سحر محمد - الأردن

ثلوج وفراشات


وعلى نبضات قلبي استيقظت فجر هذا اليوم، الثاني من آذار، لأرى البياض يسود الكون. السماء بيضاء. والأرض بيضاء. وفراشات بيضاء تطير من السماء إلى الأرض لتبعث في نفسي التفاؤل والسرور في أيام التعاسة والملل. لشد ما كان هذا المنظر يؤثر في نفسي، وكأن تلك الفراشات بعثها الله خصيصا لتدخل الفرح إلى قلبي، فأرى فراشة تطير شرقا، وأخرى غربا، وواحدة شمالا، والأخرى جنوبا، وأخريات في جميع الاتجاهات. وأرى فراشة كبيرة من بين مئات الفراشات الصغيرة وكأنها أمرت عليهن.

أنتظر الصباح حتى يأتي لأرى المنظر بوضوح أكثر، وما أن يطل الصباح إلا وتقع عيناي على بضعة عصافير تتنقل من جهة إلى أخرى لتجد مكانا تختبئ فيه من برد الثلوج. لا أدري هل كانت سعيدة، ولذا فهي تحلق في هذا الفضاء بينما العصافير الاخرى اختبأت في أعشاشها، أم هي تعيسة لا تجد مكانا تأوي إليه فتتجمد تحت ندف الثلوج.

وما كان من تلك المناظر إلا أن تجعل رائحة الذكريات تفوح فيملأ عبيرها أنفي، وجمالها يملأ عيني، فأتذكر أيام كنت تحت الثانية عشرة عندما كنت ما أن يطلع الصباح حتى تجدني خارج البيت متلهفة للعب في الثلوج، فألعب والعب والعب إلى أن أمل، فتجدني دخلت البيت والبقع الزرقاء منتشرة على جسدي.

وكنا أثناء لعبنا ننكش الأرض حتى نتبين ارتفاع الثلوج، فما تلبث أن تظهر الأرض السوداء، وترانا ننصب تماثيل من الثلج. أما اليوم، وفي هذا الصباح الجميل، فإني أتلهف للعب في الثلوج، ولكن نفسي تمنعني لأنها لا تريد أن تنزع جمال ذلك المنظر باللعب فيه ونكشه، فنفسي تحب البياض، ولا تريد أن ترى سوادا، فلطالما رأت سوادا في قلوب الناس وعلى وجوههم، فهي تتوق لأن ترى البياض حتى ولو كان ماديا.

وأتلهف أيضا لصنع تمثال ثلجي، ولكن نفسي تمنعني، فهي تخبرني دائما أنه لا يوجد إنسان ابيض في هذا العالم، والتمثال كله ابيض، خارجه وداخله وقلبه، مع أن قلب الإنسان أسود قاتم، فمن أين له بالبياض؟

وتأتي هذه الذكريات وأنا أراقب الثلوج من خلال النافذة تندف كالفراش: مرة سريعة، ومرة بطيئة، ومرة أخرى تقف بضع ثوان كأنها تريد أن تريني بياضها الناصع بوضوح، وتريدني أن أقارنها بقلب الإنسان اللعين.

وها أنا أتسمر في فراشي. أتلهف للخروج من البيت، ولكن نفسي تمنعني. أتلهف للعب بالثلوج ولكنها تمنعني. إن نفسي محقة في ذلك، فهي تريد أن تسعدني بأن أري البياض يملأ عيني دون أن اعبث به. ولكنها جاهلة مع هذا، ولا تعلم أن هذا الوضع مؤقت، وعما قريب سيزول. ولا تعلم أن البياض لا يبقى بياضا، ولا تعلم أن قلب الإنسان لا يبقى قلب طفل، ولا تعلم أيضا أنني أجلس وحدي، فتجدني متفائلة لأني لا أفكر إلا بتلك الثلوج والبياض، وأنني بعد قليل سوف اختلط ببعض الناس الذين سوف يبددون كل تفاؤل يغمر قلبي، وهم بسهولة يفعلون ذلك. وبسرعة يزول التفاؤل لإن قلبي قليلا ما يجذب مثل تلك الأشياء: التفاؤل والسعادة والفرح. ولكن ما ذنبي أن أتعذب لقسوة قلبي علي لأن البشر يعذبون قلبي؟

إنني أتمنى أن اجلس بين تلك الثلوج وأرى من حولي البياض الناصع. وإنني اعد نفسي بألا اعبث بها وألا أظهر ما تحت الثلوج من السواد، ولكنها تأبى لأنها أيضا نفس إنسان، والبشر جميعهم تكرههم نفسي ولا تثق بهم، حتى الإنسان الذي تقطن داخله، فنفسي تريد أن تسعدني مع أنها لا تثق بي. هي مخلصة ولكنها جاهلة أيضا، فهي تريد أن تفرحني بالبياض الذي يخبئ السواد تحته. إنها لا تزال تؤمن بطهارة الطبيعة، ولكني أقول إنه ما دام البشر يدوسون عليها فهي تحمل نجسهم وخبثهم. وطالما حاولت إقناع نفسي بذلك، ولكنها لا تقتنع، لأن فيها بعض البياض الذي تستعمله قوتا لها لكي تستطيع الحياة.

D 1 تموز (يوليو) 2006     A سحر قراعين     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  اطبع العدد

2.  كلمة العدد 86: عن القانون واستقلال القضاء

3.  يوميات ثورة مصر: شهادة

4.  وهبت عمري للأمل

5.  ثلاثة نصوص قصيرة


القائمة البريدية