منى الحضري - مصر

حدث ذات قلب

منى الحضريالأربــعاء

لست أدرى ما للأربـعاء و ما لنا؟ كما تعلم، معظم أحـداثنا و مناسـباتنا المشـتركة كانت يــوم الأربـعاء، وكـنا نسميه الأربـعاء الحـبيب.

أتذكر يوم قلت لي "لو لم يكن غريبا ومستهجنا لأسميت ابنتنا (الأربـعاء)"، ولكنك تشفق عليها من تعليقات ولمزات الآخــرين، وعساها كأمـها رقـيقـة لن تحـتمل؟

وهمست لك يومها بخـوف أُم: "الأربـعاء مذكـر من الأسـاس"، وإذا بك تـملأ الدنيـا ضـحكـا. وعندما غضـبت، قلت لي: "ربما، ولكن ليس ذلك ما يضـحكني، إنما يضحكني اليقـين الذي تحـيـين به يا حــبيبتي".

وها أنا لم أعد أحـيا باليقـين، بل صار اليقـين أبعد ما يكون عني وعنك. وها هو الأربعاء يدور ثم يعود، ولم نزل ندور في دائرة؛ وما أكثر الدوائر!


الظل

واتـفقا على أن ما جمعهما يوما ما صار تاريخا تاريخا مشـتركا اقتسماه عمرا. أما هو فيرى أن للتاريـخ قدسية وأي اعتداء عليه أو تدخل جــرم لا يغتفـر، وأن تاريخهما المشــترك ليس بماض بقـدر ما هو حاضـر ومستقبل، والتاريـخ لا يتجـزأ، وعجـلة الحيـاة تسير بلا منتهى، فما بالهما لو أن الذي جـمعهما حــب غير كل حــب؟

ولكنها لم تعد ترى؛ غير أن ما كان مجرد تاريـخ، والتاريـخ ماض لن يعود: يُكتب ويُقرأ ونتعلم منه دروسا للعـمر، ورغم ذلك فهي لم تنكـر قدسـيته أبدا.

ثم أن ليس كل تاريـخ من صـنع البشر، فهناك يـد القـدر التي هدمت ممالك وشـيدت أُخـر، وأن ما جمعهما يوما ما، كان وانتهى أمره كما يقول الواقـع، وإن تبقى شيء، فليس سوى ألفـة سـعدا بها يـوما، وحاشاها أن تستحيـل يـوما إلى وحشـة وجفاء.

ويـراها مسـتبدة؛ بل أكثـر اســتبدادا من ذي قبل، أما هي فلم تعد ترى. ولطالما رأتـه بعيـن القلب، والآن جل ما تحتاجه بعض الغـمض تفـهما لا انقـيـادا، وطلبا لراحـة بعد تعـب.

يحـبها أم يحـب نفسه لا يهم. وكما كان كلاهما ظـلا للآخـر، ربما عليهما تقـبل النهايـة بكل ما فيـها من لوعـة وألـم بعد أن فقـد كلاهما ظـله.


الهروب

وبعد طول صـمت وتحـمل وتحـفظنا الشديـد قد تأتي كلمة تثنينا عن كل ما سكتنا عنه وتحّملنا من أجله؛ حــروف قد لا نتبينها لحظيا حقيقة رغم ارتطامها بأعصابنا، بدمانا، بثوابتنا، وتهزنا هزا؛ وتأبى إلا أن تطيح بنا حتى تتركنا حطاما. ومن هنا كانت البداية، وما أصعب أن تهزمنا الكلمات بلا رحمة! وكمتهمة تبادره مقاطعة شلالا من ظلمه إياها:

"ولكني لا أدعي هــــروبا، فأنا أهـــرب بالفـعل".

"اهـربي ولو ألـف عام، ولكن تذكـري أني قــلت لك مــرارا "سـتكونين لي أو للذكــرى".".

"من أين لك بكل هذه القسـوة؟ لم تك قاسيـا هكذا من قبل".

"كدأبك، أقســو على قطعة غاليــة منّي".

"وهل قسـوت عليك من قبل؟"

"وأي قسوة! كبرياؤك قسوة، استغناؤك قسوة، نظرة رضا في عينيك تعصف بآمالي دفعة واحدة منتهى القسوة".

"إذن تعلمني جيـدا، وعلى يقين بأني لن أحيد عما أراه عين الصواب".

"أي صــواب؟ ثم لماذا أنـتِ من يحــدد؟ كفاك اسـتبدادا. عين الصواب هو أن مصيرنا واحد كما عاشت خطانا عمرا في طريق واحد، وإلا لما كان ارتباط المصائــر على النحو الذي تعرفين، وطالما سنفتـرق يوما".

"وهل سنظل هكذا يدور كلانا في فلك الآخـر، أم أنك لا تـدرك بعد أننا نـدور في دائـــرة مفــرغة؟"

"وقد ندور في دائرة، ولكنها ليست مفرغة طالما تضمنا معا. كفاكِ عِنادا".

"ليس عِنادا بل تعقلا أو رحمة ربي بنا، وليتك تعي كما وعيت".

"أعي وأتفهم وأمد يميني نحـوك بسلام متمنيا لكِ موفــور السـعادة، لا لن يحدث، وتذكري دوما "إما لي وبين عيوني، وإما للذكرى. لكِ الخيـار".".


صـبر وصـبر

لا أظن أنه يوجد من هو أحرص منّى عليها. كنت ولا أزال أخاف عليها من النسيم، من الناس وهي المحبوبة وربة القلوب.

هكذا هي دوما وكأنما تمتلك مفاتيح القلوب بلا قيد أو شـرط، ولكني وأنا الحريص عليها وعلى ما بيننا سأشكوها لكم.

أجل أبدو مضطرا لذلك، ولكن الحقيقة غير ذلك، فكل ما في الأمر أنني أصبحت أخاف أن أضل السبيل إليها يوما وينتهي كل شيء.

سأشكوها لكم وهي العادلة، وكم ظلمني فيض من رضاء يلون عينيها ونحن بعيدين وغريبين. أشكو تلك الصابرة، وكم أتعبني صبرها! فإلى متى؟

ورغم أن كلينا يمتلك الصبر، لكن شتان بين صبري وصبرها، فأنا أصبر عليها ولا أطيق فراقها، أما هي فكم يروق لها الفراق ولا تصبر عليّ. تصادر حنيني إليها، لكلمة تذكـرتها، لابتسامة اشتهيها، حتى زهـدها الكاذب هذا أحن إليه لدرجة جعلتني مع الوقت زاهــدا مثلها، مع فارق: زهدت نساء الدنيا عــداها.

سأشكوكِ له إذن، لرداء من الحكمة تلبسين أشكوكِ، ولكم أحب حكمتك وأهيم بها كما تعلمين. ولكني تعبت، أتعبني سلام نفسك رغم رحى الحـرب الدائـرة بقلبك الكبير، وبروحك النقية، تلك الحرب الضروس بين ما تريـديـن وما تحتاجين.

تعبت وكنتِ راحتي والآن أصبحتِ أمنيتي الوحيدة وما أعزها!

حبيبتي: سأشكو منكِ إليكِ، فهل من سبيل؟


ظهور الكلمات

يريحها الحديث إليه لكأنه واحتها الخضـراء عبر الكلمات.

أتدرون؟ ثمة كلمات تصــبح ظهـرا لصـاحبها، ولكنها تصمت، ففي حـنايا قلبها لوعة وبقايـا دمـوع أثقل من أن تحملها ظهور الكلمات.


استحقاق

أتذكر يوم قلت لك إن الحـياة التي تحدثني عنها تحـتاج إلى إنسانة لديها قلب. وتلك التي أمامك الآن ثمة قلب أمسى بحاجة إلى إنسانة قادرة على الحـياة فحسب.

فلتتذكر وحــدك فأنا لم أنس. وكيف أنسى شـعاعا من صِـدق اخـترق ظُلمة أيـامي؟

أجـل لم أنس، فسـعادتنا تستحق أن نسعى إليها بكل ما نملك من قـوة وضعف وحياة.


عود الند: تصميم خاص بالعدد الفصلي الرابع

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3435134

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC