عـــــود الــنــــــد

مـجـلـة ثـقـافـيـة فصلية

ISSN 1756-4212

الناشر: د. عـدلـي الـهــواري

زهرة يبرم - الجزائر

مذكرة يوم عادي

عقارب الساعة تقارب الواحدة ظهرا حين دعاها للخروج في جولة على كورنيش البحر، فكانت سرعتها في تجهيز نفسها بقدر عشقها لتلك الأماكن. وفي دقائق كانت أمام الباب. ولما استقبلهما الشارع انتبهت إلى السماء الغائمة وهمت بالرجوع للإتيان بمظلة تحسبا لنزول المطر، لكنه رأى في المظلة حملا زائدا، فالمواصلات متوفرة على المسار تُـنْجِدُهما إن أمطرت.

وبعد خطوات قليلة، ولما مازحته قائلة إنه استبق فصل الربيع حين غير معطفه الشتوي بجاكيت خفيفة وقد يبرد، انتبه إلى أنه نسي نقوده في جيب المعطف وهم بالرجوع. لكنها طمأنته أن معها بعض المال، وهما في العادة لا يحتاجان إلى مال كثير في نزهتهما تلك.

كان دأبهما بين الحين والآخر أن يسرقا من العمر المهدور في براري الزمن وقتا للانطلاق والحياة، يتوغلان في السير قدر ما يستطيعان، وحين يتعبان يعودان في المواصلات العامة.

إنها تريد لهذه السويعات أن تكون خالصة لها، تعطل فيها بعض الحواس وتنشّط أخرى، فلا تفكر في الأمور الهامة، ولا ترد على الهاتف. لا تتكلم كثيرا مع رفيقها، ولا تسمع إلا بالقدر الذي تريد. تتنفس عميقا، وتسرح ببصرها في كل الإتجاهات تأمّلا في تفاصيل كل شيء.

يهزمها البحر حين تراه، يلغي عقودا من عمرها ويعيدها طفلة في العاشرة. رائعة مدينتها بموقعها على خليج، وحيازتها على شريط ساحلي طويل كثيرِ المعطفات، يزخر بالجمال والدهشة. وكم تحب في كل مرة تأتي إلى هناك، حتى في عز الشتاء، أن تنزل إلى البحر وتداعب موجه بأقدامها، وتعشق من بين الشطآن شاطئ الجنة!

ثمة مشاهد على المسار شاسعة لا مثيل لها قد لا يكترث لها من اعتاد عليها، لكن أولئك الذين يهيمون متأملين من حولهم بحثا عما يبعث في نفوسهم انفعالا وإعجابا ينبهرون حتما بها، وهي من هؤلاء، فرغم اعتيادها ما زالت عيونها نهمة تعب من جمالها الذي لا ينضب.

مفتونة بالأمكنة جميعها ومهوسة بالتقاط جمال وجهها دون ملل. لم تعرف يوما أفقا أوسع وأكثر عجبا من شواطئ مدينتها. تمنت لو كانت تملك ناصية اللغة، إذن لأخذت على عاتقها أن ترسم لنا المشاهد بالكلمات. لبيّنتْ لنا المشاهد بألوانها المتبدلة على وقع تعاقب الفصول، سوداء مائجة تحت المطر، مشرقة منشرحة تحت أشعة أفريل [نيسان] الأولى، ومتوهجة صافية تحت شمس أوت [شهر آب/أغسطس]. الروعة تحيط بها من كل جهة وترويها.

كم ترغب في ضم البحر والجبل والسماء وتتملكها في فسحة عناق! لكن الطبيعة الشاسعة تفلت من بين ذراعيها الأقصر من أن تحضنها. تتأمل كل شيء، تشم كل شيء، وترغب في أن تقول كل شيء. بودها لو تعرف كيف تسكب مشاعرها بكاملها على صفحة بيضاء، ستكون سفينة خلاص كبيرة لها.

بحر سكيكداكان الهواء يدخل رئتيها منعشا عابقا برائحة الملح، والصيادون قابعون على الصخور وفوق سور الكورنيش يمارسون غواية الأسماك، ولوح إلكتروني يشكل جسرا على الطريق يشير إلى درجة حرارة ما، وإلى يوم وساعة ما، لكنها لا تهتم لدرجات الحرارة ولا لموقعها من الزمن. ولم تكن نشرات الرصد الجوي تشد اهتمامها يوما. لا تعبأ بالسحب التي تزحف نحو سمائها ولا للطيور التي تملأ الجو هروبا من عاصفة قادمة. بل كالطيور هي تحمل غريزة الحرية، وكل أمنيتها أن تبلغ الشاطئ الذي معه تسطر حكاية سحرية.

بالَغَا في الابتعاد. تجاوزا كثيرا من الشواطئ وبلغا شاطئ الجنة. أبدت رغبتها في النزول إليه، فليس أجمل من نزهة على حدود الماء.

اعذرها سيدي، ليس عنادا منها بل متيمة بشاطئ يحيط به الجمال أنى ولّيت وجهك. لا عليك منها. افترش جريدتك واجلس على الرمل. متع ناظريك بالجمال وبهدوء المكان. انظر إلى البحر يلتحم بالسماء الرمادية في تواطئ لوني، لكأن البحر نسي أنه البحر والسماء نسيت أنها السماء وصار كلاهما يهيم في الآخر.

مشت على طول الشاطئ ذهابا وإيابا لا تفكر في غير متعة اللحظة، إلا أن السماء باتت تنذر بقرب نزول المطر. وبدأت أولى القطرات تنزل. يا لهنائها، موج ومطر! فتحت ذراعيها وأغمضت عينيها وأودعت وجهها للمطر.

شرع المتواجدون القلائل على الشاطئ يجمعون أغراضهم استعدادا للمغادرة، كما سارا مغادرين المكان. مشت على حدود المد تودع البحر قبل صعود السلم إلى الكورنيش، لكن موجة عاتية هاجمتها في ارتفاع لم تكن تتوقعه، طالتها وبللت حذاءها وأطراف ثوبها، وصار السير بحذاء مبلل مضنيا.

على الطرف الآخر للطريق كافيتيريا اعتادا احتساء كؤوس من الشاي بالنعناع فيها مع حلوى "قلب اللوز" اللذيذة. ولن يغيرا من عادتهما. شربا كأسيهما، وأخرجت حافظة نقودها لتدفع للنادل، لكن الفجاءة أن لا نقود فيها. فتشت جيوبها الكثيرة علها تعثر على بعض الدنانير، لكن كانت كلها تصفر مع الريح. آه من آفة النسيان! لقد حولت النقود إلى جيب حقيبة أخرى.

غزر المطر وهما يسيران تحته دون أن يملكا ثمن سيارة أجرة. لكنها عاشقة مواسم المطر. حذاؤها الطري يتمدد تحت وزنها يوشك أن يتفكك. كم تمنت لو يتهتك لتكمل طريقها حافية! وتتذكر عهد الطفولة حين كانت تخاتل أمها لتقلد أطفال الحي في اللعب تحت المطر. يدعكون الأتربة المبللة تحت أقدامهم لتصير طينا لزجا. تلك من المتع النادرة لكنها تحت الخوف من العقوبة.
واستولت عليها الفكرة. لكنه حذاء عنيد من الجلد الجزائري عالمي الجودة. إلا أن طريقة مشيها جعله ينهار تحت قدميها.

واحتفت. نعم احتفت ملبية رغبتها. وصمها بالجنون وهي تسير جنبه حافية منـتشية بملامسة قدميها الأرض، والمطر ينزل فوقهما مجنونا. أمنية طفولية ما فتئت تطارد خيالها وتحققت، أن تسير بكل حرية كما الأطفال والمجانين في شوارعنا دون أن تقيدها نظرات الكبار والفضوليين.

لم تعد تنظر في عينيه، فقد غرق وغرقت في الصمت كما يغرق الفارون إلى لجاج البحر. اتسعت خطاه وأصبحت تفصلهما مسافة. صار يعاني كلاجئ في نوبة سفر. أما هي فلا تعاني. هي ليست مثله وهو ليس مثلها وليس على أحدهما أن يكون شبه الآخر. فليعش لصمته وليَدَعها فقط لمتعتها، فملامسة الأرض عشق.

كما لم تعد تنظر في عيون المارة، ليس كي لا يصيبها الخجل فلم يكن ذاك أمرا يخجلها، بل كي تستقل بمتعتها، فلا أحد يعنيه أمرها ولا نظرته لها تعنيها، وأمنيتها أن يخلو الطريق إلا منها.

لكأنها عادت طفلة في العاشرة في أول لقاء لها بالبحر في مخيم صيفي، فراحت تنشد بصوت خفيض تطرب له حواسها:

Un kilomètre à pied, ça use, ça use

واحد كيلومتر على الأقدام، هذا يمزٌّق، هذا يمزّق

Un kilomètre à pied, ça use les souliers
.

واحد كيلومتر على الأقدام، هذا يمزق الأحذية

Deux kilomètres à pied, ça use, ça use

كيلومتران اثنان على الأقدام، هذا يمزق، هذا يمزق

Deux kilomètres à pied, ça use les souliers

كيلومتران اثنان على الأقدام، هذا يمزق الأحذية

وهكذا كان الأطفال يمضون مع إنشاد طفولي لا يتوقف عند رقم معين، حتى يصلوا إلى البحر، فيهرعون إلى الماء بكل قلوبهم البريئة.

= = =

لمشاهدة أغنية الأطفال (بالفرنسية)

عود الند: تصميم خاص بالعدد الفصلي الرابع

نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3178432

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.6 + AHUNTSIC