منى كاظم - العراق

أحلام في رمضان


إنها إطلالة يوم جديد. تنهض أحلام متفائلة، تجدد نشاطها مع إشراق الشمس الساطعة. إنه اليوم الأول في رمضان. لا بد وأن له طعمه الخاص ونكهته المميزة وهو يأتى في يوم صيفي حار لا يقل حرارة عن باقي أيام الصيف الأخرى حتى إن كانت تفصله عن الخريف أيام معدودة.

وكعادتها تنطلق أحلام إلى عملها وهي تحاكي بما تحمل من تفاؤل أشعة الشمس التي تزداد حرارةً وسطوعاً. لم تلبث أحلام تجلس على مكتبها لتمارس عملها وتنهي بعض ما تراكم لديها من عمل عن اليوم السابق، حتى طلب منها رئيسها في العمل أن تذهب لإحضار بعض الملفات الضرورية من أحد أقسام المؤسسة التي تعمل فيها. فرِحت أحلام كثيراً واستبشرت خيراً، فهي فرصة جيدة لتلتقي بـعلاء حيث أنها لم تلتق به منذ اكثر من أسبوعين.

تنطلق أحلام مسرعة وتصعد السلالم حتى الطابق الثالث من البناية دون اكتراث بتعب أو بمدى ما تفقده من طاقة وهي صائمة. تردد في سرّها وهي تسير في أروقة الطابق الثالث "رمضان كريم." لعلي التقي به على انفراد. وقفت عند باب القسم المعني وهي تتطلع إلى من فيه فلم تر سواه: إنه علاء يجلس وحده.

"صباح الخير،" قالتها بسرعة وهي مبتسمة.

نهض علاء يبادلها التحية مع ابتسامة كبيرة.

"رمضان كريم، كل عام وأنت بخير."

ردت أحلام وهي تنظر إلى عيني علاء "رمضان كريم على الجميع إن شاء الله"

وبعد أن توقف الاثنان عن الكلام للحظة، وجهت أحلام كلامها إلى علاء وسألته عن الملفات التي طُلبت منها.

"نعم إنها موجودة،" أجابها علاء.

ثم نظر إليها متسائلاً وهو يبتسم: "ماذا تفعلين بهذه الملفات؟"

"المدير طلبها مني،" قالت أحلام.

أدار علاء وجهه بهدوء نحو النافذة، ثم التفت إليها دون أن يتحدث بشيء ، فسألته أحلام بحذر يلفّه عتاب: "لم أرك منذ مدة، هل من شيء؟"

"نعم ثمانية عشر يوماً." هكذا رد علاء قبل أن يتحدث عن السبب الذي منع لقاءهما.

شعرت أحلام بغبطة شديدة وهي تسمع منه هذا الكلام. إن علاء يعدّ الأيام التي لم يراني فيها، هكذا حدّثت أحلام نفسها، ثم اردف علاء قائلاً: "إنه الحَرّ ، كما أنني مشغول."
وبينما هما يتحدثان دخل زميل علاء في القسم، فسارعت أحلام إلى طلب الملفات المقصودة من علاء ونزلت السُّلم وهي تردد بداخلها "رمضان كريم. رمضان كريم. لقد التقيت اليوم بـعلاء."

بروتين ممتزج بالهدوء تارة وبالصخب تارةً أخرى، أنهت أحلام يوم عملها، وغادرت متجهة نحو موقف الحافلات وهي تسير تحت أشعة الشمس الحارقة. لم تكن حرارة الشمس المصحوبة بالعطش لتؤثر في نشاط أحلام وحيويتها المعهودة. تواصل طريقها إلى موقف الحافلات وتتردد في مسامعها كلمات علاء: "نعم منذ ثمانية عشر يوما." وتكرر في نفسها أنه يحفظ عدد الأيام التي لم يراني فيها. رمضان كريم. رمضان كريم.

وبعد أن تدخل أحلام البيت آملة في بعض الراحة من عناء العمل وشدة الحرارة، تصطدم بما كانت تحذر منه، فبين والدةٍ مزاجها متوتر من تأثير أول يوم في الصيام، وبين أخواتٍ تغيرت ملامح نظراتهن وتصرفاتهن نحو أحلام منذ بضعة أيام. تنطلق أحلام بأفكارها متسائلةً: ترى ما سبب تغير أخواتي وخصوصاً أختي فرح. إنها لا تحدثني منذ خمسة أيام. مرات عديدة حاولت أحلام معرفة السبب بسؤال شقيقاتها الأخريات دون الحصول على إجابة واضحة.

جاءت لحظة الاصطدام بين أحلام وشقيقتها فرح عندما قررت أحلام نوع طعام الإفطار ظناً منها انه يلائم أذواق الجميع. انفجرت فرح غضباً وأصبحت توجه كلامها من وسط المنزل قائلة:

"ليس من حق أحد أن يقرر ماذا نريد وماذا لا نريد. الكل هناء سواء. وعلى كل واحد منّا أن يقوم بواجبه الموكل إليه دون أن يتفوه بكلمة واحدة."

لم تتعجب أحلام من كلام فرح هذا، فهي اعتادت على الطريقة الهستيرية التي تتعامل بها فرح مع شخص لا تتحدث إليه أو لها معه موقف معين. تستغرب أحلام وتتساءل: لماذا تفعل فرح ذلك؟ ما الذي فعلته لها حتى تتصرف معي بهذه الطريقة العدائية؟

ردت أحلام على ما قالته فرح:

"نعم إن على كل واحد منا أن يقوم بواجبه، وليس هناك لأحد وصاية على الآخر، وهذا ينطبق عليك وعلى غيرك."

استشاطت فرح غضباً وأطلقت العنان لكلماتها الجارحة بحق أحلام، فمرةً تنعتها بالأنانية ومرة بالحاقدة، حتى بدأت تصرخ وتقول "إني ادفع ثمن كلام قلته بدلاً عنك. يبدو أنه لم يعجبك فتخاصمينني بسببه."

حزنت أحلام لكلام شقيقتها فرح، فمع أنها فهمت ما تقصد لكنها انذهلت لقصور تفكير فرح هذا.

وسط نظرات الشك والتساؤل من قِبل أخواتها، انهمرت دموع أحلام تحرق وجنتيها كما تحرق الحرارة قلبها. نادت على شقيقتها فرح لتطلب منها إخبار الجميع عما كانت تقصده في كلامها حتى تبرئ أحلام نفسها من أفكار الشك والارتياب التي بدأت تدور في تفكير والدتها وشقيقاتها.

لم تتردد فرح في إعلان ما كانت تريد قوله أمام الجميع.

"نعم أتكلم. إنك تخاصميني لأنك انزعجت من كلامي الذي قلته نيابة عنك لهاشم الذي حدثني عن نيته في طلب يدك، فأخبرته برفضك لأني اعتقدت أن هذا هو رأيك فيه. وأعتقد انك بدأت تحقدين علي لأني رفضت هاشم بالنيابة عنك. لعلك لم ترغبي في ذلك."

لم تتماسك أحلام، وصرخت بوجه فرح مؤُنبةً إياها على طريقة تفكيرها:

"أنت تعرفين رأيي جيدا في هذا الموضوع، إنه ليس السبب في خصومتنا، أنا التي أتساءل عن سبب هذه الخصومة. ولكن يبدو أني الآن قد فهمت."

لكن فرح، بكل برود وبوجه يحمل ملامح الخبث، تُصّر على أنها تعتقد أن هذا هو سبب الخصومة بينهما.

أجهشت أحلام بالبكاء وهي تتصفح وجوه أخواتها ووالدتها لتقرأ نظرات الازدراء في أعينهن. إنها نظرات قاتلة بالنسبة لأحلام. أن ترفض البنت رجلاً ليس بجريمة، لكن ما حاكته فرح حول رفض أحلام اصبح أمرا يثير الشكوك.

"ليس صحيحا. ليس صحيحا. أنتم تعرفونني وتعرفون رأيي بالموضوع. إنه لا يشكل أي أهمية بالنسبة إلي. لا أدري كيف تفكر فرح في ذلك،" ردّدت أحلام بهذا الكلام وهي تُقسم بأنه ليس السبب في خصومة فرح معها.

لم تكن أحلام تتوقع ما بدر من شقيقتها فرح أبدا، وأصبحت تسأل نفسها : هل سبب ردّة فعل فرح هذه هو غيرتها من تمسك هاشم بي رغم رفضي المتكرر له؟ أم إن فرح ترغب في هاشم لنفسها؟

كل واحد من هذين الاحتمالين ممكن بقدر الآخر.

D 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2006     A منى كاظم     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  توظيف التراث في شعر عبد الصبور

2.  عن لوحة الغلاف

3.  مواعيد للعدد القادم، 47

4.  رغبة ميتة

5.  عود الند على قرص مدمج في المكتبات


القائمة البريدية