عدلي الهواري

كلمة العدد 64: عشر ملاحظات في عصر الثورات

عدلي الهواريحدثت في كل من تونس ومصر ثورة بالمعنى اللغوي للكلمة، ونجحتا خلال أسابيع في إزاحة الرئيس، وكانتا إلى حد كبير سلميتين. أما بالمعنى الفكري والسياسي للثورة، فيجب أن ينتظر المرء عشرين عاما على الأقل ليصدر حكما على ما جرى في البلدين، فإذا شمل التغيير الطبقة الحاكمة وايدلوجية الحكم وأصبح الشعب سيدا والفرد حرا كريما، فعندئذ سيكون بالإمكان وصف ما جرى في تونس ومصر بأنه ثورة.

هناك حماس شديد للثورات في العالم العربي، وهذا أمر طبيعي، فالشعوب العربية مكبوتة ومقهورة منذ زمن طويل، والحكام استمرأوا الأمر. وصاحب الحماس الكثيرُ من الكلام الذي أشاد ويشيد بالثورات العربية، ولكن أكثره لا يقدم ولا يؤخر، فهو لا يصمد أمام التمعن والتدقيق.

فيما يلي الملاحظات التي تكونت لدي بعد ما شاهدت وسمعت وقرأت خلال الشهور الماضية.

أولا: الإشادة بالعفوية

جميل طبعا أن تثور الجماهير بعفوية، ولكن حدثا جللا كالثورة يحتاج إلى قيادة تقوده إلى النجاح، وإلا سيكون عرضة للفشل. ولذا الأولى بالمحللين، سياسيين ومثقفين وإعلاميين، التأكيد على أهمية التنظيم لا العفوية، فالقوى المعادية للثورات لا تعمل بعفوية، بل بشكل منظم ومنسق.

ثانيا: اعتبار كون المرء شابا مؤهلا سياسيا

كثر المديح للشباب وقيادتهم الثورة، وبولغ في المديح مبالغة غير مبررة، فالشاب قد يكون واعيا سياسيا وقد لا يكون، ومن يرغب في قيادة الجماهير يجب أن يمتلك برنامجا، ويجب أن يمتلك الأطر، كالأحزاب والروابط حتى ولو غير رسمية، لكي يتمكن من أن يقودها ويطبق البرنامج الذي يخدمها. أما أن يتم التعويل على قدرة خارقة يمتلكها الشباب بسبب فيبسوك وتوتر فأمر يفتقر إلى الواقعية والعمق.

ثالثا: قراءة خاطئة لما جرى في تونس ومصر

من نتائج النجاح الذي تحقق في تونس ومصر افتراض أن الثورة في أي بلد عربي ستنجح باتباع نفس الأساليب، فهي تبدأ بمظاهرات في يوم يتم الإعلان عنه في فيسبوك وتويتر، ثم خلال أسابيع يزاح الحاكم بعد أن يلقي خطابات في الوقت الضائع.

غاب عن الأذهان سيناريو ميدان تياننمن حيث احتشد شباب الصين في بكين، ولكن تم في النهاية فض الاحتجاج بدبابات الجيش الصيني في حزيران 1989.

معروف الآن أن البحرين لم ينجح فيها التحرك، وتم قمعه. وفي ليبيا كان العنف سيد الموقف مبكرا، وتمت إزاحة الحاكم بمعونة خارجية. وحتى وقت صدور هذا العدد، لم يحسم الوضع في اليمن رغم محاولة اغتيال الرئيس. وفي سوريا هيمن العنف على الموقف، ويراوح الوضع مكانه.

رابعا: كثرة المبشرين بالثورة أو توفير العامل المساعد على تفجيرها

تنوع الذين يعزى اليهم الفضل في التبشير بالثورة أو المساعدة على تفجيرها، فسمي أشخاص وروايات وقصائد إضافة إلى ويكليكيس ومـن نشر وثائقها. بناء على ذلك تصدق حكمة القول المعروف: للنصر آباء كثر، أما الفشل فيتيم.

خامسا: آراء تتغير بسهولة تغيير الملابس

الكثير من الآراء يعبر عنها بحماس، ثم بعد فترة تبلغ أياما، أو أسابيع، تستبدل بآراء مناقضة، فالحماس لدور قناة الجزيرة في تغطية أحداث الثورة في مصر يتغير بعد تغطية الأحداث في البحرين. والترحيب باندلاع الثورة في ليبيا يتغير ويبدأ الحديث عن ثوار "الناتو". ولذا كل من يحلل اليوم في اتجاه وبعد فترة قصيرة يحلل في اتجاه معاكس محلل مشكوك في قدراته التحليلية، ففي الأصل لم يتمعن في ما كتب أو قال.

سادسا: الاختلاف في الرأي وإدارته

لا يزال الموقف تجاه الاختلاف في الرأي واحترام الاختلاف ضعيفا. على سبيل المثال، أستاذ جامعي أحترمه كتب مقالة عن الوضع في لبيبا تحت عنوان "هذا الانتصار صنعه الشعب الليبي وليس الناتو" قال فيها "كل من يشكك في هذا الانتصار فهو إما متآمر أو جاهل أو رجعي متخلف." من الظلم الشديد اعتبار مخالفي رأي كاتب المقالة متآمرين وجهلة ورجعيين متخلفين، وطبعا هذا الحكم المطلق لا يمت للموضوعية بصلة.

سابعا: المثقفون من احتقار الجماهير إلى الإشادة بها

المثقفون العرب يكثرون من الحديث عن دور المثقف، ولكن هناك الكثير من الأمثلة على أن المثقف العربي وغير العربي لم يصنع من طينة أخرى. كلنا سمعنا بظاهرة اليساريين السابقين، الذين ينتقلون من اليسار بعد حين إلى اليمين، فكرا أو تطبيقا، ويضعون أنفسهم في خدمة أصحاب السلطة والمال، طوعا في كثير من الأحيان.

وهناك مثقفون كانوا يهجون الجماهير قبل الثورات، وبعضهم قصر الهجاء على جانب غياب مظاهر التعبير عن التأييد للشعب الفلسطيني، خاصة في أوقات تعرضه لعدوان. لكنهم اليوم يلاحظون مكانة القضية الفلسطينية لدى الشعوب العربية، فانتقلوا إلى المديح.

ثامنا: الإعلام، خاصة التلفزيون، كبديل عن العمل الشخصي أو الحزبي مع الجماهير

ثمة اعتماد كبير على وسائل الإعلام لن يؤتي ثماره لأن الديموقراطية (إذا كانت الغاية والوسيلة) تعتمد في نهاية المطاف على عدد الأصوات، فمن لديه الصلات مع الجماهير من خلال أحزاب أو جمعيات سيكون اقدر على حشد المؤيدين لتحقيق التغيير ممن يعتمد على التلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى للتأثير على الرأي العام. ويعرف المتابعون للشؤون الإعلامية في الدول الديموقراطية أن نتائج الانتخابات أتت في مرات كثيرة مخالفة لما يردده الإعلام أو يتوقعه.

تاسعا: لا حاجة إلى الديموقراطية

لاكتمال الصورة، هناك من يرحب بالثورات، ولكن يرى أن السعي إلى إقامة نظم ديموقراطية أمر غير حكيم، لأسباب من قبيل أن الديموقراطية غير قابلة للتحقيق في الواقع، وأنها شكلية وحسب في الدول التي تمارس فيها، أو أن الشعوب غير جاهزة بعد، وما إلى ذلك. مما لا شك فيه أن نظام الحكم الديموقراطي ليس خاليا من العيوب، ولكنه رغم عيوبه، يقدم الفرصة كل بضع سنوات لتغيير الأوضاع، ويتذكر من يحكم عندئذ أن الشعب سيده وليس العكس.

عاشرا: الفرد والتغيير

من الممكن للمرء أن يتحمس كثيرا للثورة في تونس أو مصر أو حيث يريد، ولكن هذا لا يكفي لتحقيق التغيير المنشود. لو بدلنا من كانوا يدينون بالولاء للحاكم الذي تغير بكثيرين من مكثري الكلام عن الثورات لما لمسنا تغييرا كبيرا في التعامل مع الناس.

العالم العربي بحاجة إلى تغيير جذري في العقليات. إلى الآن نشاهد تغييرا بالأشخاص، أو تغييرا في الكلام الذي ينطق به نفس الأشخاص.

المتحمس للثورة حقا عليه واجب شخصي وهو أن يتحلى إلى حد معقول بالقيم التي تصبو إليها الشعوب المستعبدة والمقموعة. أقول يتحلى بها، فتلمسها في تصرفاته، لا أن يتشدق بها في المقالات والبرامج التلفزيونية.

سوف يسعدني (إذا كتب لي العمر) أن أشاهد بعد عشرين عاما تغييرا جذريا يمكن المرء من القول إن ما حدث في تونس ومصر وغيرهما من الدول العربية ثورة بالمعنى الفكري والسياسي، نتيجة التمكن من نقل الشعب إلى واقع جديد يتمتع فيه الإنسان بالحرية والكرامة، وتسوده العدالة الاجتماعية.

أما إذا تسرعت وأصدرت حكما الآن فليس هناك ما يدعو إلى الإفراط في التفاؤل والجزم بأن التغيير الجذري قد بدأ. هناك الآن مؤشرات مشجعة وأخرى مقلقة، والأمل أن ترجح كفة الإيجابي رغم المصاعب.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 2902254

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.3 + AHUNTSIC