ربى عنبتاوي - فلسطين

سأختار حلمي


"لو عدت إلى الوراء وفكرت كم من السنين قضيتها في الواقع، وكم في الخيال لرجحت كف الأخيرة بلا منازع. تلك هي حياتي وذاك هو عقلي، جاءا معاً متشابكين، اتفقا على اختيار عالم هش، غير ملموس، طفولي أو بريء ربما، لكنه الأجمل."

أومأ برأسه وكأنه يؤيد ما تقول، ونهض مشيرا إلى انتهاء الوقت، وقال:

"تحتاجين إلى لقاء آخر أو ربما اثنين. لا تقلقي العلاج لن يطول، ما تحتاجينه لا يتعدى بضع جرعات من الواقع."

"لا." قالت بقرف.

شكرت الطبيب، وهي تسير في شوارع المدينة، تتأمل فترينات المحال التجارية، الوجوه، الكل مهموم، التجاعيد تنهش الوجوه، النفايات، التلوث، الضوضاء.

"إلهي" صرخت وركضت باتجاه الحافلة ومن جديد المشكلة نفسها، اكتظاظ، أمراض نفسية، قلة نظافة، رنت الجرس ونزلت عند الطريق المؤدية إلى بيتها، وصلت إلى الباب فتحته، ركضت إلى غرفتها، أقفلت الباب.

*****
"منذ متى وأنت هكذا؟" سأل الطبيب النفسي.

"عام."

"ما السبب برأيك؟"

"صدمات تلو صدمات، لم أستطع تحملها."

لم تكن حياتها سهلة، وجودها معركة، إما أن تخرج منتصرة أو منهزمة، لم تذق الراحة يوما، دائما شعور بالخطر، بالخوف من الفشل، بالغدر.

"كوني واقعية العالم عذاب،" كلمات قالها معظم من التقت بهم في حياتها، نصحوها ألا تعطي مجالا لأحلامها الوردية، فالدنيا بحاجة إلى خشونة في التفكير والتعامل وفي كل شيء.

نظرت إلى الساعة، سنوات من الكد والصبر، دقيقتان ويبدأ عملها خلف الشاشة، ربما شاء القدر أن تعمل في المجال الذي تحبه، استلمت أول مهمة بكل حب قابلت، كتبت، سجلت الصوت، ووقفت للكاميرا، اندمجت، نسيت ما حولها وفقط العمل هو ما تفكر فيه، ولكن الصدمة...

"هل هؤلاء هم من آمنت بهم، وأعطتهم من روحها؟" سألها الطبيب.

"لماذا؟"

"مستغلون وتافهون، يريدونني لعبة جبصين، ملامح واحدة، موديل."

"ماذا تفعلين بعد الصدمات؟"

"أحزن يومين، أحاول النسيان، الجأ إلى عالمي."

"سعادتك أذن مع عالمك؟"

"أجل."

تعمل هي الآن في وظيفة عادية، ليست كما أرادت، أو تمنت، لكنها أفضل من لا شيء، تمشي الحيط بالحيط كما علمها أهلها، تتفاءل، تنظر للبشر نظرة مثالية، وتندم وتصاب بردة فعل عكسية، فتنبذ كل شيء، ولكن هم يومان وتعود إلى عالمها المثالي.

"الخيال عندك لا ينزل على الأرض، يبقى محلقا في السماء"، قالها أحد المنجمين. لم تكترث، فإما أن تنبذ خيالها، أو ينبذها الواقع، ما تعرفه أنها تملك بعض الموهبة، تصبر وتملك عقلا منفتحا، ولذلك لجأت إلى الطبيب.

"لا تستغربي، العديد من الناس يلجؤون إلى الخيال." قال الطبيب.

"يواسون أنفسهم مثلي."

"لكن احذري، بينهما شعرة. حذار من إسقاط خيالك على الواقع."

"ما زلت أميز تلك الشعرة، لا تقلق."

"هذا لقاءنا الأخير، لست بحاجة للمزيد."

"الحل برأيك أن أعيش عالمين؟"

ما الضير؟ أراك شردت في أمر ما.

ابتسمت له، وقالت:

"تريد أن تبقى، تريد أن يكون لك في حياتي وجود، ولكن اعلم أن زياراتي لك لن تطول، فعالمي متجدد، وأصدقائي كذلك."

ترن، ترن. رفعت السماعة. استمعت، فرصة عمل لا تعوض، قالت سأفكر، أغلقتها، نظرت إليه. أين ذهب؟ ليس مهما.

هي تفكر الآن بشيء جديد، آه لو تسير الأمور كما تشاء، بدأت تحلم، وتفكر، وحين حان اللقاء، لم تذهب. وحين اتصلت معتذرة، بررت ذلك بأنها ستختار عالمها المتخيل، الأجمل، الأبرأ، وحتما الأصدق.

D 1 آذار (مارس) 2007     A ربى عنبتاوي     C 0 تعليقات