ربى عنبتاوي - فلسطين

رقعة شطرنج

كتابات إبداعية


يا حياتي المبعثرة بين سلوكيات البشر الهوجاء وذاتي الطموحة، يا عالمي المتمرد على الفشل والتصنع والخطيئة، يا أيامي المنتظمة الحظوظ، خالفي القاعدة يوما واحدا واجعلي انتقامك يومين لا بل ثلاثة واتركي لي الغد، يوما سعيدا إن لم يكن مهرجان فرح، ولتعلمي أن حياتي رقعة شطرنج، فلا أنا منكرة ذلك ولا من رسم خارطة أيامي، فيا قدري أسعدني من شروق الشمس لغروبها فقط ليوم واحد، لحلم واحد.

تلك كلمات نظمتها وهي تسيل الشمع على شباك غرفتها ذي الزجاج العاكس، كانت تتأمل تراقص أغصان الزيتون الغاضبة من عدائية رياح شباط، وفي الأسفل أخذت تشاهد هرا اسود يموء بوحشية متحفزاً للقتال مع آخر، وعند رجلها اليسرى قطة تمسح بشعرها الرمادي طرف بنطالها، أكملت رسم خطين متقاطعين أحمرين قطعا النافذة إلى أربعة مثلثات، بينما الريح لم تهدأ تطرق النافذة.

التفتت إلى قطتها. ابتسمت لها وهي تحملها للخارج علّها تنهي صراعا داميا بالأسفل، عادت إلى غرفتها، أزالت الغطاء عن لوحتها، تأملتها، شتمتها، تذكرت كيف عادت إلى المنزل غاضبة، مستفزة فمسكت الريشة، حضرت الألوان ورسمتها. كانت اللوحة عبارة عن رقعة شطرنج خالية بلا أبطال، فلا هناك استعدادات حربية، أو نوايا دفاعية، رقعة بلونين ابيض واسود. تذكرت الشخصيات التي تضطر للتعامل معها، تذكرت كيف تشعر معهم بالاغتراب والاستنفار. كانت تعود للبيت متذمرة وتقول:

"ما الذي يجبرني على تحملهم؟ إنهم حثالة ."

تذكرت مشاريعها الفنية، أفكار لوحاتها، تكلفة الألوان، الأقمشة والإطارات. ابتلعت غضبها بقراءة سطرين لجبران فهدأت ونامت.

استيقظت في الصباح وعلى نافذتها طبقة ضبابية وقطرات ندى، أسندت ظهرها إلى الوسادة، تأملت لوهلة غطاء سريرها المخملي. كان عليه بعثرات ورود ليليكية سابحة على مساحة بيضاء. تذكرت لوحتها، التفتت إليها، نهضت من سريرها وهي تشعر بقلق وتوتر، نظرت إلى النافذة لتجد خطي الشمع ساقطين على قاعدة النافذة، تنهدت وهي تتذكر ترّهات عشوائية تصرفاتها البارحة.

سارت وهي تتأبط لوحتها، ركبت السيارة العمومية وهي تحتضنها. مع كثافة المطر أخذت الأفكار تتبادر إلى ذهنها، لماذا أصرت على أن تكون تلك اللوحة لوحتها المنافسة؟ لماذا وثقت بها لهذه الدرجة؟ لماذا ستضعها أمام لجنة تحكيم وبجانبها لوحات متخمة بالألوان والأفكار؟ أشارت للسائق بالوقوف. نزلت على مقربة من المؤسسة الثقافية، سارت على الرصيف وفي إحدى يديها اللوحة وفي الأخرى المظلة، كانت تبتسم.

على طرف الرصيف كانت هناك برك مائية، مرت سيارة مسرعة من جانبها، فجأة تبلل جانبها الأيسر، اندفعت للجانب مذعورة، انزلقت اللوحة من يدها وسقطت على الرصيف، سارعت لحملها وهي تحاول الاطمئنان أن الماء لم يتسرب إلى اللوحة. لعنت يومها وهي في طريقها إلى المؤسسة، تذكرت رقعة شطرنج حظها، لامت تأخرها في تسليم اللوحة لليوم السيئ في توالي أيامها، لم تؤمن بالتنجيم يوما بل آمنت برقعتها (يوم لك ويوم عليك).

قدمت اللوحة للجنة بسرعة دون أن تلمح تعابير وجه أحدهم وهو يمزق غطاءها، غادرت، ابتعدت لترمي وراءها هموم لوحة بأكملها، منهاج حظ بأكمله، صعدت إلى الحافلة وفي جيبها قطعة شكولاتة فاخرة، تذكرت كيف التقطها سريعا قبل أن تضطر لأخذ الأواخر الأقل تميزا وكيف كان يومها آنذاك بحر تفاؤل وسعادة إن لم يدم إلا قليلا.

لامت نفسها مراراً، فقد كان يومها أعسر من وقوع لوحة على ماء الطرقات: لقد نسيت أخاها الصغير في المنزل لوحده، فتعثر واقعا من أعلى الدرج، ووجدته أختها متألماً، فأسرعت به إلى المستشفى القريب. اللعنة على تلك اللوحة! وبخت نفسها لأنها نسيت الاتصال بجليسة الأطفال لترعى أخاها الشقي كثير الحراك.

وسط اضطرابات عائلية، وخوف وقلق من تأثير السقطة على رأسه، وسط تهويلات خيالها، لم تنم الليلة، أمضت الليلة جلوسا على مقعد المستشفى، لم تنم إلا بعد أن عادت إلى بيتها مع عائلتها وأخيها الصغير في حضن أبيه، وهي مطأطئة الرأس تأنيبا وخجلا.

أسندت رأسها إلى الوسادة وفي رأسها تراكمات يوم مشئوم، زاد إيمانها بالتطير، استعادت أحاسيسها على مدار عشرين سنة، إنها الرعشة، كان عليها أن تتيقن كل صباح، إنها تلك القشعريرة التي تنتابها عند النهوض من الفراش. لماذا تلازمها حتى في الصيف؟ إنها الصوت الداخلي لها لتحذر يومها، نامت وفي عينيها دمعتين سقطتا دافئتين على وجنتيها، لتنزلقا وتمتزجا مع بحر الوسادة الأزرق.

استيقظت دون أن يوقظها أحد، الكل غاضب منها على البارحة، تركوها نائمة للعاشرة. "آخ العمل." انتفضت، ارتدت ثيابها بسرعة وسرحت شعرها وذهبت للعمل وفي داخلها كأس ممتلئ لا بل فائض من النقمة على كل ما حولها، على رقعة شطرنجها التي عذراً هي اليوم معها وليس ضدها تنهدت :" فلنرى."

دخلت الشركة، اتجهت إلى مكتبها، أخرجت أحد الملفات لتستكمل مراجعة وتدقيق بعض الأوراق، جاءها رنين هاتف، إنها المؤسسة الثقافية تدعوها لمقابلة أمام مجموعة من المختصين لمناقشة لوحتها، أعادت سماعة الهاتف وفي قلبها ترّقب جميل.

أخذت تعد الدقائق لانتهاء دوام عملها السقيم، تجنبت الرد على استفزازات بعض الموظفين الذين لا يفقهون شيئا في الحياة سوى كسر إرادة الآخرين والانتقاص من قدراتهم، تجنبت مواجهة مديرها الغاضب إلى الأبد، غادرت وفي جعبتها تفاؤل، لم لا ورقعة يومها باعتبار أنها بيضاء.

جلست أمامهم، كانوا ستة كلهم فنانون محترفون، أزالوا الغطاء عن لوحتها، شهقت في داخلها، ازدادت ضربات قلبها، شعرت بحالة احتقان داخلي، إنه المطر الذي فعل فعلته بلوحتها، هناك تشوه بنصف اللوحة، دائرة رمادية في المنتصف على شكل دوامة، أخذت يداها ترتجفان، انعقد لسانها وعجزت عن الكلام لفترة إلى حين احضروا لها الماء فشربت .

ناقشوها في لوحتها، ما هدأها هو ما لمسته من انبهار فيها، لم تكن لتصدق أن أحد الفنانين المعروفين على صعيد واسع اخذ يمدح البقعة الرمادية وكيف أنها ترمز للنسبية عكس المربعات المصطفة والتي ترمز للأبيض والأسود (المطلق).

بهرت بكلامه مستغربة كيف يمكن أن يكون حديثه عن لوحتها هي. سألها: "ماذا تعني لك اللوحة؟" سكتت وهي تبلع ريقها مستعيدة جزءا من ثقة.

"إنّها تعبر عني، إنها قدري ومنهج أيامي."

صمتت وهم أيضا صمتوا. أومأ أحد الفنانين من اللجنة رأسه إعجابا، شكرها على حضورها. غادرت الغرفة، ودّت لو ترقص على أنغام موسيقى كانت تصدر من إحدى الغرف القريبة، ودّت لو تطير وهي ترى طيورا دورية تحلق فرحاً من شجرة لأخرى.

قررّت أن تعود لبيتها سيرا، تكفيرا واعتذارا .

سارت تفكر: انتظرت حتى آخر يوم لتسليم اللوحة، تسببت بمشاكل كادت تخسر فيها أخاها الصغير، ربما لسبب حملت اللوحة بيدها اليسرى مقابل الشارع، ربما لحكمة سقطت اللوحة واتسخت بمطر الطريق، لتتحقق لها سعادة غامرة.

تذكرت أسرتها. اشترت لهم قالب حلوى من مخبز قريب، وكيسا ممتلئا بالحلوى الملونة الجميلة الأشكال لأخيها الصغير، ولنفسها اشترت وردة من بائع أزهار متجول، ومشت تكمل الطريق.

فكّرت. كان المطر سرّ تألق لوحتها، وتذكرت تعليق الفنان عن رمادية الحياة وكيف تنعدم الحياة المطلقة سعادة أم شقاء، تذكرت أن المطر من السماء وأن السماء من الكون وأن الله ملك الكون.

ابتسمت مردّدة كلمات شكر، ومرسلة قبلة إلى السماء حيث الله ملجأ التائهين والمعذبين والباحثين عن الحقيقة.

D 1 آب (أغسطس) 2006     A ربى عنبتاوي     C 0 تعليقات