مختارات: فلورا اسطفان بقلة - فلسطين

مذكرات هانية


تقع مدرسة الوكالة في الشارع الإيطالي. وهي مكونة من عدة غرف من اللبن (طين وقش مجفف). لها ساحة واسعة تطل وتشرف على السيل، المجرى المائي الذي يتجمع من مياه الأمطار المنحدرة من جبال عمان في تلك المنطقة. تجمعت حولنا بعض الطالبات الصغيرات وقد أثارت شقاوتهن وفضولهن مظهر جدتي الحزين الوقور، والطفلة الصغيرة ذات الثياب البسيطة النظيفة. جدتي لم تتخل عن الكثير من عاداتها في بيتنا الكبير، ولم تكن تشعرني بأي نقص حسب ما يتوفر وتسمح به ظروفنا، وتحاول تلقيني الآداب العامة والسلوك الحسن بقدر ما يسمح به سني.

قادتنا المعلمة المناوبة إلى حجرة الناظرة حيث تم تسجيلي كطالبة بحسب بطاقة الإغاثة، أما جدتي فبقيت في غرفة الناظرة بينما خرجت إلى الساحة لأنضم إلى الطالبات. شعرت بالغربة والوحشة في هذا العالم الجديد. وقفت أنظر نظرات حيرى. شاهدت المعلمة المناوبة ترقبني برقة. أخذت أتأملها وهي تسير بين الطالبات. كانت ذات مظهر جميل وتعلو وجهها مسحة من الكآبة، وفي رقتها وضعفها كزهرة البانسية. أحسست بميل شديد إليها. بدا لي وكأنني أعرفها منذ زمن طويل. فجأة داهمني أحساس ملحّ بالبكاء. لكن قدوم بعض الطالبات حال دون ذلك. قالت إحداهن، ويبدو أنها زعيمة شلة الطالبات: "أحقا أنت لاجئة مثلنا؟ وأن الصهاينة قتلوا أهلك وهدموا بيتكم وشردوكم؟"

لم أفهم في بادئ الأمر ما تعنيه، لأن الأمل كان يراودني. أحسست بالضيق خصوصا لكلمة "لاجئة" فلذت بالصمت. أشحت بوجهي عنهن، لكن الفتاة لم ترتدع. استدارت نحو زميلاتها وقالت: "إنها تبدو قلقة وخائفة، لنتركها قليلا لتهدأ، لأنني أريد بعض المعلومات عن الصهاينة، وعما اقترفوه بحقنا، وهي تأبى أن تتكلم . سمعت بأذني هاتين السيدة العجوز تحدث المديرة بأنها فقدت أهلها، لقد استشهدوا."

أطلقت صرخة ألم قطعت بها حديث الفتاة الثرثارة. كتمت دموعي وأنا أنظر إلى الطالبات. أحست الفتاة بأنها جرحت شعوري دون قصد، وما من قلب أرق وأرهف شعورا من قلوب الأطفال. وزاد من ألمي نظرات الرثاء والعطف التي ملأت العيون. رفعت عيني نحو الفتاة وقلت بأنفة وعناد: "لا، إن أهلي أحياء لم يقتلوا، وأنا متأكدة أنهم سيعودون إلينا. هكذا أخبرتني جدتي وهي لا تكذب أبدا."

شعرت بيد حانية تجذبني بعيدا عن الطالبات. رفعت عيني المغرورقتين لأجد المعلمة ليلى تنحني عليّ برقة وتسألني عما يضايقني ويبكيني. قلت وأنا أجاهد لحبس دموعي: "تزعم هذه الطالبة أن أهلي استشهدوا، هل هذا صحيح؟ ثم إنهن يزعمن أني "لاجئة." إن هذا مستحيل. جدتي أخبرتني أن أهلي سيحضرون يوما ما. إنهم لم يقتلوا. ألم تطلعك جدتي على الحقيقة أنت والناظرة؟"

أدركت ست ليلى بذكائها أية مشكلة تواجهني، وعلمت سر جدتي والسبب الذي اضطرها لتخفي الحقيقة عني. فكرت قليلا: هل يجب أن تصارحني بالأمر الواقع، أم تتركني أتخبط في الحيرة والأمل الكاذب؟ بسرعة حزمت أمرها. سارت برفقتي بعيدا عن الطالبات وقالت: "لن أخفي عليك الحقيقية يا هانية، أنت ابنة شجاعة، إذن استمعي إلي: إن والديك وأخويك استشهدوا، قضوا نحبهم تحت أنقاض بيتكم في يافا بعد إحدى الغارات الوحشية التي شنتها الطائرات الإسرائيلية. جدتك تعلم ذلك. لكنها لم تشأ إخبارك بالأمر رفقا بك ولأنك صغيرة السن لا يستطيع عقلك فهم الأمور على حقيقتها، لكنك على أية حال علمت. كوني شجاعة. ألهمك الله الصبر أيتها الصغيرة."

استبد بي الذهول. لم أصدق. أصبحت كتمثال أصم. أحدق في المعلمة بعينين مفتوحتين على سعتيهما، ثم انهارت أعصابي. سقطت على الأرض وأنا أخفي وجهي بيدي. قلت بعد صمت متوتر: "إذن فقد كان ذلك حقيقة. يا لغبائي. كان علي إدراك الأمر منذ البداية من عيني جدتي الهاربتين دائما من عيني، بدلا من أن أعيش على أمل لقائهم الكاذب."

أخذت ست ليلي تلقي علي نظرات تشاركني ألمي وفرحي، وقد انهارت أعصابي للنبأ المشؤوم، وعواصف مختلفة تتصارع في نفسها. ضمتني إليها بحنان. قالت: "يا صغيرتي تشجعي واصبري، أمثالك كثيرون فقدوا أهلهم وأملاكهم." قلت بثورة غضب: "كان لي والدان، وأخوان، لكنهم ذهبوا جميعا دون رجعة. لن أراهم أبدا. لم يبق لي أحد في هذه الحياة سوى جدتي. آه لو رأيتهم وعرفتهم. كانوا يحبونني ويدللونني. أعدك بالصبر حتى أثأر لهم."

لم تطق ست ليلى صبرا وقالت بصبر هامس: "هانية، لقد فقدت والدي وأخي، لا أعلم إن كانا من الأحياء أو الأموات، أعيش مع أمي وحيدتين في مخيم جبل الحسين، في هذه المدينة التي تنمو، تصارع الحياة بين أمواج عاصفة. استمعي إلي، هيا امسحي دموعك. جميعنا نقاسي المصاب نفسه."

حملقت في ست ليلى ذاهلة، أحسست بالخجل لضعفي. أطرقت برأسي عندما شعرت بدمعة ساخنة. ست ليلي اللطيفة الرقيقة تتألم، مثلي وأكثر. لقد أثرت شجونها فهاجت بها ذكرى أحبائها الذين لا تدري شيئا عن مصيرهم. إن جدتي لم تخدعني عندما أخبرتني بطريقتها الخاصة أن كل فرد يحمل نصيبه من المآسي والهموم، وما علينا سوى الأمل والنظر إلى المستقبل دون أن نستسلم لليأس.

نظرت إلى ست ليلى بعينين دامعتين وقلت ببراءة: "اغفري لي ما حدث. لم أقصد إثارة أحزانك." قالت ست ليلى: "إن قليلا من الدموع يريح النفس، ويغسل ما علق بالقلب من أسى. هيا إلى الفصل، سنتحدث كثيرا فيما بعد."

وهكذا توطدت رابطة المحبة بيني وبين ست ليلى، رابطة بين مأساة ومأساة.

أظهرت ذكاء واجتهادا في دروسي، وبالأخص درس التاريخ. كنت أعود بعد الظهر عند انتهاء الحصص إلى جدتي أقص عليها ما أسمعه أو أحفظه من الدروس، والجدة بدورها تساعدني على المذاكرة، وبالأخص دروس اللغة الإنجليزية التي لم تكن مقررة بعد للتدريس في المرحلة الابتدائية.


مقطع من مذكرات هانية لفلورا اسطفان بقلة. الناشر: مركز أوغاريت الثقافي للنشر والترجمة، رام الله-فلسطين (2002)، ص 6-8.

JPEG - 32.3 كيلوبايت
غلاف مذكرات هانية
D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2006     A عود الند: مختارات     C 0 تعليقات