ياسمينة صالح - الجزائر

عيد الحب


فالانتاين (فلانتينو)

يا عيد حبهم لأجل كراهيتنا واحدا واحداً. ألم نكره أنفسنا قبلك؟ ألم نكره جذورنا التي كانت تتربص بعشاقنا البسطاء، لتصمهم بالعار، وتغتالهم في موكب الشرف الجليل؟ مع ذلك ها أنت هنا يا فالانتاين، أو فلانتينو، أو كيفما كانت الأسماء التي حملتها في ثقافة الذين كانوا يحبونك لأنك لم تحب سوى امرأة اعتقدت أنها الأحق بالحب وهي تجردك من قداسة الكنيسة لتدخلك إلى قداسة القلب. كم نشعر بـ "الفخر" بك وأنت تقبع على هامة تقاليدنا "المستحدثة" والتي دخلتها الديمقراطية من الباب المفتوح لـ"التغيير" والترحيل والتهجير. كلما اكتشفنا أنك كنت عاشقهم وليس عاشقنا، نصاب بدهشة التساؤل، وبانبهار اللحظة/الفكرة: كم نحن أغبياء، لأننا صدقنا الحب الآتي من الشمال، ولأننا نسينا أن الهدية المغلفة بالصراع الحضاري ليست نعمة، وأن "هديتك" الأجمل كانت في الطريقة الحضارية لتفرقتنا باسم الحب.

فالانتاين (فلانتينو)

تصوّر أنك ضحكت علينا كل تلك السنين! كنت تطل علينا في منتصف فبراير لتسخر منا بصمتك المقدس، وبطريقتك التاريخية التي صنعتك قديسا إلى الأبد. أوهمتنا أن الرومان أخلص منا في تخليدهم للحب، من خلف كتاب أسس في مخيلتنا تفاصيل موارية صدقناها في اسمك السهل، لنكتشف اليوم أنك كنت عيدا جاهزا للخيانة. كل هدية غالية يهديها رجل إلى حبيبته من وراء ظهر زوجته خيانة. كل وردة تقتلع من جذورها على شرف يوم واحد، على مرأى بقية الأيام خيانة. كل شخص يشحذ كلمات حب لا يؤمن بها ولا يعنيها ليرسلها عبر الجوال إلى حبيبة "تكنولوجية" خيانة. فكم خنا قناعاتنا بسببك! كم خنا عاداتنا في عيد الحب لنكتشف حدة الضغينة التي بذراعيها تحيط خاصرتنا، وتجعل منا استثنائيين في قتل الأشياء قبل أن تولد، ولوكان ذلك ـأيضاـ باسم الحب!

فالانتاين (فلانتينو)

سخرت منا جميعا يا هذا. عندما قرأ العشاق حكايتك في كتاب طالعوا صفحاته بالمقلوب، وصدقوا أن للأسطورة صبغة الحلم في ميتافيزيقية الأشياء التي نتعمق في جذورها لنصل إلى هذا الفراغ الكائن بيننا وبينك يا فلانتينو العاشق الذي لا نعرفه ويعرفونه في جهلنا التاريخي لماهية الحب الهارب من زرقة البحر ومن رغيف الخبز اليومي، ورائحة القهوة التي لم تعد تحكي تفاصيلنا كما يجب. هــا نقف اليوم على مقربة الأشياء والمدن المتهاوية بين تاريخين: تاريخنا الدموي وتاريخ التتار الجدد الذين سرقوا أرضنا واغتصبوا أفراحنا وشنقوا يقيننا وضحكوا علينا: بعيد الحب.

فالانتاين (فلانتينو)

يا عاشقهم الذي أعدموه نكاية في الحب، كيف صدقناك؟ من خلالك، استدرجنا الغزاة إلى حكايتك الصغيرة والعادية والخالية من حبكة الضمير. استدرجونا بك لننسى تواريخنا المتناقضة كأشيائنا الغارقة في الحرب والقضية، لنستبدل الشرف بالبصبصة، ونغير في أشعار عشاقنا العذريين، ونرفع قليلا من تنورة ليلى الأخيلية، لتتماشى مع عشاق الديمقراطية.

فالانتاين (فلانتينو)

كيف نسينا أن الحب لعبتنا التقليدية المسلية/ القديمة/ القديمة، وركوبنا اليومي أبجدية العشق الذي كان يعشق الروح قبل القلب أحيانا؟ كيف نسينا أولئك الذين علموك أصول الحب يا فالانتاين؟ كيف نسينا أن نقيم

عيدا لقيس ابن الملوح الذي خلد ليلى في نقوش الكلام والذاكرة:

أحب من الأسماء ما وافق اسمها --- أو أشبهه أو كان منه مدانيا

خليلي ليلى أكبر الحاجِ والمُنى --- فمن لي بليلى أو فمن ذا لها بيا

وعيدا لقيس لبنى:

إن تك لبنى قد أتى دون قربها --- حجاب منيع ما إليه سبيل

فإن نسيم الليل يجمع بيننا --- ونبصر قرن الشمس حين تزول

وعيدا لجميل بثينة:

وأول ما قاد المودة بيننا --- بوادي بغيض، يا بثين، سباب

فقلنا لها قولا فجاءت بمثله --- لكل كلام، يا بثين، جواب

وعيدا لعنترة بن شداد:

ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني --- وبيض الهند تقطر من دمي

فوددت تقبيل السيوف لأنها --- لمعت كبارق ثغرك المتبسم

تصور كم سيكون لنا من عيد الحب لو لم تحملك الكنيسة على ظهر الكرسي الرسولي قبل ألف وألف وألف من الأعوام. يا أيها العاشق البائد الذي يتباهى البيت الأبيض بأنه وضعه في "البند السابع" من قانون التغيير في رزنامة الدول فاقدة القلب. قبلك كان الحب عربيا محاطا بهالة الضغينة الخاصة، والفرقة الخاصة، والاغتيالات الخاصة، والجنون الخاص، والبراءة والعمق والفتنة والجمال والعذرية والعفوية. وبعدك صار الحب أكثر حمرة في طقوس الجرائم التي صنعت مجد كل الذين يكرهوننا اليوم ـ كم يكرهوننا ـ باسم الحب.

D 1 شباط (فبراير) 2007     A ياسمينة صالح     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  القصة القصيرة وتضفير الأدب بالفنون

2.  صورة الوليد بن يزيد في كتب الأدب

3.  أرجوك يا ابنتي

4.  حوار مع المسرحي عبد الجبار خمران

5.  كراكيب


القائمة البريدية