أدب عالمي: باولو كويليو - البرازيل

إحدى عشرة دقيقة

غلاف رواية إحدى عشرة دقيقةلكن المشكلة التي تتسم بالخطورة البالغة هي أنها لا تملك ثوبا للمناسبة، والمرأة لا تعترف أبدأ بهذه الأسرار الحميمة (يسهل على المرأة أن تتقبل خيانة زوجها من أن تعترف بالحالة المريعة لخزانة ملابسها).

لكن، بما أن ماريا لا تعرف هذين الرجلين، ولن تراهما مجددا في حياتها، فقد رأت أن ليس لديها ما تخسره، وقالت "ما زلت قادمة للتو من نوردستا، وليس لدى ما ارتديه للذهاب إلى المطعم".

توسل إليها الرجل عبر المترجم قائلا: "إنه لا يجدر بها أن تقلق بهذا الشأن، ثم طلب إليها عنوان الفندق الذى تنزل فيه. بعد الظهيرة، ارسل إليها فستانا لم تر مثله في حياتها وحذاء يبلغ ثمنه اجر عام كامل.

شعرت أن المغامرة قد بدأت، المغامرة التي طالما حلمت بها خلال طفولتها ومراهقتها فى "السرتا" البرازيلية. و"السرتا" بلاد قاحلة وشباب لا مستقبل لهم، مدينة نزيهة لكن فقيرة، والحياة فيها رتيبة وفارغة من أي اهتمام.

ها هي تتحضر الأن لتصبح أميرة العالم! ها أن رجلا يعرض عليها وظيفة ودولارات، ويقدم لها حذاء مترفا وفستانا يشبه الفساتين في قصص الساحرات! لا ينقصها إلا الماكياج، لكن موظفة الاستعلامات تعاطفت معها وأتت لنجدتها ولم تنس أن تحذرها بقوة وتنبهها إلى أن الأجانب ليسوا كلهم جديرين بالاحترام، كما أن ليس كل سكان ريو دى جانيرو صعاليك.

تجاهلت ماريا التنبيه. ارتدت هدية السماوات وقضت ساعات أمام المرأة، وهى تتحسر لكونها لم تجلب معها الكاميرات فتصور هذه اللحظات. واستمرت كذلك إلى أن انتبهت أنها تأخرت عن موعدها. خرجت وهي تركض مثل سندريلا، ووصلت إلى الفندق حيث بنزل السويسري. دهشت حين أخبرها المترجم أنه لن يرافقهما.

"لا تكترثي لأمر اللغة. المهم أن يشعر أنه مرتاح برفقتك."

"لكن ما العمل اذا لم يفهم ما أقول؟"

"لن تحتاجي إلى الكلام، لأن المسألة متصلة "بالطاقات الكامنة فينا".

لم تفهم ماريا معنى قوله. في بلادها، عندما يلتقى الناس، يحتاجون إلى تبادل الكلام والأسئلة والأجوبة. لكن مايلسون (اسم المترجم الحارس)، أكد لها أن الأمر مختلف فى ريو دى جانيرو كما في سائر أنحاء العالم.

"لا تحاولي أن تفهمي. تدبري أمرك بمفردك. دعيه يشعر بالراحة. الرجل أرمل ولا أولاد له، وهو صاحب ملهى ليلى يبحث عن برازيليات يرغبن في العمل في الخارج. قلت له أنك لست مؤهلة لهذا العمل، لكنه أصر على الموضوع. يدعي أنه وقع في الغرام ما أن رآك تخرجين من الماء وأنه وجد "المايوه البيكينى" جميلا."

توقف المترجم عن الكلام، ثم أضاف:

"لكنى بصراحة أقول لك إن كنت تريدين أن تجدي عشيقا هنا، فعليك أن تغيري موديل "البيكينى" لأنه باستثناء هذا السويسري، لن يعجب أحدا في العالم، لأنه قديم الطراز للغاية."

تظاهرت ماريا بعدم سماعه، ثم تابع مايلسون قائلا:

"إنه لا يرغب فقط بمغامرة معك، بل يعتبر أن لديك ما يكفى من الموهبة لتصبحي نجمة ملهاه الليلي. بالطبع، لم يستمع إلى غنائك ولم يراقصك، لكن هذا يمكن اكتسابه. أما الجمال، فيأتي بالفكرة. آه! هؤلاء الأوروبيون! يلقون رحالهم هنا معتقدين أن كل البرازيليات شهوانيات ويعرفن رقصة السامبا، اذا كانت نياته جدية، اقترح عليك أن تبرمي عقدا معه، مقترنا بتوقيع رسمي من القنصلية السويسرية، قبل مغادرة البلاد. غدا سأكون على الشاطئ أمام الفندق. تعالي لرؤيتك اذا ساورتك بعض الشكوك."

ابتسم السويسري وأمسك بذراعها مشيرا إلى سيارة التاكسي التي تنتظرهما.

"اما اذا كانت نياته مختلفة ونياتك كذلك، فإن التعرفة لليلة الواحدة هي ثلاثمائة دولار. فلا تقبلي بما هو أقل."

قبل أن تتمكن من الإجابة، كانت سيارة التاكسي قد أقلعت باتجاه المطعم. اقتصر الحوار على الحد الأدنى: العمل. الدولارات. نجمة برازيلية.

إلا أن ماريا كانت تفكر في قول المترجم "ثلاثمائة دولار لليلة واحدة." يا للثروة! ليست مضطرة لأن تموت من العشق! بإمكانها أن تغري هذا الرجل كما فعلت مع رب عملها، وأن تـتزوج وتـنجب أولاداً وتؤمن حياة مريحة لوالديها. ما الذي لديها لكي تخسره؟ فهو عجوز ولن يلبث أن يموت فترث ثروته. عبثا يلهث السويسريون وراء الثروات، لكان النساء عملة نادرة في بلادهم.

كانا قليلي الكلام خلال العشاء، ابتسامة من هنا وابتسامة من هناك. فهمت ماريا تدريجيا قصة الطاقات الكامنة هذه. أظهر الرجل ألبوماً يحتوى على وثائق عدة مكتوبة في لغة لا تعرفها وقصاصات جرائد وصور لنساء يرتدين البيكيني (مايوهات لا شك أنها أكثر أناقة وجرأة من ذلك الذى كانت ترتديه حين رآها السويسري لأول مرة). احتست ماريا الكثير من الكحول لمواجهة ما يمكن أن يقترحه عليها السويسري من أمور منكرة (لا أحد يستطيع أن يهزأ بثلاثمئة دولا1ر! ثم إن القليل من الكحول يجعل الأمور تصرف بلياقة وتهذيب.

كان يقدم الكرسي لها لدى جلوسها ويزيحه لدى نهوضها. تذرعت ماريا عند انتهاء السهر بأنها تعبت واقترحت عليه موعدا على الشاطئ صباح الغد (أشارت إلى الموعد على ساعتها مقلدة حركة الأمواج بيدها ورددت كلمة غ – د – ا ببطء شديد). بدا راضيا، ونظر هو أيضا إلى ساعته (ربما كانت سويسرية) وأفهمها أن الوقت يناسبه.

لم يكن نومها مريحا. فكرت أن كل ذلك كان حلما. لكنه حين استيقظت، استنتجت أن ذلك حصل فعلا، وأن هناك لا شك ثوبا فوق الكرسي في غرفتها المتواضعة وحذاء جميلا، وموعدا على الشاطئ في المدى القريب.

دونت ماريا في يومياتها، يوم التقت السويسري، الكلمات التالية:

تحدثني نفسي أنني على وشك اتخاذ قرار سيء. لكن الأخطاء شكل من أشكال التقدم في الحياة. ماذا يريد العالم مني؟ هل أجازف أم أعود من حيث أتيت دون أن أمتلك الشجاعة لأقول "نعم، للحياة؟"


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2902254

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC