مختارات: ثريا البقصمي - الكويت

عروس القمر


وقفت أمام المرآة تصلح من وضع زينتها. ثوبها الأزرق المذهب. تحتضن بحنان مشطا فضي اللون. ها هي تتركه يسبح وسط شعرها الفاحم الطويل. فيما مضى لم تعرف الطريق إلى شعرها سوى المشوط الخشبية التي يجلبها التجار من البصرة. أما هذا المشط الفضي فلقد جلبه والدها من الهند، وأهداه لوالدتها ليلة عرسها، والليلة زفافها ولهذا أصبح المشط من نصيبها.

وجه طفولي لا يخلو من الشقاوة. عينان سوداوان كبيرتان تبحلقان بفضول في وجه العروس الحالمة، الغارقة في أفكارها الخاصة جدا. العينان تتفحصان كل ما يحيط بها من ألوان زاهية، مثيرة، تخطف البصر. الطفلة تتملل في مجلسها، وتحاول أن تتخذ وضعا جديدا، يسمح لها برؤية أكبر مجموعة من الأشياء المعروضة بالغرفة.

آه كم تستهويني هذه الكرات البلورية المعلقة على أطراف الروشنة (1). لقد كسرت البارحة اثنتين منها، وكان من نصيبي الضرب والشتم، وحرمت من ثوب جديد ألبسه في حفلة زفاف أختي فاطمة. لم يبق لي سوى هذه الخلاخل العزيزة. إن لها رنينا يذكرني برنين الجرس المعلق في رقبة حمار بائع الماء. فكل صباح عندما استيقظ من نومي وأسمع كلمة شوط، شوط (2) ورنين جرس الحمار، أهرع إلى خلخالي وأضعهما حولي ساقي النحيلتين.

منذ أيام وهناك أشياء غريبة تحدث في دارنا. الكل يتحدث هامسا. غرباء يأتون وغرباء يخرجون. الصناديق الكبيرة احتلت دارنا. والدتي تفتحها بين الحين والآخر لتخرج منها أشياء ملونة جميلة. وأنا كالبلهاء، كلما حاولت أن أفهم ما يدور حولي يصرخون في وجهي قائلين: "أنت ما زلت صغيرة، وهذه أمور تخص الكبار."

أنا صغيرة؟ أنا على أبواب الحادية عشرة. صغيرة. لقد تزوجت والدتي وهي في الحادية عشرة، وأنجبت أخي صالحا وهي في الثالثة عشرة. لست أدري لما لم أتزوج حتى الآن.

إن زواج أختي فاطمة هو الذي أحدث انقلابا في البيت. عرفت ذلك بالأمس، عندما كنت أسترق السمع من خلف الباب. سمعت والدتي تحدث جارتنا قائلة:

"إن ابنتي محظوظة، فالخاطبة تقول إن العريس ثري، وجميل كالقمر."

تنبهت فاطمة لوجودي. ألقت بالمشط جانبا ثم استدارت ناحيتي بوجه بللته الدموع. تبكي أختي. تبكي والليلة عرسها، وعريسها كالقمر.

لم البكاء يا أختي فالليلة فرحة العمر؟ وغدا سيكون لك بيت وأطفال وخدم. ستزين أصابعك الخواتم الذهبية. ستعيشين كالأميرات، بل أحسن منهن، فأنت حلوة حلاوة القمر.

"من قال إني غير سعيدة؟ ولكن صغيرتي هناك أمر أخافه. لقد قالت لي سبيكة بنت جارتنا أم محمد إن عريسي جميل كالقمر، والرجل الجميل سرعان ما يمل زوجته ويشرع في البحث عن أخرى."

"لا تخافي يا أختي. إن سبيكة غيورة، فحظها عاثر. هه، المسكينة لقد تعنست، فهي على أبواب العشرين."

في هذه اللحظة دخلت الماشطة التي جاءت لتصلح من زينة أختي. أما أنا فكان نصيبي الطرد لأني لا زلت اعتبر صغيرة.

في المساء خلت بيوتات الحي من ساكنيها ليمتلئ منزلنا بالضيوف. اختلطت رائحة البخور برائحة العرق، وأصبح الأمر أكثر إزعاجا عندما بدأت المغنيات بالغناء والعزف على دفوفهن. الذي جعلني أتحمل كل هذه الإزعاجات هي كلمات الإطراء إلى وصلت إلى مسمعي.

"إن وضحة كبرت. لقد أصبحت عروسة."

"إنها تفوق فاطمة جمالا."

"إن شاء الله نراك في العام المقبل عروسا."

جاءت فاطمة محمولة على كرسي من الخشب، مغطاة من رأسها حتى أخمص قدميها بوشاح أخضر. ومن شدة الزحام لم أتبين وجهه. ولكن بعد محاولات شاقة رأيته.

آه يا فاطمة. آه يا أختي السعيدة، الخائفة على عريسك الجميل، ذي الوجه المتغضن كقشرة البطاطا، المحاط يشعر أسود لم تجف بعد أصباغه.

= = =

(1) الروشنة: قطعة يوضع فيها المشط والمكحلة وغيرهما.

D 1 شباط (فبراير) 2007     A عود الند: مختارات     C 0 تعليقات