فالجنة امتلكتها قدمي.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3102483

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC