زهيرة خليل زقطان - ملف: ذكريات مخيم الكرامة

ذكرياتي في الكرامة

زهيرة زقطانفي الرحلة المدرسية السنوية تشرح معلمة التاريخ سيرة المكان لطالباتها بنات مدرسة مخيم الكرامة الإعدادية. وكنا كما اصطفاف السنونو نصطف كسرب حط حول الماء. تتلاصق أكتافنا وتتشابه ملامحنا وأسماءنا ومرايلنا المدرسية المقلمة بالأخضر؛ نشبه بعضنا. كم كنا نشبه بعضنا على حافة الماء في تلك الرحلة في بداية الستينات:

هنا قرأ المسيح السلام على النهر وبارك يوحنا المعمدان الماء. هنا صلى المصلوب لإخوته ليكونوا بخير دائما، قبل أن يخوضوا النهر باتجاه الشرق فيما بعد. ومن هنا خرج إخوته إلى الضفة الأخرى ولم يكونوا بخير أبدا.

ومثلهم عبر من هنا أبي وأهلي ومن قبل جيراني الذين استبقونا إلى المخيم وعلقوا قبلنا خشبة صلبهم على أبواب الزينكو. مروا عن الجسر خارجين من جنوب البلاد وساحلها، صلبانهم في أمتعتهم، وصخرتهم السيزفية على الظهر، ومشوا في نتوءات الطريق إلى مصائر أعدت لهم.

كنت في التاسعة حين ارتحلنا من الخليل إلى مخيم الكرامة على الضفة الأخرى من النهر، وأقمنا في بيت طيني ملحق بمركز الشباب الاجتماعي حيث عمل والدي مشرفا على المركز، متنقلين من مخيم عقبة جبر إلى بيت لحم ثم بيت جالا ثم الخليل ومخيم العروب حسب وظيفة والدي، والآن مخيم الكرامة، وهي الرحلة الأبعد.

بطريقة ما كان النقل عملية إبعاد. صودر قبلها ديوان والدي "صوت الجياع". وأغلقت على الكتاب بوابة زنزانة سجن الخليل كأي معتقل. وسيستمر الحظر سنوات، ليخرج الكتاب مع المعتقلين في حرب حزيران، حين فتحت الحرب بفعل الاحتلال والفوضى أبواب السجون، وغاب الحراس، فخرج السياسيون إلى سجن أكثر ضيقا، وهزيمة أكثر ثقلا وأكبر حجما. لا أدري كيف وصلت نسخ من ديوان أبي إلى بيتنا الطيني عابرة بدورها الجسر إلى مخيم الكرامة.

بيت وكالة الغوث كان بيتنا الأول. بيت من طين وقصب ككل بيوت منطقة غور الأردن؛ وكأن الطين يغوي بألفة المساحات الضيقة؛ سنألف البيت وبساطة الطين ورائحة القصب حين يبتل؛ شجرة السدر في حوش صغير خلف البيت وأخرى أمام البيت؛ باب الزينكو أو بوابة الحوش الذي سنعتاد دقة الطارق عليه.

في الكرامة سأدخل تفاصيل المكان؛ من تلك البوابة حتى الوصول إلى بوابة المدرسة:

في طريق لا تزال طويلة في مخيلتي؛ على شمالي مطعم يقدم وجبة الغداء للطلاب ولمن يحمل بطاقة تمكنه من الحصول على وجبة (المطعم)؛ ثم بوابة العيادة الطبية المزدحمة بمرضى استبقوا الصباح آتين للعلاج في العيادة الوحيدة للمخيم والتابعة لوكالة الغوث؛
مخفر الشرطة جوار العيادة. تشدني (الفرسان) على جانب المبنى في زي يختلف عن زي رجال الشرطة وخيولهم المربوطة إلى حائط المبنى؛ مشهد غامض ينطبع حتى الآن بغموض في الذاكرة؛

ثم بناية (المؤن) ومهرجان توزيع المعونة الغذائية في نهاية كل شهر في طابور يسبق طلوع الشمس؛ نساء ورجال وأطفال وطلبة غابوا عن حصصهم الدراسية لمساعدة الأهل في استلام المعونة الشهرية.

ربما من هناك بدأت الأسئلة. وربما من جغرافية المخيم الواقع على طرف بلدات الشونة كحاجة فائضة أو علامة فارقة في الوجه. وحين تتسع المعرفة سأعرف أن المخيم فائض عن حاجة المدن أين حط رحاله؛ وسيكون دائما كالهامش الغامض إضافة زائدة حين يتجدد المشهد في العروب وفي اليرموك وفي صبرا وشاتيلا في سلسلة لا تنتهي.

تناقض اسم المخيم مع جغرافية الواقع؛ ضيق الأزقة والشارع الرئيسي المفروش بالتراب؛ بيت الطين وسقف البوص؛ ثم الماء المالح الذي يتدفق من حنفية في حوش البيت؛ سنشرب ماء بملح؛ وسيكون لنا قسوة واسعة هبة من الطبيعة في الصيف والشتاء.

سنعتاد ضيق المخيم (المخيم دائما ضيق) وسيخلق ضيق المكان عادة انتفاء التناسب بين المساحة وعدد الأفراد، لذلك سيخرج الطلبة بالواجبات المدرسية إلى فضاء الأرض، إلى (المزارع) الاسم الشائع للمنطقة الزراعية التي تميز بها المخيم.

كان البيت بدوره على طرف (المزارع) تمر عنه العشّابات بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس ليتوزعن على أحواض النعناع والبقدونس وأشتال البندورة؛ هن الأمهات والأخوات والجارات يرتبن باقات البقدونس والنعناع من الصبح للمساء ويصلين الظهر والعصر على حافة قناة تسقي المزروعات بأدعية بطعم النعناع والإنهاك.

وصلنا متأخرين عن معركة المخيم مع قسوة الأرض في الخمسينات؛ وجدناهم هناك قبلنا قادمين من الرملة واللد وقرى القدس ويافا، من بيت دجن وعجّور وبيت محسير. غسلوا التربة من الملح قبل أن نصل ومدوا خصل الخس وشتلات البندورة والبذنجان والسبانخ حتى حافة النهر؛ مهنة سيمارسها معظم سكان المخيم في وفاق مع تربة غسلوها من العقارب بأيديهم ومهدوا طريقا للأولاد بين الممرات المزروعة للدراسة؛ كانوا رجالا ونساء معا يشعلون الخضرة في رغيف الخبز.

وتمشي الكتب بالواجبات المدرسية مع الطلبة في ذلك الامتداد الذي مهده الآباء في ممرات هي أيضا ضيقة بين المزروعات الممتدة حتى حافة النهر؛ (لم تكن الكهرباء قد تمددت على عروق أسقف القصب في الغرف الضيقة).

نبدأ صباحنا في طوابير مرتبة؛ هناك قرأنا الفاتحة والسلام الملكي ونشيد للجزائر (وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر) وموطني. ونفخنا في بوق الأحلام بحناجرنا الصغيرة قبل العبور إلى الغرف الدراسية؛ كانت الأناشيد منسجمة مع ذاكرة الأهل وتنهيدة الجدة الطويلة؛ مع التعليق السياسي بعد نشرة الأخبار في الإذاعات العربية والمنشورات الممنوعة فيما بعد؛

وفي الأعراس المتقشفة كانت أغاني النساء تحاول بعث الحياة في الأغاني؛ تحيي قرى بعيدة مدفونة الأسماء؛ تصف عريشة العنب وندى تين الصباح وسياج الصبر حول البيت وتنادي على ثوار مضوا بأسمائهم ومعاركهم؛ الثوار المجاهدين منذ القسام وحتى الحسيني الذي كانت صورته بالبارودة وزيه العسكري المزنر بحزام الفشك معلقة على حائط بيتنا؛ ساحرا وجميلا مثل روايته في القسطل مرتبة وحقيقية وكأنها خارجة الآن طازجة وبهية؛ وبجوارها صورة عسكري مقصوصة من جريدة سأعرف فيما بعد أن اسم العسكري جمال عبد الناصر.

تنقلب حياتنا الصغيرة في الاحتفالات المدرسية في ذكرى النكبة ووعد بلفور؛ نصبح أبطالا في التمثيلية التي تعاد كل عام. توزع مربعات من الكرتون الأبيض تحمل كل طالبة مربع عليه اسم قريتها أو مدينتها؛ على مسرح معد من مجموعة من طاولات الصفوف يفرش عليه غطاء فوق المسرح نقف طالبات نحيلات (لنذكر يوما كنا بيافا) ممتلئين بالأمل ومتأكدين من عبور النهر.

نهر الأردن أو (الشريعة) كان لا يزال قويا وقادرا على الهدير الذي يتكاثف في الشتاء؛ النهر الذي يفيض كل شتاء يعززه سيل يندفع من جبال السلط المرتفعة بانحدار حاد وعنيف مترافقا مع هدير مخيف يركض باتجاه النهر ويفصل في طريقه المخيم إلى قسمين؛ ذاك الفيض الذي يرمي فيه النهر أسماكه على الضفاف فيذهب أولاد المخيم لجمع السمك الفائض. وأتذكر تلك السلة الممتلئة بسمك النهر التي أحضرها أحد الجيران إلى بيتنا؛ ربما ذلك اليوم توحدت في معظم بيوت المخيم وجبة واحدة. النهر الفائض والمخيم الممتلئ بالعائدين وكلمة العودة التي تجاور اسم المخيم؛ المخيم الذي سيذهب معظم شبيبته إلى التنظيمات التي بدأت تطل برؤوسها الخضراء مع خضرة المخيم والذي أخلى معظم سكانه بيوتهم بعد حزيران ومعركة الكرامة في 1968.

بدأت الحماسة تدب في الأقدام الجريئة متسللة لمهماتها خلف النهر وأصبح الأمل اسما يطلق على المواليد الجدد في الكرامة ويمتد إلى المخيمات الأخرى. كانت معركة الكرامة المرحلة الفاصلة في تاريخ الثورة والتاريخ العربي واختيار الطريق بلا محايدة.

كنا مؤمنين بالعبور؛ بحراسة المسيح على حافة (المغطس) وأن النهر لن يخذل النبي؛ واستعنا على الحلم بمسيرة التاريخ التي محت أقدام غزاة عبروا من هنا، وبممحاة طلبة المدارس الذين أتموا واجباتهم المدرسية خارج البيت وأكملوا أناشيد الصباح وكتبوا مع آبائهم أسماء المدن والقرى على مقاهي المخيم والدكاكين الصغيرة والأزقة وعربات الخضار؛ واستداروا في المساء عائدين خلف العشابات المنهكات في عربات تجرها أحصنة كهلة عائدة بنهارهم إلى غرف المخيم.

سنبتعد عن المخيم في هجرات متتالية وسنصل بيروت والحلم في الحقيبة جوار رائحة الطين والقصب والبيت الذي ألفناه في افتقاد حار وحميم؛ وفي القلب صورة التقطتها العين؛ صورة لم تذبل ولم تتشقق بفعل الزمن؛ لمساحة من تراب خلف البيت تعلق تحت الجلد؛

هناك قرب شجرة السدر الضخمة رأيت أبي يخرج دفاتره المدفونة ينفض الطين عن حواف الشعر المتآكلة في دفاتره. القصائد التي على طرف الورق مقطعة وغائبة أو ذائبة في طين؛ هي أيضا تحررت بعد حزيران. أذكر الغلاف الأخضر والأحمر لدفترين عدت بهما إلى رام الله في عام 1995 مع (قدّورة) الذي لم يعد ذاك الرجل الغامض الذي كان يحمل إلى بيتنا ماء الشرب الخالي من الملح، (قدّورة) كما كتب أبي مرثيته يوم موته.

قدّورة إنسان قذفته النكبة إلى مخيم الكرامة للاجئين؛ لم يكن له أهل أو أقارب في المخيم؛ وعندما مات شيعه أولاد المخيم بكوميديا سوداء. أما وكالة الغوث فسارعت لقطع (بطاقته) التموينية والعلاجية؛

قدُورةُ

قدُورةُ ماتْ

ما أهون تلك الكلمات

. . .

في التل دفناهُ

من وسط الزحمةِ من قلب الشارعِ لم نسمع آهْ

لم نُحرجْ بسؤالٍ منْ؟ وإلى أين حملناهْ؟

ويطوفُ الموكبُ يُنشدُ في إصرارْ

قدورة واريناهْ

. . .

لم تلطم ْخداً أيُ عذارى الشارعْ

لم تلبسْ اسودْ أيُ فتاةْ

لمْ تُرسلْ تعزيةٌ من أحدٍ

لم ْ يتقبلْ تعزيةً —قُرباهْ—

. . .

إنسانٌ مرَ على الدنيا كالنسماتْ

لمْ يظلمْ لمْ يقتُلْ أحدا ً.. لمْ يُورثْ تَركاتْ

غضاً من أرض بلادي خلقتهُ المأساةْ

قذفتهُ بعيداً

في التيه الأسود في الظلماتْ

. . .

قدورةُ ماتْ

وكثيراً...ماتْ

وتفضل ربُ الرحماتْ

يقتلُ قدورة

يمحوهْ من كلٍ —الكرتاتْ—

يعلنُ للأمم المتحدةْ

رقمٌ من شعبي ماتْ

= = =

25-1-1965

مخيم الكرامة

= = =

زهيرة خليل زقطان: شاعرة وباحثة في تاريخ الشعب الفلسطيني ولها في هذا المجال كتاب عنوانه "كنعانيات". ولها مجموعة قصصية بعنوان "أوراق غزالة"، ورواية بعنوان "مضى زمن النرجس" (2007). وهي فنانة تشكيلية باستخدام التطريز بخيوط الحرير.

JPEG - 55.6 كيلوبايت
زهيرة خليل زقطان واعتدال علي الهواري

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3102483

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC