زهرة زيراوي - المغرب

أيادي الفن المتسخة

أيادي الفن المتسخة (*)

(*) تلخيص محاضرة قدمها الفنان التشكيلي المغربي عبد اللطيف الزين في لقاء فني ثقافي أقيم أواخر آذار/مارس 2011 في المعرض الدولي للفن التشكيلي الذي احتضنته مدينة الدار البيضاء حول ما يروج الآن من تزوير للأعمال الفنية لكبار الرواد وبيعها بأثمنة خيالية في غياب الرقابة. مبدعة الغلاف، الفنانة التشكيلية زهرة زيراوي، شاركت في اللقاء وقدمت مداخلة في السياق نفسه. وقد خصت "عود الند" بتلخيص لمحاضرة الفنان عبد اللطيف الزين.

مقدمة

زهرة زيراويعبد اللطيف الزين اسم قوي في عالم الفن، لا يحضر في الساحات الوطنية أو العربية فقط، بل هو اسم عالمي امتدت شهرته عبر بقاع كثيرة من العالم، لوحاته تعرض في أوروبا كما في اليابان وغيرهما من الجهات، وهو دائم الترحال فيما بين القارات، ما يكاد يحط رحاله حتى تتم دعوته إلى طرف آخر من الأرض، كان وما يزال يدافع عن قضايا الفن، ويرى أن الثقافة والفنون بإمكانهما أن يجعلا اللقاء البشري على الأرض بدون نزاعات أو حروب، وأن المشروع الذي يفرض اليوم نفسه علينا كفنانين ومثقفين عامة هو المشروع الفني الثقافي.

ذكر في أحد اللقاءات الفنية بما قاله الأديب الإسباني أنطونيو غالا: كان في العالم سيدة وخادمتان: الثقافة و السياسة والاقتصاد، فاستطاعت الخادمتان أن تسلبا السيدة (الثقافة) مكانها لتحلا محلها. ومهمتنا نحن المثقفين هي كيف نعيد السيدة إلى مكانتها، والخادمتين إلى عملهما.

الفنان عبد اللطيف الزين تتعدد مشاربه وروافده الثقافية والفنية، لا يقف على باب الصباغة وحدها، فكما يسافر في المقامات اللونية يسافر في المقامات الموسيقية والصوتية، ذلك أنه يرى أن العالم الصباغي عليه أن يرتوي من أنهار أخرى وإلا أصيب بالجفاف والتصحر.

سعى لتكوين نقابات للفنانين، ولم يقف عند ذلك بل سعى إلى معارض فنية في الأمكنة المفتوحة كما في المعارض الكبرى كالمعرض الأخير الذي أقيم بكتدرائية الدار البيضاء (حزيران/يونيو 2010)، وعمل جاهدا على أن تكون أسماء الرواد حاضرة إلى جانب الفنانين الحديثي العهد بهذا العالم.

ودونما تعصب، يصر على أن يكون المعرض لأبناء المغرب، جنوبا وشمالا، دون تميز أو حصر لجهة دون أخرى، ثم بهذا اللاتحيز يدخل الفنان المغربي في علائقه مع الآخر في أوروبا أو غيرها، بمعنى فتح الفرص للفنان المغربي عامة.

ثم راوده منذ عامين حلم السعي لتحقيق "الصالون العربي للفن المعاصر". زار العالم العربي متنقلا من عمان إلى المملكة العربية السعودية إلى قاهرة المعز، إلى جهات أخرى من العالم العربي. ثم أصبح الحلم واقعا، إذ سيقام في مدينة مراكش من 22 وحتى 26 شباط/فبراير 2011 الصالون الأول للفن العربي المعاصر، بمشاركة رواد الفن التشكيلي، فمن القاهرة الدكتور أحمد نوار، ومن الأردن الفنان الأديب غازي انعيم، إلى آخر من لبى الدعوة من العالم، ووضع البرنامج العام للمحاضرات والنقاش، وتصور ما ينبغي أن يخرج به المؤتمرون.

وتمت دعوته في شهر آذار/مارس 2011 إلى المعرض الدولي للفن التشكيلي (الدار البيضاء) لإلقاء محاضرة حول ما يروج الآن من تزوير للأعمال الفنية لكبار الرواد وبيعها بأثمنة خيالية في غياب الرقابة فكان هذا العرض (أيادي الفن المتسخة) موضوعا للنقاش.

أيادي الفن المتسخة: مداخلة الفنان عبد اللطيف الزين

عبد اللطيف الزينسواء أتعلق الأمر بـ"أياد متسخة" أمْ بمافيا، فإن المقصود هنا على كلّ حال جماعة من الأشرار التي تمتد تشعباتها لتستهدف مختلف القطاعات انطلاقا من مصلحة محددة. وهذه الجماعة تنتظم من أجل ولوج سائر الدواليب التي تسيّر وتتحكم في هذه القطاعات، وهي في ذلك تلجأ إلى كلّ أنواع الحيل والخدع والضغوطات والإرشاء، وضروب أخرى من التخويف، لتحقق أهدافها. نحن إذن أمام مافيا يمكن أن نطلق عليها اسم "مافيا الأعمال" والشوبيز (show business) والمخدرات والسياسة، وفي الحالة التي تهمّنا هنا يتعلق الأمر بمافيا الأعمال والتحف الفنّية.

سرقات الأعمال الفنية والتقليد الصباغي

في بلد مثل المغرب، حيث بيع التحف بالمزاد العلني يُعتبر ظاهرة سوسيوثقافية حديثة العهد نسبيا. ويغدو الحديث عن وجود مافيا حديثا ملائما ومناسبا. إنها مافيا راكمتْ وما فتئت تراكم ثرواتها من خلال شراء اللوحات الفنية من فنانين يعيشون ضائقة مالية، أو لوحات لفنانين فاجأهم الموت في سنّ مبكّرة مخلّفين وراءهم أعمالا فنية معترفا بها ولها قيمة مادّية اليوم. مافيا متمركزة حول سوق واعد بكل أسباب الربح، وتذرّ من ورائه بكل حذْق أرباحا طائلة من خلال لجوئها إلى معاملات مالية تتم في معظم الأحيان نقدا، وتتخذ كلها شكلا من أشكال تبييض الأموال والارتشاء واختلاس أموال تشتمّ منها رائحة الإتجار في المخدرات.

يتعلق الأمر باختصار بعمليات مشبوهة تغرق هذا السوق في فساد مضارباتي يحار معها الإنسان العادي! إن الضمانة الصارخة التي تعتمد عليها هذه العصابة من قنّاصي المال هي في معظم الحالات اللوحة المزيّفة والقطعة الفنّية المغشوشة، بحيث تنجح في بيعها وترويجها بدون أدنى صعوبة أو عناء، وأمام مرأى ومسمع من الجميع. فكم من فنان مقلّد ومزوّر شارك في هذه المهازل، وذلك من خلال تزويد السوق بأعمال فنية مغربية أو أجنبيّة يتمّ إنتاجها في إيطاليا أو في بلدان آسيوية، مستعملين في ذلك عن قصد مقوّمات وموادّ تنتمي إلى العصر الذي رسم فيه الفنان الحقيقي لوحته الحقيقية، وذلك من أجل التمويه وإضفاء طابع الأصالة على اللوحات لكي تبدو حقيقية وأصلية؛ وكلّ هذا في تواطؤ تامّ مع خبرة أجنبية يتمّ شراؤها. وتوجد بعض قاعات البيع بالمزاد العلني التي تجيز هذه الأعمال الشنيعة، وتضفي عليها المصداقية مقابل جنْي أرباح من ورائها.

أمثلة للتوضيح في هذا السياق

سأذكر مثاليْن اثنيْن على سبيل التمثيل لا الحصر:
أولا: قبل بضع سنوات لاحظنا بأنّ لوحتيْن من اللوحات الثلاث للفنان ماجوريل، المعروضة للبيع، والمشار إليها في كاتالوغ المعرض، لم تكن هناك أيّة إشارة إلى كوْن هذه الصباغة على الورق كانت ملتصقة على القماش من طرف أحد المزيّفين لكي تباع بثمن باهظ ليس إلاّ.

ثانيا: أما المثال الثاني، فإنه يتعلّق بالفنان جيلالي الغرباوي الذي بيعت أعماله مؤخّرا في المزاد العلني بأثمان عالية جدّا، ولم يعرف أحد خلال عملية البيع أنّ أعماله تمّ ترميمها وإعادة صقلها من طرف فنّان تشكيلي يقطن بالرباط!

وهناك تصرّفات أخرى أيضا لا بدّ من التنديد بها، والتي تستفيد منها بشكل كبير عصابات الفن ضدّا على القانون الناقص أو العجز عن ملاحقة هؤلاء. وأشير هنا على سبيل المثال إلى الخروج السّرّي من المغرب لعدد من اللّوحات في اتجاه بلدان أجنبيّة، وعودتها إليه بطرق ملتوية باعتبارها واردات مصرّحا بها، وبالتالي بيعها وتحويل أرباحها بالعملة نقدا نحو الخارج ووضعها في حسابات شخصيّة.

هذا من جهة، أما من جهة أخرى فإنّ اقتناء لوحات فنيّة من طرف مالكين، أو من طرف عائلاتهم المالكة لقاعات البيع بالمزاد العلني، أو من طرف وُسطاء لهم غير معلَنين، تُعتبر عن حقّ وسيلة أخرى للإيقاع بالزبناء الذين يأتون لاقتناء اللوحات في مزاد علني غير مشروع، وهو سلوك يعاقب عليه بشدّة في الغرب. وهذا معناه أنّ هؤلاء المالكين، أو شركاء الظّلّ المرتبطين بهم، يقدّمون للبيْع أعمالا فنّيّة غير خاضعة منذ البدء للخبرة، وبدون شهادة وصفية يقدّمها من له حقّ الملكية أو يقدّرها خبير محلّف.

وهكذا، ففي ظلّ الفراغ القانوني الذي يعرفه المغرب في الميدان الفنّي، نلاحظ أنّ مثل هذه الممارسات قد تدنّت ونزلت إلى سلسلة من المواقف والمسلكيات محتالة وخادعة إلى درجة أنّ أوّل تاجر في المجال الفنّي يعتقد أنه أهل لكي يرشد مقتني الأعمال الفنّيّة، بل وأن ينصّب نفسه خبيرا في الشؤون الفنية، مكيّفا بذلك سوق قيمة اللوحات وثمنها وفق مزاعم وادّعاءات لا علاقة لها بالفنّ، في حين أنّ ما يجري في الغرب يبقى خاضعا لمعايير صارمة ومراقبة بحسب القانون الجاري به العمل.

وفي الوقت نفسه لا نفهم كيف أن متاحف تنتمي إلى مؤسسات عمومية أو شبه عمومية (مثل ما كانت تقوم به إلى وقت قريب وزارة الثقافة عندما كانت تعطي، لتقتني لوحات تشكيلية لها، نفس المبلغ المالي لفنانين معروفين وآخرين مجهولين في الآن ذاته) تعمد إلى شراء أعمال فنية باللجوء إلى المزاد العلني من أجل إغناء خزانتها الفنية، هذا في الوقت الذي تقتضي فيه قاعدة أخلاقيات المهنة أن تشتري المؤسسة الأعمال مباشرة من أصحابها الذين تقدم لهم نصف الثمن المطلوب، وذلك بطبيعة الحال من خلال إعطاء القيمة اللازمة للفنان، والأخذ بالاعتبار درجة شهرة وقيمة كلّ واحد!

أين الجمعيات والنقابات الفنية لحماية الفنان؟

هناك أشياء كثيرة يمكن قولها أو إعادة قولها. ذلك أن بعض الفنانين يستعملون نفس الوسائل المشبوهة تقريبا ويقيمون إشهارات صاخبة من أجل إبراز صورتهم باعتبارهم فنانين. وبطيعة الحال فإنهم ينجحون في الوصول إلى تحقيق القيمة الفنية المأمولة، وهي قيمة مبالَغ فيها لم تتحقق إلا بالتواطؤ الخفيّ مع عناصر أخرى لا يهمّها سوى الربح المادّي ولا تأبه بالفنّ: أصدقاء ميسورون، أبناك، قاعات للعرض، مؤسسات تجارية. والجميع هنا يحرّكه الربح وليس الضمير والأخلاقيات. ويكون المقتني هو الضحية في نهاية الأمر لأنه يعمد إلى شراء لاقيمة وناقصة من الناحية الفنية بأثمان باهظة، عن طريق السماع فقط أو من أجل التباهي والتبجّح ليس إلا.

ما الذي يجب علينا كمؤسسات مسئولة القيام به؟

ينبغي أوّلا وقبل كلّ شيء أن نعرف حقّ المعرفة مسار الفنان الذي نودّ أن نشتري عمله الفني، والتأكّد من قيمته الفنية الحقيقية في بلده قبل الإقدام على دفع ثمن لوحاته. غير أنه في هذه اللعبة الخطيرة، اللعبة القذرة، التي يفقد فيها الفنّ مصداقيته، نجد أنّ الجميع يسيل لعابهم عند أول عثرة لقطعة نقدية: أصحاب القاعات، نقّاد الفنّ، بعض الصحافيين غير المسؤولين والمتواطئين. بات الجميع لا يؤمنون إلا بسلطة المال، ويلهثون وراء هؤلاء المخرّبين في انسجام تامّ من أجل التنقيص من قيمة الفنان التشكيلي الذي يأبى أن يتواطأ معهم. ونحن نؤمن بأنّ الفنّان الحقيقي، أي الفنّان الموهوب، لا يمكن أنْ يبقى محجوبا عن الأنظار بما أنّه يظلّ في الوقت ذاته حُرّا وقويا بالهبة التي منحها الله له.

فأنْ تحرّك المرء مثل هذه النوايا السيئة، التي من شأنها ازدراء الناس فضولا قليلا وكذا الفنّ والفنانين، بغية الهيمنة على سوق للفنّ ما فتئ يحبو خطواته الأولى، رغم أنه يعد بالشيء الكثير مستقبلا، معناه المجازفة بالوصول إلى حالة انعدام الثقة وسوء السمعة من طرف الجميع! والهيمنة هنا معناها إنشاء وخلق قاعات للبيع هنا وهناك وكيفما اتّفق، مثل فخاخ مجهولة، وتحت شعارات محض تجارية وبإسفاف، ومعناها إصدار مجلّة قائمة بصورة كبيرة على المحسوبية وادعائية من خلال وصفها بالمجلّة "المتخصّصة"؛ معناها كذلك تنظيم معرض كأنه قُدّاس أسود، بهدف توسيع منطقة نفوذ المنظّمين مثل أنا ضامرة. إنها نماذج وأمثلة سلبية عن لوجيستيك فنّي لا يأبه كثيرا بأخلاق المواطنة، وبالتالي لا ينبغي اعتماده وتبنّيه مطلقا. أمام هذا السلوك الاحتكاري والأناني لا يسع المرء إلا الدعوة إلى اتخاذ كل ضروب الحيطة والحذر، ذلك أنه سلوك يندرج تحت اسم الجريمة الجنائية.

القانون وحده لا يكفي؛ إرادة تنظيم القطاع حافز أساسي

لابد لنا اليوم من معرفة أنّه في العديد من بلدان العالم، لم يعد الاهتمام ينصبّ سوى على اقتناء لوحات فنّان القُرب "المدينة-البلد". لقد ولّى الزّمن الأسطوري لباريس التي كانت تحتكر سوق الفنّ التشكيلي، والتي استطاع الفرنسيون، ومعهم المصريون، بفضلها تطوير الاقتصاد الفني والثقافي والسياحي لبلديْهما وإضفاء القيمة عليه. لم يعد الناس في نيويورك يشترون سوى فنان نيويورك، وكذلك الأمر في طوكيو وغيرها من المدن العالمية. فضلا عن الشفافية التامة التي تجري فيها عملية البيع والشراء.

طيلة الخمسين سنة التي مارست خلالها الفنّ التشكيلي، كنت وما زلت أناضل من أجل الاعتراف بالفنّان، كما ناضلت بإصرار كبير وتفان من أجل خلق قانون خاص به وتطبيقه على الوجه الأكمل، وخلق بطاقة الفنّان. كما ساهمت من جهة أخرى باعتباري عضوا في تأسيس تعاضدية الفنّانين. لم أتوان يوما ما في تحمّل مسؤوليتي، ومن هنا فإنّ الدوافع العميقة التي جعلتني أصبح خبيرا في المجال الفنّي لا يحرّكها سوى هذا التذمّر والسخط، الذي عبّرت عنه بوضوح وشجاعة في كثير من اللقاءات الفنية، من انتشار وتزايد الأعمال الفنية المزوّرة ومزوّري الفنّ.

إنّ الإرادة الحقيقية التي تحرّكنا هي ضرورة تنظيم هذا القطاع، وذلك بالنّظر إلى كوْن معرفتنا بالأعمال الفنية ناضجة بما فيه الكفاية لكي تجعلنا نشهد بصحة العمل الفني أو تزويره، وبصورة خاصّة أعمال أصدقائنا المرحومين أحمد الشرقاوي وأمين الدّمناتي والشّعيبية طلال، وفنانين آخرين لازالوا على قيد الحياة. وقد كان الشعار الذي ننطلق منه دائما هو التنديد بكلّ أشكال الهدم والتخريب التي ابْتُلي بها القطاع الفنّي في بلادنا، مع العمل، بموازاة ذلك، على تحسين ظروف عيْش الفنان التشكيلي المغربي، والله وحده شاهد على ما أقول.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3043943

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC