نازك ضمرة - الولايات المتحدة

الشيخوخة والشباب

خالد ضمرةأثناء سنوات مراهقتي، وقبلها في سني طفولتي، ثم وخلال سنوات الشباب، كنت أظن أن لا علاقة تربطني بكبار السن، لا أهتم بأفكارهم إلا انتقاء، ومنهم والدي الذي عودت نفسي على طاعته رحمه الله، أما مشاكل كبار السن فلم أكن أعبأ بها ولا أوليها اهتماما إيجابيا. وأعتقد أن من الصعب على أي شاب أن يتصور نفسه كبيرا في السنّ أو عجوزا،

وللحقيقة فأنا الآن من كبار السن، ولا أقوى على التحرك بالسرعة التي كنت بها أيام الشباب، ولا بنفس السهولة، لا بل أتذكر أنني كنت ألوم نفسي باستمرار على سرعة حركتي وخفتها في طيش، حريصا أن لا أتشبه بالطائشين، وعلى مدى أكثر من عشرين عاما دأبت على مخاطبة نفسي "متى أكبر وتثقل حركتي وكلامي حتى أشابه العقلاء والحكماء والمقررين".

اعتاد أحد أساتذتي أثناء طفولتنا أن يقول لنا: "إن السنوات الأخيرة من عمرك هي الأهم، فإن كنت سعيدا في تلك السنوات، فتكون قد عشت حياة سعيدة".

وأقول أن الشيخوخة هي زمن الإثمار الروحي والإتمام، فعندما يجد الإنسان نفسه غير قادر على مواصلة العمل في المنصب الذي وصل إليه بجهده وصبره وأناته، أو إلى المكانة الاقتصادية أو الاجتماعية أوالفكرية أو حتى السياسية التي يمكن إحرازها، وقتها على كل إنسان أن يتفكر في نفسه بأمانة وبإخلاص، يتذكر حقيقة الحياة والموت، دون شتات ذهن ولا أفكار خيالية مضللة.

عندما تصل سن الشيخوخة بشكل طبيعي أو بسبب علل تصيبنا، فأنت وحدك القادر على الحكم ما إذا عشت حياة هانئة مرضية أم لا، والمقصود أنه ليس في مقدور أحد أن يعرف ذلك حقيقة أو يشهده لك، ويبقى التحدي الأخطر الذي يواجهنا في سنوات أعمارنا الأخيرة، ألا وهو التصريح بكل أمانة عما إذا كنا أحسنا استغلال سنوات حياتنا في جميع مراحل العمر.

وفي اعتقادي، وحتى نتمكن من أن نعيش حيا راضية مرضية يعتمد بشكل كبير على "ماهية نظرتنا للموت"، ومن المحزن أن كثيرين من كبار السن يقلقون ويخافون الموت، لكن لننظر إلى فكر إنسان بوذي مثالا، فهو ينظر لهذا الموضوع من خلال دورة الحياة والموت، مقارنة بإيقاعات الصحو والنوم وبتتابعهما وحاجة الإنسان لهما.

يقول البوذي: "النوم الذي يريحنا بعد تعب يوم طويل جهيد، يمكن أن ينظر للموت بمثل هذا المنظار،على أنه راحة لنا بعد كل ما فعلناه وما أنجزناه أو ما قدمناه، ويكون مرحبا به للتهيئة لمرحلة حياة أخرى نشيطة".

ويبقى الاختلاف بين أصحاب الأديان السماوية وبين البوذية في فهم معنى "حياة أخرى نشيطة" قائما، سواء أكان ذلك مجازا أم حسب اعتقادك، فهي إما إحساسك بأنك ستؤول إلى جنة عرضها السموات والأرض، أو بالإسقاط على من سيأتي بعدك من خلف لك يحيون ويكملون ما بدأته لهم ويبنون عليه، وبذا تستمر الحياة في نشاط وتقدم وإثمار، أو استفادة الناس من خبراتك واختراعاتك أو كتاباتك أو فنونك بعد انتهاء أجلك.

وكما أننا نستمتع بنوم عميق بعد عمل شاق وطويل، فموت هادئ سهل يمكن أن نفضله دون حزن بعد حياة عشناها قدر استطاعتنا.

الأشجار تحمل ثمارا بعد بلوغها سن الرشد، وبالمثل فإن كبر السن هو فترة نضج، ويمكن أن يكون أجمل أيام حياة الإنسان، خاصة إذا امتلكنا خبرة غنية، وكنا على أخلاق حميدة وربما مقبولة وبقلب نقي سليم.

وأرى أن أول ما يجب أن نفكر فيه أننا يجب أن لا نشعر بالخجل لفقدنا لقدرات معينة، ولا لزوم لذكر أمثلة على القدرات التي قد نفقدها مع تقدمنا في الشيخوخة، وبسبب كبر السن، بل علينا أن ننظر لوهن الشيخوخة وكأنه وسام شرف نستحقه، وعلينا أن نتباهى بلبسه وحمله معنا في أي مكان وبكبرياء. وهناك مثل غير عربي يقول: "إن البلهاء يعتبرون الشيخوخة كشتاء قارس صعب، أما العقلاء فيعدونها عصرا ذهبيا".

وربما نعتبر أن معظم الغنى والجاه والسمعة الحسنة والشهرة ومراكز القيادة تأتي للإنسان في زمن الشيخوخة عادة، وكل شيء يعتمد على موقفك ومفاهيمك وكيف تنظر للحياة.

فهل ننظر لكبر السن على أنه مرحلة انحدار وتراجع ينتهي بالموت؟ أم إن الشيخوخة فسحة من الزمن كي يجعل المرء حياته الباقية له مكافأة ممتعة بعد ما قام به وأنجزه.

ولكثرة ما كان صهري يردد على مسامعي من أقوال التشجيع وإصراره على التعامل مع فنون الحصانة كلها، كنت أحسّ أحيانا بملل إن أطال في مواعظه، وعادة يطيل. وبعد أن نوفت على السبعين عاما أتذكر أقواله ومنها:

"علينا أن نستبعد تعابير الإحساس بالهزيمة في كلامنا، حتى لا تترسخ في عقولنا، من مثل: لا أستطيع فعل ذلك، أو إن عمري كبير جدا لعمل مثل هذا، أو، لا فائدة من محاولة القيام بعمل كهذا"، ثم يستدرك وفي حماس شديد وبصوت مرتفع فيه صيغه التلقين قائلا علينا أن نصرّ على استعمال مفردات القوة والصمود والمواجهة من مثل:

"لن أستسلم ولن أتوقف"، أو " ما زلت شابا"، أو "ما زلت أقوى على فعل ذلك"، أو " ما زال لدي الكثير من القوة والطاقة"، وما زال لدي الكثير مما أفعله أو أقوله أو أشاهده أو أزوره.

فبمجرد تغيير نمط حديثنا لأنفسنا وللآخر يمكننا تغيير نمط شخصيتنا أوسلوكنا في أي موضع أو اتجاه.

وقد دلت الأبحاث الكثيرة والتي تنشر في الإعلام كل يوم، على أن الناس حين يستمرون في استغلال قدراتهم العقلية والذاكرة وفي تركيز، فلا تخبو هذه القدرات.

والمثال الآخر للتحصن من المثبطات في الشيخوخة هو اهتمامنا الجاد بالآخرين، وذلك إما لمساعدتهم، أو لحفزنا على إيجاد أساليب مبتكرة لقضاء وقت نافع منتج لنا ولغيرنا، أما وسائل المسنين فهي بالعمل المخلص على بناء صداقات جديدة، أقول "جديدة" وأشدد على هذه الكلمة، لا نكتفي بصداقاتنا القديمة ولا بعلاقاتنا الأسرية الطبيعية، حتى لا تظل تلك العلاقات القديمة ناقوس خطر يدق الأسافين في أسرة حياتنا.

وفي رأيي فإن الانكماش والعزلة أو الاكتفاء بما لدينا من أقارب أو أبناء أو أحفاد، سيؤدي إلى التضاؤل الطبيعي للعقل والذكاء، ولست متطرفا أو متشددا في هذا الأمر، لكن المجال لا يتسع لتوضيح وجهة نظري حول البحث الجاد عن صداقات جديدة، وربما نفرغ لها مقالا مستقلا.

ومع أن أجسادنا لا بد أن يبدو عليها العمر الكبير، لكن بتصرفاتنا المتجددة وبجهودنا الإيجابية يمكننا الحفاظ على عقولنا وقلوبنا كي تبقى شابة ما دمنا على قيد الحياة.

أذكر أنني قرأت نصا لشاعر لا أذكر اسمه، حيث يقول: "إن العبرة ليست بزمن حياة، بل إنها حالة عقل، وليست مسألة خدود متوردة، ولا شفاه حمر، ولا مفاصل لينة مرنة، بل إنها مسألة إرادة، إنها القدرة على التخيل، وهي الاندفاع العاطفي، إنها طزاجة نبع الحياة".

فالنظر للمستقبل أمر حيوي ومطلوب للتخطيط وللاستفادة من الزمن الممنوح لنا، ومن الأمثلة التي قرأتها عن التصميم والإرادة والانشغال بأمر مفيد ومثير هذه الحكاية الواقعية المعروفة عالميا عن امرأة استطاعت أن تنجز 1500 لوحة زيتية قبل وفاتها عن عمر 101 سنة، مع أنها بدأت بالرسم بعد الخامسة والسبعين من عمرها.

كانت امرأة ريفية عادية، وزوجة رجل مزارع، واجهت الكثير من المصاعب في حياتها، وفقدت خمسة من أبنائها العشرة، وفقدت زوجها عندما كانت سنها 66 عاما، ومع اعترافها بالمعاناة والألم والصعوبات التي مرت بها، إلا أنها رفضت أن تبحر للوراء بسبب المعاناة ، وظلت تصر على التطلع للأمام دائما.

وخلاصة ما أردت قوله هنا، إن هناك فرقا واسعا بين أن نعيش حياة طويلة، وبين فضاء عمر كامل نشعر فيه بالرضا والإنجاز، والأهم هو مدى قدرتنا على إضافة نسيج قوي ومتماسك لإسناد حياتنا ما دمنا نعيش على وجه البسيطة، والمهم هو النوع وليس الكم.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3177648

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC