ربى عنبتاوي - فلسطين

مقارنة


دخلت المنزل وشعرها مبعثر، وبنطالها متسخ، وعلى وجهها مسحة كآبة. لم يعجبه ما رأى. صرخ فيها وقارن بينها وبين ابنة عمه على الضفة الأخرى للنهر المفعمة بالحياة، الرشيقة والأنيقة وذات الشعر الحريري الأسود. صمتت. وهو لم يصمت بل أكمل كلامه مستلذا بتلك المقارنة المؤذية. ظل يتغزل بقريبته أمامها. فجأة تقدمت نحوه شدت بيدها ياقة قميصه وصرخت:

"أظن أن قريبتك لا تعمل من أجل أن تنفق كل راتبها على مصاريف البيت، وفواتير المياه والكهرباء والدخل."

"وأظن أنها لا تقطع مسافة 50 كيلو مترا ذهابا وإيابا إلى العمل."

"كما أنها لا تركب المواصلات العامة ست مرات مثلي."

"ولا تعبر المعبر الحدودي المقيت."

"ولا يتسخ بنطالها لأنها تسير على الرصيف النظيف، وليس على الأرض الموحلة."

"وأظنها بمنتهى السعادة لأنها لم تتزوج بعد وتتورط بواحد من أمثالك، يعمل على بعد مترين من البيت، ولا يدري ما يعمُّ العالم الخارجي من ذلّ وقرف."

أرخت يدها عن ياقته المنكمشة وجلست على الأريكة قائلة: "أخرق."

لم يفتح باب المقارنة من جديد إلا مرة واحدة حين زار الضفة الأخرى. وأثناء جلوسه بين أقاربه رأى ابنة عمه الجميلة تشتكي من ذبابة هاجمتها في الطريق. تذكر زوجته المتهالكة الجبارة من أجل كرامة العيش فسالت منه دمعة. وبدأ يقارن بين ضفتين. بين حياتين. بين تجرع مرارة الواقع بصمت وتفاهة التعامل مع الأمور. بين الشفافية والتصنع. بين شعر زوجته المثقل بهموم شعبها المغبر بالصمود، وبين شعر ابنة عمه الأسود عديم الحياة والمعنى.

حينها طرد من البيت وعمه يصرخ فيه "أخرق."

قال وهو يبتسم: "فعلا كم كنت!"

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006     A ربى عنبتاوي     C 0 تعليقات