سعيد الأمين - المغرب

آمال وحبال: 2


كانت المجموعة العيساوية برئاسة المقدم مولاي الطاهر في نظامها المتناسق ودقة أداء أعضاء فرقتها أول الإيقاعات التي بدأت عليها ليلة حفل الزفاف، وتكاد تكون العادة في مدينة مكناس ألا تخلو الأعراس من هذا النمط من الفلكلور الخاص بالمدينة، ولما تتطلبه المناسبات العائلية إلى شيء من الأعراف والبروتوكولات التي اصطلح عليها في مثل هذه الطقوس. كان زدي مولاي الطاهر على ديباجة الفرقة برقصات التحييرة العساوية ذات البعد الصوفي، يتقدمها من رأس الدرب الذي بدأت منه الإيقاعات، إلى باب المنزل المزين بأعراش النخيل ومصابيح ملونة على شكل قوس بديع.

وما إن اجتازت الفرقة الباب إلى سرداب المنزل الذي ينتهي بفسحة العرصة حتى بدأت الصلوات على النبي تملأ كيان المنزل، وانطلقت النساء يزغردن إعلانا ببداية ليل بهيج. مهمة الفرقة العيساوية تنتهي عند حد وصولها عرصة المنزل، ولكي تنهي عملها على أحسن وجه لا بد لها من جعل الختام مسكا وبما يرضي الحاضرين. وها هي قد شملت التحييرة بعض الشباب واصطفوا بجانب أعضاء الفرقة وجوارحهم تهتز على تلك الإيقاعات التي بدأت في التصاعد.

وامتلكت الفرقة نفوس الحاضرين ولم ترحم أعصابهم، وبدأت الجوارح ترتج، وبأضعف الإيمان تتأرجح الرؤوس إلى الأمام ثم الخلف إلا من ليس به شيء من الجذبة.

واحتدت الإيقاعات وبلغت ذروتها، وانبعث صراخ عن غير وعي من إحدى الحاضرات في الصالة لم تستطع رفيقاتها كبح جماح (الأرواح) التي امتلكتها، وخلـّين سبيلها في رقصات رعناء يعتقدن أن (رجال المكان) هم من أمسكوا بزمامها.

وبدأت إرهاصات ظهور العروسين. وفي غمرة الموسيقى وأغاني الأوركيسترا الشعبية، تهاطل المدعوون للرقص في جانب الجوق. كانوا بداية شبابا، ثم ارتسم آثارهم البعض من الشيب. ولم تكن الفتيات والنساء أول المبادرين الخائضين غمار الرقص، ولكن كن يتأهبن لخلق جو خاص بهن داخل الصالة وباقي الغرف الفسيحة الخاصة بالمدعوات. إلا أن بعض صغار السن منهن لم يستنكفن أن يتسللن لوذا إلى العرصة بين الرجال، ويرفعن الحجاب على لعبة العفة والحشمة التي طالما أتقنـّها في مناسبات غير ذي هذا الحال.

وبدأت توزع على الحاضرين كؤوس الشاي مع عبق من ماء الزهر يحملها شباب متطوعون من المدعوين إلى الحفل على صينيات منقوشة من الفضة والنحاس مع أطباق حلويات الغريبة وكعب الغزال وحلوى التمر والكوكو وحلوى البريوات. وبينما تكلف عمر وبعض أصدقاءه أثناء حفل الشاي بالجالسين من الرجال في العرصة، أنيطت مهمة النساء داخل الصالة وباقي الغرف لنادية وشابات أخريات.

وليس من الغريب من شيء أن يلحظ المرء امتداد الأنظار وتجوالها بين الفتيات المدعوات، فضيفات الحفل لا يتوقفن عن الاستطلاع وانتقاء ما يناسب لهن أكثر لأبنائهن. وما ذلك بغائب عن أذهان الفتيات ليلبسن أجمل التكشيطات، ويتطيبن بأحلى العطور، ويعدلن من قاماتهن، ويظهرن من زينتهن، ويتحلين بما استطعن من الكياسة والنضج ولو إلى حين لا يتعدى بضع ساعات.

ولا نصيب في مجافاة الحقيقة فيما يتداول بينهم في حسن خلقة نادية وخلقها، ومهما بلغن من حسن وفتنة ما كن ليضاهينها جمالا ولو في أدق المعايير. ودنّت نادية الصينية بابتسامة عريضة إلى عمتيها رشيدة ومليكة، وأخذتا كأسين من الشاي، وبادلتاها الابتسام شكرا لها، فتابعت عملها .. وفتح ذلك حوارا بينهما. قالت رشيدة:

"مسكينة نادية، أشفق على حالها."

قالت مليكة رافعة كأس البلار معترضا مد بصرها:

"حتما سينصفها القدر يوما ما"

"كيف؟"

"سؤال ما أظن أن جوابا له في بال أحد، ولكن كوني متأكدة أن الله على كل شيء قدير."

ترددت رشيدة في السؤال ثم قالت بنغمة المتردد

"وعبد الخالق، ألم تجدي له عروسا بعد؟"

"منذ النقاش الذي دار بينه وأبيه قرر الصيام عن التفكير في الزواج."

"ألا يزال متمسكا بها عن غيرها."

"أجل ... رغم رفض أبيه."

"ورأيك أنت؟"

طال سكون مليكة واستعانت بأكل الغريبة لقمة واحدة.

"نادية ابنة أخينا المرحوم، وهي أولى لابني من غيرها.

"ولكن، ولكنها صماء بكماء، أليس كذلك؟"

أخرجت زفرة حارة وقالت بوجوم

"مع كامل الأسف ورغم كل محاسنها."

"وعبد الخالق مقتنع بهذا الرأي."

"لا، وأظنه بصبره هذا أن الآمال والأماني لا تتوقف عن التجدد في قلبه يوما بعد يوم.

وأضافت مليكة وهي تحرك مروحتها اليدوية:

"وأنا متأكدة أن القدر، حتما، سينصفنا جميعا في هذا الشأن."

وبات أمرا سهلا شم رائحة المؤامرات في العرصة والسعي الحثيث حسب النوايا، فلا براءة لنوايا راقص أو عارض لنفسه.

من الشباب من لا يتورع عن اصطياد غزالة ألقت بنفسها داخل عرين الأسود. ومنهم من يكتفي بالغمز والابتسام إشباعا لمراهقته. ولا بأس بهم من هم على جانب كبير من حسن النية في البحث عن زهرة يافعة يقطمونها لمستقبلهم. وتحت بريق الأنوار ولين التهويدات وصخب الزغاريد التقطت الصور مع العروسين بأزياء التبريزة باللبسة المكناسية، الفاسية، السوسية، الصحراوية، والشمالية.

وحملت العروس على العمارية فوق الأكتاف والعريس بدوره على الميدة متمايلا تمايل المبحر مع رقصات هشام وعمر وأمين وعبد الخالق الذين يحملونه من أطراف الميدة على عواتقهم.

وعلى موسيقى الملحون والطرب الأندلسي وسواد اللغط حول الموائد قـُـدِّم الطعام للحاضرين قبل دخول السحر، وأردفت الأطباق بداية بالبسطيلة وانتهاء بالكسكس السوسي البركوكس. وكان يلوح في إحدى الغرف طقس خاص أثناء الوليمة، وكانت المجموعة حول الطاولة نوعية لا تستدعي بين أعضائها حرجا أو تفكيرا بوجود رقابة.

من الصعب تمييز صاحب المبادرة. كل بلقبه. وبدون استثناء يرتمون بنهم ولهط على المائدة.

رقم واحد: هشام و"دكة الاحتياط". لحم في الفم. لحم في اليد اليمنى. لحم في اليد اليسرى. لحم داخل كسرة خبز. ولحم الطبق.

رقم اثنان: عمر "المولينكس". لا مجال معه للمنافسة في سرعة المضغ.

رقم ثلاثة: أمين "لاسبيراتور". من الطبق إلى المعدة. الوقت من ذهب.

رقم أربعة: سهيل "دقيقة صمت". إذا حضر الطعام بطل الكلام.

رقم خمسة: عادل و"الأصابع غير المروّضة". لا حدود سيادة داخل الطبق.

وتهدأ العاصفة. ويعم القفار. وما يُرى من الأطلال سوى العظام. ويغادر الهيام ثملين بالطعام.


مقطع من رواية غير منشورة بعد بعنوان آمال وحبال.

D 1 شباط (فبراير) 2007     A سعيد الأمين     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  النقد الأدبي والمنهجية

2.  على حافة الحرف

3.  إلى روح الإعلامية السورية سلوى الأسطواني

4.  الجزائر: ملتقى تكنولوجيا التعليم

5.  كلمة العدد 04: عن العددين الحالي والسابق


القائمة البريدية