رانيا حميد - الأردن

شال الحنان

رانيا فخريذات حنين استوحش القلب، تنهد وحدته والرعب، تاه في أرجاء النداء، حار بين صمته والهذيان، توقف به الزمان، فطفق عائدا إلى ما كان، إلى براءة أزهرت يوما في حديقة الحنان، داعبها نسيم الصباح، والندى قبلات لثمتها، شفاه من بريق المرجان، إلى دفء غارت منه ابتسامة الشمس، وعطف أهدى الحياة لنيسان، وضحكة جلجلت، اهتزت لها عروش الحزن، وأعلنت ولاءها، لعرش سنديانة النساء، وحوت بحر الأمهات، لؤلؤة البشر، سليلة نور القمر، وحامية القلوب من علة الكسر، إليك أمي.

عاد القلب باحثا عن جذور تركها في ارض الماضي وغاب، عن لحظات أمست كما السحاب، أمطر ما في جعبته وذاب، عن بسمة طفلة اعترتها رجفة، لما فتحت باب الهوى، وخطفها إلى ما بعد الغياب، جرس الإياب دق، والرنين نبض تعج به الروح، وجوارح رايات اللهف فيها تلوح، وإحساس أصيب بالخرس، نسي كيف يكون البوح، وكيف تروض الحروف.

نسي عناوين الكلام، وكيف يحلق به مع أسراب الحمام، نسي كيف يغزل من همسه أحلى الأنغام، فاختار غزل الخيطان، اختار الرسم بلا ألوان، والعزف على وتر لا يعرفه عود ولا كمان، إحساس اتسعت فيه مساحات الشوق، فأضحى مرج ذكريات خضراء تتمايل مع الهبات.

في كل ركن وردة، وفي كل زاوية لي من خيوط الشمس فستان، ارتديته ذات ضحكة وذات شقاوة وذات عناق لأغصان الرمان، وذات استلقاءة في قلبها، سيدة نساء الزمان، وذات ضفيرة سرحتها أنامل الحب، سحرت أفئدة الملأ، وأثارت غيرة الجميلات الحسان.

إحساس شتوي المزاج، كلما تكدست غيوم شوقه، وهبت ريح شجونه، هطلت زخات الدموع، تبلل وجنات الوهن، وتبقي أركان الروح تحت وطأة الحزن، ارتجافات من كل صوب تثور، أمنيات في أرجاء النفس تدور، هتاف في أعالي الاحتياج يصدح، غصة في قيعان الصدر تجرح، لهفة لدفء الأحضان، عن تمردها تفصح، وربت على كتف الأنين، يهدئ من روع الفقد، يبثه وهج الشمس، في صقيع كوانين يذيب جليد الخوف.

شاليهديه قبلات شباط الغرام، ووردات آذار العابقة بالأسرار، وخيطان برقة نيسان، ودفء حزيران، يحيك بها شال الحنان، بألوان الجوري والأقحوان، والقرنفل والليلك وأزهار الرمان.

جنة بحجم شال. تدفئ القلب، وتنير الأحداق كأنها النجمات، وابتسامة ثغر تطل كما الهلال، يهديها لكيان بعظمة أم، على قمم المحبة هي عنوان، عطاؤها جاب أقاصي الجفا، فأنعشها بقطرات حب، وهمسات لين وحنان.

أم طوعت قسوة الدنيا، فكانت بين أناملها حروف يراقصها قلم وألوان، أهزوجة فرح ترددها، تطرب من حولها والجيران، نقشات ثوب تطرزه، ترتديه فتغار من خصرها الخيطان.

رغيف خبز تصنعه، من عبقه يغار الريحان، وفنجان قهوة تحضره، لصباحها يكون العنوان.

شال الحنان: قصيدة أناملي والخيطان، حاكتها على سطور الأثير، مع الابتسام مزجتها، مع نبض مسافر مع الحلم، مع خيال اتقن الرسم، مع قبلة مغرورة، طبعت نفسها بين الرسم والرسم، بين الغرزة والغرزة، حتى وصلت حد الحسم.

مع تنهيدة نثرت على أطرافه بريق عيوني، يزينه ويخبئ بين أركانه حنيني.

شال الحنان: جنائن شوق تفتحت في مساحات السنين، كلمات تاهت في دروب العمر، ما قالها اللسان، فقررت القول بدلا منه رعونة الخيطان.

تقمصت دور البوح، تجاوزت حدود الصمت، فنطقت بجمال ما اعتاده قلبي الإنسان، وأفرحت عيون أمي الماجنة، وأبسمت ثغرها الفتان، داعبت أناملها واحتضنتها كما شمس نيسان.

أمي: في بستانك كنت يوما وردة، اقتطفها الزمان وأنبتها في حديقة كان يا ما كان، فساعة هي في جنة، وأخرى هي في نيران، وثالثة تجتاحها العواصف، ورابعة يغتالها فيها الخذلان، وخامسة يخطفني فيها السكون، فأحظى ببعض من رضا الزمان، وسادسة وسابعة... وفي كل الساعات اكتشفت أخيرا، أني بلاك ضيعت طريقي إلى الجنان، يا شال الحنان، فأعديني إلى درب جنانك ورضا الرحمن يا شال الحنان.

عود الند يافطة العدد الفصلي 8

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات2108/1/1:> 222385

موقع صمم بنظام SPIP 3.2.0 + AHUNTSIC