مختارات: حسين مروة - لبنان

النقد الأدبي والمنهجية

أدناه مقتطف من مقدمة كتاب "دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي" لحسين مروّة. الناشر: مكتبة المعارف، بيروت (1988)، ص ص 5-7.

حسين مروةمن الظاهرات الملحوظة في حياتنا الأدبية بلبنان، غياب وجه النقد الأدبي عنها حتى وقتنا هذا. لا أعني بذلك أن ليس للنقد وجود في حركة النشاط الأدبي عندنا، أو أن وجوده لا يستوي ووجود سائر ظاهرات النشاط هذا، بل الذي أعنيه أن للنقد الأصولي، أو "المنهجي" في التعبير الحديث هو ما نتفقده في لبنان.

والقصد بالنقد المنهجي ما يكون مؤسسا على نظرية نقدية تعتمد أصولا معينة في فهم الأدب، وفي اكتشاف القيم الجمالية والنفسية والفكرية والاجتماعية في العمل الأدبي.

واعتماد هذه الأصول يقتضي من الناقد أن يتجهز كذلك بقدر من المعرفة تتصل بشؤون النفس الإنسانية وقوانين تطور المجتمع وطبيعة العلاقة بين هذه وتلك، وفهم الشخصية الإنسانية في ضوء هذه المعرفة، بالإضافة إلى الإلمام، ضرورة، بأهم قضايا العصر التي تساعد معرفتها على تحديد موقف العمل الأدبي تجاه هذه القضايا، فكرية كانت أم اجتماعية أم سياسية أم فنية.

وبدهي أن يكون في جملة الأصول التي تعتمدها المنهجية النقدية ثقافة وافرة راسخة تمكّن الناقد من البصر بالخصائص التعبيرية للغة الأدب، وبالعلاقات الرمزية القائمة بين الكلمة ومعناها، أو بين العبارة ومضمونها.

ولكن هذه الثقافة ليست خاصة بالنقد المنهجي الذي نعنيه، بل هي من الضرورات المشتركة لكل نوع من أنواع النقد. وأقصد بهذا أن المنهجية شيء آخر غير الثقافة بوجه عام، وإن كانت الثقافة هي العدة الإساس لكل من يتصدى للنقد مهما تكن طريقته.

ونبادر هنا إلى إيضاح أمر ربما داخله الوهم أو الالتباس، فقد يخامر البعض أن التزام الأصولية، أو المنهجية، في النقد الأدبي يؤدي إلى نوع من "الميكانيكية" في عمل الناقد، اي أن الناقد الملتزم نهجا معينا لا بد أن يُخضع كل عمل أدبي ينقده إلى مقاييس ثابتة جامدة يرسمها له المنهج الذي يلتزمه، بحيث يقول في هذا العمل الأدبي ما يقوله في ذاك، ثم يقوله في غير هذا وذاك، بصور من التكرار الآلي الرتيب، فيتجمد النقد بذلك، وتتجمد شخصية الناقد، وتتعطل عنده حساسية التذوق الجمالي، وعندئذ تنشل حركة النقد الوظيفية وتنتفي منه الفائدة والغاية.

لقد أوضحت هذا الوهم بتضخيم، كيلا يبقى عند أحد ممن يؤخذون به مجال لقول آخر يقوله بهذا الصدد. والواقع أن مثل هذه الوهم إنما يأتي من فهم المنهجية على غير وجهها الحق، أو على غير نضج في إدراك المفهوم منها.

وأول ما ينبغي أن يكون واضحا من أمر المنهجية النقدية أنها لا تستحق هذه الصفة إذا هي قامت على أسس أو مقاييس ثابتة ثبوت جمود وتحجر، وإنما تستحقها (صفة المنهجية) حين تكون الأسس والمقاييس هذه ثابتة من حيث الجوهر، متحركة متطورة متجددة متنوعة من حيث التطبيق ومراعاة الخصائص الذاتية القائمة في كل خلق أدبي بخصوصه، إلى جانب الخصائص المكتسبة من قوانين الحركة الشاملة المرافقة لكل عمل أدبي ذي قيمة فنية ما.

من هنا يحتاج الناقد الأدبي المنهجي، بالمرتبة الأولى، إلى توفر الحساسية الذاتية القادرة على اكتشاف القيم الخاصة في كل أثر أدبي بذاته، وبخصوصيته. وهذا يعني، كما هو واضح، أن المنهجية النقدية لا تقتصر على عدم إنكار القيم الخاصة في العمل الأدبي، بل هي ترى ضرورة وجود هذه القيم ما دامت الشخصية الإنسانية ذاتها، وبوجه عام، متنوعة الخصائص، متعددة الجوانب، بقد تنوع الشخصيات وتنوعها وتعددها.

ومن باب أولى أن يكون هذه التنوع والتعدد في ذات الأديب الفنان الخلاق. ولذلك ترى المنهجية النقدية أن كل عمل أدبي لا بد أن يحتوي نوعا من التجربة التي لا تتكرر عند فنان وفنان آخر، بل لا تتكرر حتى في عملين صادرين عن فنان واحد.

لعلي استطعت بهذا الإيضاح أن أبدد ذلك الوهم الذي يحاذر أن تؤدي المنهجية النقدية إلى الوقوع في "ميكانيكية" العمل النقدي.

غلاف كتاب حسين مروة


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3106965

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC