أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 2: 13-24 » العدد 14: 2007/07 » صباح ظبية التلال الساكنة

بقادي الحاج أحمد - السعودية

صباح ظبية التلال الساكنة


بقادي الحاج أحمدفي الطريق المؤدي إلى داخل المدينة، يعبر القادم من الشرق امتداد جبل طويق، ويراها القادم إليها وهي تقف محفوفة بالتلال، كالتاج على رأسها. إن كانت جدة هي مدينة البحر والأسواق، فإن الزلفي هي عروس التلال أو ظبية التلال التي سكنت وامتنعت عن الحركة لتنصت وتستمع لأصوات المآذن الكثيرة التي تدعو إلى الصلاة والفلاح.

المدينة الصغيرة بشوارعها وإشارات ودوائر المرور فيها، كأنها نموذج مصغر لمدينة -أو مجسم تخطيط مدينة. في الكيلو الواحد توجد أكثر من إشارتين ودوار، ومع الصغر وقرب المسافات، يسمع المرء في العمل، في السوق أو في المسكن صوت الإطارات وهي تدور بشدة على الإسفلت محدثه ذلك الصوت الذي يسبق الحادث، تماما مثل العاصفة التي تعقب الهدوء أو الرعد الذي يعقب البرق. هذه –الصنفرة- الاستثنائية للإسفلت تسببها السرعة الزائدة التي يمارسها سائقو السيارات، لذلك تجد المتاريس الصناعية على الإسفلت وقرب التقاطعات لتهدئة السرعة إجباريا وكأنها تقول لا تسرع الموت أسرع.

كان عندما قدم للعمل هنا من المدينة الكبيرة منبهرا بالهدوء الذي يعم مدينة التلال، ذات المزارع الكثيرة. الربيع هنا يراه المرء علي أديم الأرض؛ الحشائش ذات النوار تنبت في الساحات بفعل المطر الغزير في فصل الشتاء.

اعتاد على قطع المسافة من المكتب إلى البنك أو إلى السوق القريب مشيا على الأقدام، لما للمشي من متعة وسرعة أيضا في المسافات القصيرة. استخدام السيارة في هذه المسافات يعرض المرء لمشكلة عدم وجود مواقف، وإن وجد الموقف قد يعاني من الوقوف الخطأ من الآخرين وقفل مخرج السيارة من الخلف، الأمر الذي يضيع الوقت ويتلف الأعصاب.

الجلوس على المكتب خلف شاشة الحاسوب، وخلف مقود السيارة طوال الوقت يمثلان علامات سالبة على الصحة.

عمال البلدية يمارسون الحفر بجانب الطريق العام، الحفر العميق بواسطة الشيول الكبير، تم تحويل السير إلى الاتجاه المعاكس من الشارع وإلى طرق أخرى تخفيفا لازدحام الشارع العام.

كان يلاحظ في كل مرة يمر من هناك تشقق الأرض على بعد أمتار من القناة التي تحفر. تحدثه نفسه خوفا من انزلاق التربة إلى داخل القناة بصحبة المارين أو انزلاق إحدى السيارات المسرعة مع من تحمل إلى قاع القناة، التي نمت بفعل مجهود الشويل خلال فترة قصيرة، حتى صار طولها يتاخم خمسة أمتار. الشويل يمارس عمليات الحفر العميق، وقاع القناة يستقبل اللكمات المتتالية من يد الشويل الشوكية بصبر وجلد.

عندما ذهب سائق الشويل لتناول طعام الإفطار، كان الشويل هو الآخر وليمة لقاع القناة، استقبل جوف القناة الشويل الكبير مع زرعه الشوكية دفعة واحدة، استقر كاملا هناك بدون توجيهات وصحبه سائقه.

عند النفود -الكثبان الرملية- القريبة، كانت الزلفي القديمة قائمة عبر الزمان، ترك الأولون أطلال مساكنهم الطينية وآبار الماء واسم الزلفي، ورحلوا إلى دار القرار. نرى الآن الآثار باقية، وكذلك الأسماء؛ أم المناير- من كثرة مآذن المساجد، العقدة، والبلاد، نبحث عن قصصها وتعليلاتها، قد نجد لها قصصا وتعليلات، وقد لا نجد، ولكنها تظل هي الشاهد على تداول الأيام وتقادم العهود.

بمجهودات الرافعات الكبيرة أخرج الشويل من جوف القناة، حاله ليس كحال صاحب الحوت، لان ذلك كان مسبحا من المسبحين لله، وهو في ذلك الخضم المسمي جوف الحوت.

تواصل الحفر وتمددت الشقوق حول الحفرة: "العود لو ما فيه شق، ما قال طق."

ذات صباح صحت ظبية التلال على حادث انهيار جدار القناة على أربعة عمال كانوا بداخلها يعملون على وضع المواسير الكبيرة وتثبيتها. أخرجت جثث ثلاثة منهم، والرابع أخرج وهو بين الموت والحياة.

بعد السكون مارست ظبية التلال حركتها ولفتاتها الرشيقة المعتادة. تجمعت السحب وانتشر الغمام وبدأ رذاذ المطر يداعب أديم الأرض، تاركا حبيبات الماء على النوار والحشائش، لتهب النسائم مفعمة بالحياة بالتفتح والإشراق من جديد.

D 1 تموز (يوليو) 2007     A بقادي الحاج أحمد     C 0 تعليقات