أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 1: 1-12 » العدد 03: 2006/08 » لا بد من صنعاء وإن طال السفر

منال الكندي - اليمن

لا بد من صنعاء وإن طال السفر

جولة في الأسواق القديمة، قلب صنعاء النابض


الجولة في أسواق صنعاء القديمة تعيد الذاكرة إلى أيام علاء الدين والمصباح. ويشدك في ممراتها وأزقتها الضيقة منظر حركة الناس وأصواتهم. ولا تزال أسواق صنعاء القديمة القلب النابض للمدينة التي تحتفظ بعبق التاريخ.

صورة من اليمنالرحلة لاكتشاف وفتح أسرار المدينة القديمة وأسواقها تبدأ بباب اليمن، الذي يقع جنوب المدينة القديمة، ويشكل بداية الطريق المؤدي إلى مدن عدة تنتهي بمدينتي تعز وعدن. ويعود تاريخ بناء هذا الباب إلى سنة 1316، وبني في زمن القائد العثماني، احمد فيضي باشا. يطل الباب من الداخل على ساحة متوسطة يجلس فيها بعض الباعة المتجولين، وتحيط بالساحة حوانيت معاصر الزيت، والدكاكين ذات الطابع الجديد. وتنتشر في الأزقة الأسواق المختلفة والعجيبة من حيث التركيب والتجاور، فالأسواق في هذه المدينة مركزية تقع في وسط المدينة، كما أنها تخصصية ذات نسيج عمراني منسق وتخطيط متصل.

تتألف مباني هذه الأسواق من حوانيت أو دكاكين صغيره لا يزيد معدل أبعاد كل منها عن مترين في مترين، وطريقة بنائها بدائية وخالية من النقوش والزخارف. يتوزع في منطقة السوق عدد من المباني متعددة الأدوار التي تصل في الغالب إلى ثلاثة وتسمى السماسر (ومفردها سمسرة). وكانت السمسرة في الماضي النزل أو الخان، وهي تتكون من مدخل أرضي، وباحة، وغرف متجاورة للمسافرين. وكانت السماسر قديما تمثل حلقة أساسية في تجارة القوافل والعلاقات الاقتصادية المتصلة بها. ويعود عمرها إلى ما يقارب 200 إلى 250 سنة. وكانت السماسر تقوم بوظيفتين أساسيتين هما تخزين البضائع والسلع، وإيواء التجار الغرباء عن المدينة. ومع الزمن تغيرت وظيفة هذه السماسر فأصبحت مراكز لتطوير الحرف اليدوية، ومنها صناعة العقيق، وصياغة الفضة، ودبغ الجلود، والنسيج، ونحت الخشب.

عند دخول السمسرة تخطف بصرك لألأة الفضة وألوان العقيق والكهرمان، وشفافية الكريستال، وتطرق مسامعك الحكايات الغريبة عنها، والخواص التي تتمتع بها كما يعتقد سكان المدينة، فمثلا يقولون لك إن لبس العقيق ينشط الجسم، ويعمل على امتصاص الدم الفاسد، ويزيد من الرزق.

صورة من اليمنيقال إن مدينة صنعاء القديمة تمتلك أربعين سوقا تتمركز في قلب المدينة والشوارع الممتدة من باب اليمن، وكلها متصلة. ويعتبر سوق الملح قلب صنعاء القديمة، ترشدك إليه روائح البهارات القادمة من الهند. وحوانيت هذا السوق متجاورة ومفتوحة على بعضها البعض على طول الممر الضيق والممرات المتفرعة من السوق الذي يأخذك إلى أسواق أخرى. يعتبر سوق الملح المركز الرئيسي لاستقبال البقوليات والحبوب والبهارات بأنواعها من داخل اليمن ومختلف بلدان العالم. والحياة في هذا السوق تبدأ مع شروق الشمس، فترى الناس ذهابا وإيابا هنا وهناك: هذا يشتري بهارات، وهذه تسأل عن الثوم والحمص، والبائع يلبي طلب المشتري ويكيل الميزان وعلى وجهه ترتسم ابتسامة مرحبة.

ويستمر التجوال فأصل إلى سوق أخر يبهرك فيه الألوان الأحمر والأصفر والأخضر. عالم ثان وكأنك فراشة تطير في بستان زاه بألوانه المختلفة: إنه سوق الفتلة، حيث تبيع حوانيته المتجاورة الخيوط الملونة والمختلفة، والأزرار وكل ما يختص بفن الخياطة والتطريز. ومن سوق الفتلة تعرج إلى سوق المعطارة حيث الحوانيت صغيرة جدا منتشرة على طول الممر الضيق، وحيث يتفنن العطارون في تركيب العطور العربية والهندية، وأدوية الأعشاب الطبيعية، والحناء. ومنه تخرج إلى سوق اللقمة وفيه حوانيت صغيرة تقدم الأكلات الشعبية اليمنية القديمة والتي لازالت مرغوبة كالسلتة والحلبة و الفحسة والملوج (*) وهنا يجد المرء نفسه بحاجة إلى استراحة لتذوق هذه الأصناف اللذيذة التي تسافر به إلى أجواء الحياة القديمة، حيث الأطمعة تقدم في أطباق فخارية بالألوان الزاهية وسط ضجيج الباعة المتجولين.

بعد الاستراحة أنتقل إلى سوق المحدادة، ويعرف أيضا بسوق الحلقة، ويغلب على جدرانه اللون الأسود. وبمجرد المرور فيه تشعر بحرارة النيران التي تشتعل في كل محل. في هذا السوق تصنع الفؤوس والمطارق وأدوات الحراثة. وللسوق حكاية لها علاقة بسورة الفيل التي تذكر المسلمين بمحاولة الهجوم على مكة لهدم الكعبة، وتعرض المهاجمين (أصحاب الفيل) للرمي بحجارة من سجيل، فأصبحوا كعصف مأكول. وملخص الحكاية التي تروى في سوق المحدادة/الحلقة أن أبرهة الذي قاد الحملة وقف في هذا السوق بعد رجوعه من مكة، وقد حلق فوقه طير ورماه بحجرة.

يتفرع من سوق المحدادة شقيقه سوق النجارة، وهو مجاور للجامع ا لكبير، ويقوم بكل أعمال النجارة، ويغطي حاجات صنعاء من أبواب وشبابيك. وبجوار هذا السوق، وعلى طول ممره وفي موسم العيد الكبير، يتم بيع الأضاحي، حيث يخرج الناس من الجامع بعد الصلاة ليشتروا أضاحي العيد.

صورة من اليمنوأنتقل بعد ذلك إلى سوق البز أو الأبيض، حيث يباع أفضل أنواع الأقمشة، وسمى بهذا الاسم لأنه كان يتميز قديما ببيع الأقمشة البيضاء الخاصة بألبسة الرجال. بعدها تتجول عبر ممرات ضيقة تنتشر على جوانبها حوانيت الجنابي (الخناجر)، وهي مقسمة حسب تخصصها، فهنالك حوانيت خاصة بصناعة العسوب (الأحزمة)، وأخرى خاصة بالخناجر المعروفة باسم الجنبية، وهي بالنسبة لليمنيين جزء لا يتجزأ من اللباس التقليدي للرجال، وترمز إلى الهوية القومية، وتستخدم كضمان عند حل الخصومات أو القبول بشروط التحكيم، وذلك عن طريق وضع خناجر الأطراف المتخاصمة بين يدي القاضي أو الحكم لتفويضه بالبت في الحكم. كما أنها من الموروثات الشعبية التي يعتز بها.

في شهر رمضان يصبح النشاط كثيفا جدا في سوق الجنابي خاصة مع اقتراب عيد الفطر والأضحى ، إذ يتحول السوق إلى مركز لعرض الجنابي وبيعها، وتتفاوت أسعارها حسب أنواعها وأشكالها وقد يصل سعر الجنبية الواحدة إلى 400000 ريال يمني (حوالي ألفي دولار).

ثم أذهب إلى سوق المداعة، وهو سوق في زقاق ضيق جدا، تصنع فيه كل أجزاء المداعة، التي تعرف في بعض البلدان العربية بالشيشة أو الأرجيلة. غير أن المداعة اكبر حجما، وتأخذ أشكالا عديدة، وتحلى بنقوش مطلية بالذهب والفضة. وترى الرجل يتفنن في صناعتها ونقشها، وفي خياطة الأكياس الملونة الخاصة بقصبة الأنبوب الطويل للمداعة.

في الجهة الغربية من المدينة توجد سمسرة الزبيب والبن والقشر. المدخل عبارة عن عقد نصف دائري. ويفضي المدخل إلى بهو فسيح يحيط به من جميع جهاته مخازن لخزن وبيع الزبيب. ويفصل البهو عن المخازن ممر تحيط به عقود متصلة مع بعضها البعض، وهذه العقود محمولة على أعمده من الأحجار الاسطوانية الشكل تنتهي بتيجان. وكان يطلق على هذه السمسرة قديما جمارك البضائع نظرا لوجود الميزان الكبير الخاص بالدولة هناك لوزن البضائع وجمركتها وبيعها.

صورة من اليمنوأنشط أسواق صنعاء القديمة سوق القات لأنه يعرض اكثر السلع شعبية، وهذا السوق عبارة عن ممر طويل تنتشر المحلات على جوانبه من بدايته إلى نهايته، وهي محلات صغيرة جدا يكفي الواحد منها لشخصين فقط. ويوجد في أسفل المحل مخزن لخزن القات يمكن الدخول إليه عن طريق فتحة في أرض الدكان. والقات أنواعه كثيرة ومسمياته متعددة، وأسعاره متفاوتة. ويزدحم السوق بعد صلاتي الظهر والعصر. ومما يلفت النظر هو أن نشاط الحرفيين والبائعين في تلك الأسواق لا يبلغ ذورته إلا في فتره ما بعد الظهيرة، عندما يخزن الحرفي والبائع القات، ويدخن المداعة قاعدا في متكته المريح والمرتب بمكانة في دكانه.

وهنا تنتهي جولتي في أسواق باب اليمن وممراتها وأزقتها الضيقة، والجولة فيها تمثل نوعا من العودة إلى اكتشاف ما كان يجري في عصور قديمة زاهية. وهذه الاستمرارية التاريخية لأسواق صنعاء منذ ألفى عام إنما هي ناتجة عن أن صنعاء جسدت دائما المدينة والسوق. وتعتبر أسواق صنعاء القديمة من أقدم الأسواق في شبة الجزيرة العربية كلها. ويستطيع المرء أن يجد فيها بغيته ويتمتع أيضا بالسوق والتعرف على أنواع الحرف وجمال اللوحات المعمارية الفنية المتمثلة في المباني التي تحتضن السوق وتطل عليه. كما أن الزائر يسعد ببساطة وترحيب أهالي صنعاء القديمة بمقدمه.

- - - - -

(*)

البز: القماش.

الملوج: خبز يمني يخبز في فرن خاص.

الفحسة: أكلة شعبية تتكون من اللحم والحلبة وتطبخ في إناء من الفخار.

السلتة: أكلة شعبية تتكون من اللحم والمرق والخضروات والحلبة والارز، وتطبخ في إناء من الفخار.
القات: عشبة خضراء تخزن في الفم وتساعد على الاسترخاء. ويجادل البعض بأنها مادة مخدرة.

JPEG - 46.3 كيلوبايت
صورة من اليمن
D 1 آب (أغسطس) 2006     A منال الكندي     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  بحث: دواعي الإبدال في اللغة العربية

2.  الخاتم

3.  كلمة العدد الفصلي 3: الثقافة الفلسطينية إلى أين؟

4.  تساؤلات عن معنى

5.  قصتان: مهذب ومتسخ + لماذا لا يرتاح؟


القائمة البريدية