أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 1: 1-12 » العدد 10: 2007/03 » رأي في "الصفحات الثقافية"

مختارات: زياد منى - سورية

رأي في "الصفحات الثقافية"


جولة غير حذرة بين ألغام "الصفحات الثقافية" و"مراجعات الكتب"

لعلّ أوّل ما يلاحظه القارئ المتابع للصفحات والملاحق الثقافية أنّ المشرفين عليها شعراء؛ ومن ذلك على سبيل المثال: عبّاس بيضون (السفير)، جمانة حدّاد (النهار)، پول شاوول (المستقبل)، أمجد ناصر (القدس العربي)، فاضل سلطاني (الشرق الأوسط)، حسين درويش (البيان). مع هذا، ثمة صحف ومجلات وملاحق ثقافية ثرية، مثل (أخبار الأدب) و(وجهات نظر) والملاحق الثقافية لصحيفتي (النهار) و(المستقبل - نوافذ) وغيرها، رؤساء تحريرها ليسوا شعراء. وقبل الانطلاق في رحلتنا في حقل الألغام هذا، نودّ، أولا وقبل كلّ شيء، تأكيد أنّهم، جميعهم، زملاء نقدّرهم ونقدّر جهودهم ونحترمها.

من خلال تجوالنا في السنين الماضية في الصفحات والملاحق الثقافية في بعض اليوميات والأسبوعيات بهدف الاطّلاع على أحداث الساحة الثقافية العربية والتعرّف إلى آخر الإصدارات، وفي المقام الأول "التلصّص" على ما قد تنْشره من مراجعات كتب صادرة عن (دار قدمس) وغيرها بالطبع، لاحظْنا مجموعة من الممارسات التي لا يمكن قبولها والسكوت عنها.

خفة دم

أولى الممارسات التي تدْخل ضمن باب الاستخفاف بالقارئ قيام بعض الصحف بنشر نقد كتاب يعْترف "الناقد" فيه صراحة بأنّه لم يقرأْه! ومن ذلك، على سبيل المثال، مقالة السيد هشام نفّاع في صحيفة القدس العربي الذي انتقد كتاب قدمس ‹إميل حبيبي: الحقيقة والوهم›، بقلم الكاتب خضر محجز.

ومن الممارسات التي تدخل تحت بند الإهمال قيام اليومية اللبنانية (الأنوار) بعرض كتابنا بلقيس وقت صدوره، لكنْ من دون ذكْر اسم المؤلّف! وقتها نظرْنا إلى الأمر على أنّه قلة حرفة لا غير. لكنّ رأينا تغيّر عندما لم تستجب الصحيفة طلبنا التصويب والاعتذار، الأمر الذي يعْكس، في رأينا، ضعف صلة المسؤول عنه بالثقافة. أما مجلة (المسيرة/ النجوى) فقد نشرتْ في الوقت نفسه مراجعة مفصّلة للكتاب، مع ذكْر كلّ التفاصيل ذات العلاقة. وكذلك فعلتْ مجلة (العربي) الكويتية، التي نشرتْ مراجعة شاملة وقيّمة للكتاب بقلم د سهام الفريح.

إلاّ أنّ "خفة الدم" تصل أحيانا إلى درجة كاريكاتورية تجعلها أقرب إلى الاستهتار الثقافي من أيّ أمر آخر. فقد دأبتْ صحيفة (الشرق الأوسط) اللندنية أخيرا على (تيْتيم) كتبنا، وذلك بنشر "مراجعات" لإصداراتنا من دون ذكْر الناشر (قدْمس). وعندما نشرتْ أول "مراجعة" كهذه آثرْنا الانتظار، استجابة لرأي زملائنا الذين ظنّوا أنّ في الأمر خطأ. ولكنْ عندما تكرّر ذلك في أعداد لاحقة، وفي ما يخصّ إصدارات (دار قدمس) فقط، اتّصلنا برئاسة التحرير مرات عديدة لتوضيح الأمر، مذكّرين بحقوقنا المعنوية والقانونية. إلاّ أنّه بدلا من أن تبادر الإدارة، حتى من منظور (أناني)، إلى الاعتذار وتصويب الأمر ومعاقبة المسؤول المفترض أنّه أساء إليها، فإنّها أهملت الردّ على رسائلنا، الأمر الذي يخْضع جديّة الصحيفة للمساءلة. وبعد فترة تأمّل، قرّرنا عدم متابعة الأمر والنظر إلى "المنتدى الثقافي" هذا من منظور الصحيفة نفسها التي لا تتعامل معه بجدية.

لكنّ الممارسات تلك لم تقتصرْ فقط على إهمال ذكْر اسم الناشر، بل تجاوزت الصحيفة نفسها ذلك، وهذه المرة برفقة زميلات لها، إلى جانب آخر لا يقلّ أهمية، وهو القضية الجمالية. فقد دأبتْ تلك اليومية على تشويه أغلفة الكتب التي تنْشر أخبارا عنها في موقعها الإلكتروني، إمّا بزيادة الطول أو العرض، أو حتى بقصّ جزء منه ليناسب حجم المكان المخصّص للغلاف على موقع الصحيفة في الإنترنت، بدلا من توظيف خبير لتعديل صفحاتها، عاكسة بذلك انعدام أيّ حرفية في التعامل مع قيمة جمالية، في صفحات توصف بأنّها "ثقافية". هذا التعامل اللاحضاري مع مسألة جمالية يعْكس، في ظنّنا، فقر دم ثقافيّا.

لكنْ إضافة إلى الجانب الجمالي، فإنّ قضية الملْكية الفكرية تتصدّر الموضوع، إذ لا يحقّ لأيّ طرف التصرف بإبداعات الغير تغييرا من دون إذن مسبّق.

هذه الممارسات نراها تتكرر في مجالات "ثقافية" أخرى. وفي هذا الصدد نذْكر أنّ الراحل الكبير الأستاذ نقولا زيادة، الذي أصدرنا له آخر كتبه المؤلّفة، المسيحية والعرب، طلب منّا توفير نسخة من كتابه هذا ليعْرض في برنامج تلفزيوني لبناني كان سيظْهر فيه. وقد حرصنا على التوجّه إلى لبنان وإيصال نسخة منه باليد إلى مقرّ المحطة، إلا أنّ البرنامج لم يعْرض الكتاب (لماذا؟!)، وإنْ قام الأستاذ الكبير بذكره وذكر اسم الدار. ومع ذلك، فقد انهالت طلبات المكتبات عليه في اليوم التالي.

عروض الكتب والمبيعات

قد يظنّ البعض أنّ أقسام مراجعات الكتب في "الصفحات الثقافية" تؤثّر في مبيعات كتاب ما. لكنْ من تجربتنا في (قدْمس)، ومن تجارب زملاء لنا في المهنة، لم نلاحظْ يوما أنّ أيّ مراجعة، أسلبية كانت أمْ إيجابية، قد أثّرتْ في توزيع أيّ كتاب من كتبنا، وهو ما يعْكس انعدام ثقة القارئ بتلك الصفحات على نحو عامّ. ربما تزداد نسبة مبيعات كتاب محدّد لأنّ المهتمّين به كثر وأخذوا علما بصدوره، غير أنّ هذا لا تمكن مقارنته بما يحدث، مثلا، مع قائمة (الكتب الأكثر مبيعا) التي تصْدرها مجلة (در شپيغل) الألمانية، حيث يكفي وضع اسم الكتاب عليها ليتصدّر قائمة المبيعات. لكنْ من الأمور الطريفة الجديرة بالملاحظة هنا أنّ كثيرا من متاجر بيع الكتب (وهي مصْدر قائمة ’الأكثر مبيعا‘ ) تضع أسماء بعض الإصدارات التي لم تلق رواجا في تلك القوائم، بهدف التخلص من الأعداد الكبيرة التي تملأ مخازنها!.

ولدينا تجربة أخرى مرتبطة بالعلاقة بين المراجعات والتوزيع، هي حالة كتاب آخر بعنوان (الصهيونية المسيحية). فقد خصّته إحدى الفضائيات العربية المرموقة ببرنامج طويل، إلاّ أنّ ذلك لم يؤثّر في المبيعات، الأمر الذي يؤكّد أنّ لتوزيع الكتب في العالم العربي قوانينه الخاصة.

مراجعات الكتب والرقابة الذاتية

ومن الأمور غير الصحيّة مسألة الرقابة الذاتية التي تمارسها صفحات ثقافية وكتّاب وصحفيون. فقد نشرنا منذ نحو عام كتاب ‹صديقنا الجنرال زين العابدين بن علي/ الوجه الحقيقي "للمعجزة" التونسية›، وهو يحوي انتقادا لاذعـا للنظام التونسي. وعندما أصدرنا الكتاب قمنا، كالعادة، بتوزيع ملخص له، مرْفق بصورة الغلاف، إلى المئات من العناوين الإلكترونية الخاصة بالصحف والصفحات الثقافية وأقسام مراجعات الكتب، مع التركيز هذه المرة على مواقع منظمات "المجتمع المدني". الأمر المفجع أنّ أيّا منها لم ينْشرْ أيّ خبر عنه. وبعد مرور أشهر على صدوره، لاحظت الحكومة التونسية الكتاب، فاحتجتّ لدى السلطات السورية، التي بادرتْ إلى إعلامنا بسحبه من السوق، وهو ما فعلناه. عندها تبوّأ خبر منع الكتاب صدر الأخبار في بعض اليوميات؛ بل إنّ بعض الفضائيات (أثْنتْ) على قرار المنع، ربما خوفـا من انتشار "عدوى" النقد إلى الحكّام الذين تنْطق باسمهم. المهمّ في الأمر أنّ الاتصالات انهالت علينا من مصادر كثيرة يصدرها أصحاب مواقع "المجتمع المدني" و"حقوق الإنسان" طالبين تعليقنا على قرار المنع، في تصرف يميل إلى الانتهازية، لاستخدامه في المطالبة بضرورة احترام "حرية التعبير" وضد "القمع الفكري". عندها اضطررْنا إلى لفت انتباه المتصلين إلى حقيقة أنّهم، وغيرهم من "المستميتين" في الدفاع عن "الحقوق المدنية" و"حرية التعبير"، لم يظْهروا أيّ اكتراث بالكتاب عند صدوره، فساهموا بذلك في محاصرته إعلاميّا. كما لفتْنا انتباههم إلى واجبهم الأول، وهو إدانة طلب السلطات التونسية المنع بالدرجة الأولى. غير أنّ ردّ فرسان الدفاع عن "حرية التعبير" على احتجاجنا كان: صمت القبور.

أصول المراجعات

لاحظ بعض الأصدقاء والزملاء أنّ بعض "الصفحات الثقافية" تميّز دار قدمس بمعاملة خاصة من ناحية ملاحظة ما تحويه من «أغلاط . . و . . ركاكة في الترجمة». وقد نظر البعض إلى تخصيص دارنا بهذه الملاحظات سلبيـّا، إذ ظنّوا أنّ المقصود هو الانتقاص من قيمة الجهد المبذول في ترجمتها وتحريرها، وفي الوقت نفسه تعال من كتّاب ومشْرفين على "صفحة ثقافية" على كلّ ما يأتي من خارج حدودهم الضيقة، اعتمادا على حقيقة جهلهم بلغة الكتاب الأصلية التي ترجم منها. لكننا، وعلى العكس من مسيئي الظن الذين يشكّكون دومـا في النوايا الطيبة لمسوؤلي بعض "الصفحات الثقافية" ويستهترون بحرصهم على سلامة اللغة العربية، نظرْنا إلى تلك "الملاحظات" بعين الرضا من منطلق تمتّعنا بمحاباة ورعاية خاصتيْن، آخذين في الاعتبار أنّ تلك الصفحات لا تلْفت النظر إلى «أغلاط . . وركاكة في الترجمة» في مراجعات كتب أخرى، ولا تظْهر أيّ اهتمام بأغلاط الكتّاب أنفسهم في مقالاتهم ولا بالأخطاء التي تحويها صحفهم، ولا بلغة فضائيات عربية . . إلخ.

وتستحقّ مسألة الحذف من المراجعات التوقّف عندها. ففي كثير من الأحيان يقوم بعض مراجعي الكتب بإرسال ما كتبوه إلينا قبل نشره، تجنّبـا لأيّة أغلاط تقنية أو سوء فهم. لكنْ عند قراءة المراجعة في الصحف، نلاحظ وجود فرق بين الأصل والمنشور، الأمر الذي يشير إلى تدخّل محرّر "الصفحة الثقافية" في النص كما يشاء، وحذف ما لم يطبْ له، خصوصا عندما يتعلّق الأمر برأي سلبيّ عن كتاب صدر عن كاتبة أو كاتب من الدولة التي تموّل الصحيفة. هنا نذْكر صراخ زميلة محتجّة على قيام محرّر "الصفحة الثقافية"، في يومية لبنانية منتشرة، بالعبث بمراجعتها لكتاب (طلبت الصحيفة منها إنجازها)، إذ تحوّل النقد إلى مديح (!)، وهذا ما يعْكس، في ظننا، استهتارا بمسألة الحقوق الفكرية، وغياب ثقافة احترام إبداع الكاتب.

ولدينا أخبار عديدة عن صحف "مرموقة" تكلّف كتّابـا أو صحفيين بمهاجمة كتاب محدّد. ومعلوماتنا هذه وصلتْنا من الكتّاب أنفسهم، الذين نفّذوا طلبات المسؤولين عن "الصفحة الثقافية" حين طلب منهم مهاجمة مؤلّفات محدّدة من إصدارات (قدمس). وكنّا نودّ ذكْر التفاصيل، إلا أنّنا قرّرنا ترك الحديث عنها لذوي العلاقة، ربما عندما يعيدون النظر في مواقفهم . . لكنْ ليس على طريقة كثر من "اليسار" العربي الذين ارتدّوا إلى الأصولية الدينية، أو إلى ما يسمّى بـ"الليبرالية الجديدة"، أيْ: ممالأة الإمبريالية والدفاع عن قيم الرأسمالية المنفلتة العقال.

كما لاحظنا أمرا مؤسفـا حقـّا، وهو سماح بعض "الصفحات الثقافية" بنشر "انتقادات" لبعض الكتب، فإذ بها لا تعدو أن تكون شتما. وما نشرتْه صحيفة السفير من شتائم بحقّ مؤلّف كتاب، ردّ على نقد مؤلّفه، معيب، إذ إنّ اللغة التي وظّفتْ لا تليق إطلاقـا بصفحة ثقافية. لكنّ اللوم كلّه يقع في ظننا على صاحب الكتاب الذي أعار مسألة لا تستحق التوقّف عندها لحظة واحدة أهمية كبرى.

والأمر ذاته ينطبق على مجلة أخرى توقّفت عن الصدور، هي (النّقّاد)، وشتان ما بينها وبين (الناقد)، كانت تنْشر تعليقات وأخبارا، تبثّ، في ظنّنا، وربما عن غير قصد، روحـا عبثية. فقد لاحظنا أنّ مقالات نقد الكتب كانت تركّز على الأغلاط المطبعية أو النحوية، عاكسة، في رأينا، سطحية مفجعة.

ولا بدّ من التذكير بأنّ اليومية اللندنية، (الحياة)، فتحتْ صفحاتها للكاتب فؤاد زكريا لشتمنا وشتم الدار بعبارات لا علاقة لها بالنقد، وكل ذلك لأنّنا دافعنا عن حقوق (دار قدمس) إزاء إصدار (المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت) ترجمة غير مرخّصة لكتاب كيث وايتلام ‹تلفيق إسرائيل التوراتية، طمس التاريخ الفلسطيني›، مع علم المجلس المذكور بامتلاكنا حقوق الترجمة. وقد ظهرتْ سطوة النفط وأفضليته على "المبادئ الثقافية" في حقيقة أنّ "الصفحات الثقافية" والكتّاب و"رجالات الثقافة" رفضوا التعرّض للأمر، بل إنّ بعض اليوميات والأسبوعيات سمحت بالهجوم علينا والدفاع عن تلك القرصنة المعيبة، الأمر الذي اضطرنا إلى إجبارها على نشر ردودنا، بعد أن لفتْنا نظرها إلى حقنا في المتابعة القانونية.

أما عن مراجعات الكتب نفسها، فحدّثْ ولا حرج. فكثير من كتّابها يكتفون بأخذ الملخّص الذي نزوّدهم به، ويضيفون إليه جملا هنا وهناك، ثم ينشرونه على أساس أنّه من "إبداعهم". وكم من مرة تلقّيْنا طلبات من كتّاب لتزويدهم بملخّص (مسجّل على ديسك، مع صورة الغلاف)، ثم يقومون بنشره باسمهم!.

وكنّا أشرنا إلى قيامنا بإرسال ملخّصات كتبنا وصور الغلافات إلى المئات من المواقع "الثقافية". وقد لاحظنا أنّ بعض "الصفحات الثقافية" تأخذ الملخّص كما هو، من دون أيّ تغيير، وترْفق به تعليق اسم الصحيفة ومكان المراسل (دمشق)، موحية بأنّ مصدره مراسلها "النشيط" في المدينة. هناك (صفحات ثقافية) أخرى تحترم نفسها، فتنشر الملخّص ذاته، لكنْ من دون أيّ إيحاء بأنّ مصدره مراسلها.

في ظنّنا أنّه ثمة أصول وقواعد علمية لأيّ مراجعة، خصوصا عندما يتعلّق الأمر بكتب متخصصة. الشرط الأول، هو أن يكون المراجع على اطّلاع كامل على الموضوع، ويفضّل أن يكون من اختصاصه. بيْد أنّنا نلاحظ أنّ كثيرا من المراجعات الصحفية، أسلبية كانت أمْ إيجابية، ليست أكثر من (صفّ حكي) لا قيمة علمية لها، وهو ما قد لا يجعلها ذات أثر في القارئ. وربما هذا ما أدّى إلى غياب أيّ نقاش في الصفحات الثقافية بين الكتّاب عن مؤلّف ما.

بالطبع قرأنا العديد من المراجعات المهمّة لبعض الكتب المتخصصة، على سبيل المثال في ملحق (نوافذ) الذي تنشره صحيفة (المستقبل) أو في صفحاتها الثقافية الأخرى. والأمر ذاته يسري على صحف أخرى (النهار، السفير، الحياة . . إلخ). إلاّ أنّ تلك المراجعات، على ندرتها، كتبها أساتذة متخصّصون يحترمون العلْم والعالم. وقد شجّعتنا تلك المراجعات الرزان على اقتناء الكتاب موضوع العرض.

أخلاقيات

يلاحظ أنّ "مراجعات الكتب" في كثير من الأحيان لا تعير مسألة الملْكية الفكرية اهتمامـا، فتقوم بنشر مراجعات لكتب "مقرصنة" أصدرتْها دور نشر ومؤسسات ثقافية خاصة وحكومية عربية. وهذا يعكس، في رأينا، لاجدّية مفجعة في قضية تعلن تلك الأطراف، جميعها، أنّها ولدتْ فقط للدفاع عنها.

والأمر ذاته ينطبق على قيام بعض "المنتديات الثقافية" العربية الإلكترونية بوضع نسخ من بعض الكتب في صفحاتها للقراءة والاستعادة والطباعة، من دون أيّ احترام لأصحاب الحقوق. ونودّ أن نخصّ بالذّكْر هنا موقعيْن، هما (إيثار) و(قصيمي)، اللذان وضعا كتبا من إصدار قدمس ودور نشر عربية أخرى، من دون أيّ إذن، أو حتى الاكتراث بطلبه. وقد طالبنا الموقعيْن بالتوقّف عن ممارساتهما الغلط، لكنْ من دون فائدة، ربما لظنّ القائمين عليهما أنّ وجودهم في حضن ممالك نفطية يمْنحهم حصانة قانونية ضدّ الملاحقة، أو حتى ضدّ إشارة صحف بلادهم أو تلك التي تموّلها حكوماتها ومشايخها وأمراؤها إلى تصرفاتهم غير المقبولة.

أما صحيفة (الغد) الأردنية فقد تميّزتْ بتصرف لامسؤول بامتياز. فقد نشرتْ في صفحة (دين وحضارة) مقالا بقلم د مهنّد مبيضين (أستاذ التاريخ والحضارة في جامعة فيلادلفيا) عن الراحل الكبير نقولا زيادة، أشار فيه إلينا [زياد منى] بالقول: « . . أحد المثقفين القوميين السوريين». وقد طلبنا من الصحيفة والكاتب مرات عديدة نشْر نفي انتمائنا إلى أيّ حزب أو تنظيم، أسياسيّا كان أمْ غير ذلك، لكنْ من دون جدوى، إذ إنّ أيّا منهما لم يتكلّفْ مشقة الرد، ناهيك عن الاستجابة لطلبنا المشروع.

كما يلاحظ أنّ بعض عروض الكتب والأخبار الثقافية تذْكر أنّ مؤلّفا ما، خصوصا عندما يكون من تأليف المشرف على الصفحة الثقافية، «قد ترجم إلى اللغات . . [كذا وكذا]»، الأمر الذي يوحي باكتسابه أهمية أدبية عالمية!. والحقيقة الأساس المهملة هي عدم ذكر الجهة المموّلة للترجمة؛ ذلك أنّ أغلب الدعم يرد ضمن إطار (المساعدة التنموية) والدعم السياسي في المقام الأول ذي الأولوية على ما يفترض من قيمة إبداعية فيه!.

ولا بدّ من الإشارة إلى ممارسة أخرى غير مقبولة، وهي قيام "صفحات ثقافية" بنشر إسهامات كتّاب من دون مكافأتهم ماديّا، وذلك من منطلق (أنّ الصحيفة لا تدْفع إلا للعمل المكلّف به). ثمة كتّاب يهمّهم نشر موضوع محدّد من دون أن يكترثوا بمسألة المكافأة، وهذا ليس موضوع حديثنا، وإنّما موضوع النقد هو إفساح "صفحات ثقافية" المجال لنشر مقالات بهدف ملء الفراغات فيها. وربما يوافق بعض "الكتّاب" على عمل السخرة هذا من منطلق ظنّهم أنّ ظهور أسمائهم في "صفحات ثقافية" سيساعد في انتشارها. لكنّ الواقع غير ذلك؛ ذلك لأنّ انتشار مقالات (الحشو) هذه يزيد من تدنّي مستوى تلك "الصفحة الثقافية"، لأنّ طريق الشهرة يمرّ بالنوعية لا بالكمية. ولا ننْكر أنّنا كنّا في السابق نقْبل بنشر مقالاتنا مجّانـا من ذلك المنظور، إلا أنّ الأيام والتجارب أثبتتْ أنّ البقاء للجيّد والثري.

ماذا بعد؟

ختامـا نقول إنّ أقسام مراجعات الكتب في الصفحات الثقافية أقرب إلى الاستعراض ومحاولة فرض الهيبة منهما إلى أيّ أمر آخر. ونظرا لسمتها التي تميل إلى التعميم، من دون أيّ احتراف، فإنها نادرا ما تؤثّر في انتشار كتاب ما أو في مبيعاته.

مع ذلك، يمارس كثير من المشرفين على تلك الصفحات سلطة مطلقة على ما ينشر من مراجعات، تقطيعـا وتحويرا وقصّا وتقرير أيّ من الكتّاب أو دور النشر تحظى برعاية خاصة، فتحابي المرضيّ عنهم وتعادي منْ يختلف معها فكريّا، من دون اعتبار لأيّ مقاييس علمية. ولا يساعد في نفي انطباع المحاباة هذا قيام صفحة اليومية، (النهار - أدب فكر فن) بنشر خبر مفاده أنّ من الكتب الخمسة الأفضل مبيعا في (مكتبة البرج) وسط بيروت كتبا تعود إلى إلياس خوري ومي منسّى الكاتبة (وكلاهما من أسرة النهار)، وعباس بيضون مسؤول ملحق السفير الثقافي، علما بأنّه يقال إنّ المكتبة هذه تابعة للصحيفة.

من الممكن، نظريّا، أن تتحوّل أقسام عرض الكتب إلى ثروة علمية حقيقة تؤثّر في مبيعاتها، لكن ذلك يفترض التزام القائمين عليها بمرجعية علمية ومهنية بعيدة عن المزاجية والانتقائية التي تغْلب على معظمها. ومن دلالات هذه المرجعية الإعلان عن المقاييس العلمية الملزمة، أو تكليف متخصّصين بمراجعة كتاب يظنّ أنّه مهمّ. كما يمكن أيضا فتح قسم خاصّ في الصحف لأهل الاختصاص لمناقشة العروض المنشورة، من دون تدخّل محرّر القسم. قلنا: نظريّا، لأنّ اليوميات والأسبوعيات العربية هي، على نحو عامّ، مشاريع سياسية بامتياز، إذ نعْلم جميعنا أنّ أكثرها انتشارا هي في الوقت نفسه أكثرها خسارة مادية. وهذا يعني أنّ كثيرا من الصحف العربية تتعامل مع مسألة الأقسام الثقافية من منظور استعراضي، هدفه (الپرستيج) لا غير.


(*) تم الحصول على إذن من رئيس تحرير مجلة الآداب لإعادة نشر هذا الموضوع المنشور في العدد الصادر في شهر شباط/فبراير 2007.

www.adabmag.com

D 1 آذار (مارس) 2007     A عود الند: مختارات     C 0 تعليقات