أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 2: 13-24 » العدد 14: 2007/07 » صـديـقـتـي الـوهـمـيـة

نــدى الـصـبـاح - مـصـر

صـديـقـتـي الـوهـمـيـة


أنا سارة في الصف السادس الابتدائي. أعيش في بلدة صغيرة هواءها العليل هو الذي يوقظني في كل صباح جديد. وشمسها الذهبية هي التي تحييني كل نهار رائع جميل.

والدي يعمل في مجال الطب، وهو رجل رائع. أما أمي، فاطمة، فهي أم رائعة وذات أخلاق سمية، صوتها شدي، وحضنها الدافئ أشتاق إليه كل يوم. حياتي هادئة وجميلة، وجميع الطالبات في مدرستي يحببنني كثيرا لأنني متفوقة في دراستي، أما معلماتي فهن أمهاتي وصديقاتي أيضا، يهتممن بي دوما ويحببني كأنني ابنة لهن.

قصتي غريبة جدا لكنها حقيقية، وسأخبركم عنها.

في يوم من أيام الدراسة ضاقت بي نفسي ذرعا من كثرة الدراسة والتعب، فذهبت إلى المنزل واستلقيت على سريري الحبيب ونمت بعمق كبير لم يحصل لي قبل هذا الوقت أبدا. حلمت بأنني في ساحة خضراء واسعة حولها الكثير من الورود والزهور، والعصافير في كل مكان تغرد لحن الحياة بأصواتها الجذابة، والفراشات الملونة تحوم حولي من جميع الأماكن. ابتسمت ودهشت وقلت لنفسي: أين أنا؟

جاءت من بعيد وكأنها ملاك رقيق. جاءت وكالملكة حضرت تمشي بحياء شديد. فستانها الأبيض سحر نظري بجماله وروعته، أما شعرها الأشقر بخصاله الحمراء فأبهرني. وما أجمل عينيها المتلألئتين بلون السماء الصافية الجميلة! وقفت مكاني مصدومة مما رأيت من جمال باهر، وروعة ساحرة ورشاقة عجيبة. لم أنطق بكلمة واحدة، أما هي فنظرت لي مبتسمة، ويا لها من ابتسامة أضاء الكون من جمالها!

قالت لي: "سارة تعالي لنلعب في هذه الساحة الخضراء الجميلة."

لم أفهم. ماذا قالت؟ إنها تعرف اسمي.

وقالت لي: "تعالي لنلعب." نادتني مرة أخرى، وقالت: "سارة. ماذا بك؟ تعالي، هيا."

ذهبت إليها ومدت لي يدها البيضاء الرقيقة والناعمة. أمسكت يدها وأنا لا أعرفها مطلقا، وأتمنى أن أعرف اسمها فقط.

*****

رن جرس المنبه. استيقظت من ذلك الحلم الرائع فزعة. فغضبت كثيرا وأخذت في سب ذلك المنبه اللعين. استيقظت من نومي حزينة، وذهبت لأدرس مادة العلوم الصعبة جدا، فلدي امتحان بها غدا. فتحت الكتاب ونظرت أمامي لبرهة، فرأيتها جالسة على الطاولة وهي مبتسمة لي. دهشت. كيف خرجت تلك الفتاة من أحلامي؟

ظلت تتبعني أينما ذهبت، وأنا أعلم أنها ليست حقيقية، بل إنها فتاة ظهرت لأول مرة في أحلامي. أخبرت أمي بما حصل فطلبت مني التعوذ من الشيطان الرجيم، والذهاب للدراسة. وفي المساء. ذهبت للنوم وأنا أفكر فيها: من تكون يا ترى؟ نمت. وفي منامي حلمت أني في منزل واسع وكبير، لونه أزرق صاف، وستائره قطنية ناعمة.

نظرت أمامي فوجدتها تنظر لي.

"قالت: هذا منزلي المتواضع هل أعجبك؟"

قلت لها: "نعم، ولكن من تكونين؟"

ضحكت بصوت خلاب ناعم لم أسمع له مثيل في حياتي كلها. وقالت:

"تسأليني من أنا؟ أنا فتاة أحلامك. واسمي: منى الحياة، سأكون في أحلامك دوما كي نلعب ونلهو معا طوال الوقت."

أخبرتها أنني لا أحب اللعب واللهو. أنا أحب الدراسة والجهد والتعب.

قالت لي: "ولهذا أنا هنا. كي تعلمي أن الحياة ليست مذاكرة واجتهادا دوما، فهناك وقت للعب وهناك وقت للدراسة."

لم أفهم ماذا تقصد. ولكن لم أهتم لأنني أحب أن ألقاها دائما. سلبت عقلي وروحي. أجل، فطالما جلست أفكر فيها كثيرا، فتاة جميلة. عيناها ساحرتان. صوتها عذب خلاب. كلامها حلو له مذاق. أصبحت تزورني في حلمي كل يوم وتلعب معي كثيرا. حتى فقدت الرغبة في الاستيقاظ لليوم التالي.

كنت أمتلك الكثير الكثير من الصديقات الذين كنت أظن أنهن يحببني مثلما أحبهن. ولكن في حلم يوم الجمعة، جاءت منى وقالت لي:

"صديقتي، حان الوقت كي أخبرك حقيقة صديقاتك."

دهشت من قولها وقلت لها: "ماذا تقصدين؟"

قالت: إن جميع صديقاتك سيئات، ويكذبن عليك، ويصادقنك لأنك ممتازة ليس إلا. فنصيحتي لك أن تتركيهن وتبتعدي عنهن."

****

استيقظت في الصباح وكلام منى الحياة في أذني. فمن المستحيل أن تكذب علي. ذهبت إلى المدرسة وتحققت من الأمر فوجدت كلامها صحيحا. فلم يتحدث معي أحد إلا لمناقشة درس من الدروس. شعرت بالحزن الشديد وعلمت حينها أن منى الحياة هي صديقتي الحقيقية مع أنها وهمية.

أصبح الأمر يزداد غرابة يوما بعد يوم، فبدأت منى تخبرني عن المستقبل. نعم هذه هي الحقيقة. تعلمني عن فطوري. وعن ماذا سيحدث لي في اليوم التالي. والأسوأ من هذا كله أنني بدأت أخاف منها كثيرا وأخشى أن أنام لئلا أحلم بها ثانية. فلقد أصبحت كالكاهن بالنسبة لي.

أخبرت والداي بالأمر، لكنهما قالا لي: "إن هذا من وهمك. انسيها وانتبهي لدروسك."

لقد أصبت بالأرق من شدة خوفي منها. وجاء الوقت المناسب: ففي يوم لم أستطع أن أستيقظ طوال الليل، ونمت نوما عميقا. جاءت منى وهي حزينة جدا، وقالت:

"لماذا تتهربين من لقائي؟ إنني انتظرك كل يوم حتى تزوريني، فلماذا انقطعت كل هذه الفترة؟"

قمت من مكاني، وقلت لها:

"بصراحة، لقد أصبحت غريبة جدا في الآونة الأخيرة، وإنني خائفة جدا منك ومن معرفتك بكل شيء. حتى المستقبل تعرفينه.

قالت بهدوء عجيب: "إن هذا من مصلحتك: أن تعرفي مستقبلك. هل تريدين أن تعرفي ماذا ستصبحين في المستقبل؟"

صرخت قائلة: "كفى لقد ضقت ذرعا بك، اتركيني واذهبي. غادري أحلامي أرجوك، لا أريد أن أراك ثانية."

نظرت إليّ برهة ثم اختفت بشكل غريب، مثل السحر، ثم دارت بي الدنيا من حولي وألقتني على الأرض، فاستيقظت فزعة في الصباح. وكان الجو غائما عكرا والسحب سوداء غاضبة، وكأنها تريد قتلي وانتزاع قلبي من مكانه. ركضت إلى أمي مسرعة، فقالت لي: "لا بأس، كل شيء على ما يرام. لا تخافي يا عزيزتي، اقتربي." حضنت أمي وأنا في غاية الأسف على ما قلته لمنى الحياة، فقد كان كلاما قاسيا جدا.

****

ذهبت منى الحياة وتركتني وحيدة لفترة طويلة. لم أستطع الصبر. إنها الحقيقة، لقد اشتقت إليها كثيرا. وكلما أنام أتمنى أن أحلم بها من جديد. جلست أفكر فيها وفي ذلك اليوم، وأتذكر صوتها العذب وابتساماتها الرقيقة ووجهها المشع نورا عجيبا. لم أستطع النوم، فقررت أن أرسل لها رسالة تعبر لها عن أسفي الشديد لما قلته لها، فكتبت قائلة:

بسم الله الرحمن الرحيم

إلى صديقتي الوهمية ورفيقة حلمي التي طال انقطاعها عني: منى الحياة.

أرسل لك رسالة مع عصفور حبي، وأرسل لك وردة حمراء لتعبر لك عن مدى الحب الذي يكنه قلبي لك. أحببت فيك هدوئك الرائع، وصوتك الشجي. أحببتك لا أعرف كيف. ولكن المهم أني أحببتك بشدة، كل صباح ومساء، كل لحظة في حياتي، كل همسة، كل كلمة. أنت معي دوما يا ينبوع أحلامي.

أعتذر لك يا منى الحياة لما بدر مني اتجاهك، فلقد أصبحت الدنيا سوداء من دون لقاك.

أكتب لك عن أسفي وحزني والدمع ينزل من عيني، والقلب ينبض بالحب والوفاء لك يا غالية.

أخذت قلبي النابض بعيدا عني، وقلت كلاما لا يعقل عن الأحباب، سحرت عقلي الراجح بابتسامتك، وسرقت ضحكتي الحلوة من شفاهي.

أما حان الوقت كي تعودي إلي. أما حان الأوان كي تكوني صديقتي الحقيقية.

أرجوك عودي يا صديقتي الوهمية.

سارة

نظرت حولي لبرهة ثم أطفأت الأنوار، ونمت على سريري وأنا أحتضن رسالتي لها بقوة. ثم سبحت في بحر الأحلام. كنت في مكان واسع جدا، والجو كان باردا للغاية، إلى درجة أنني لم استحمل تلك البرودة القارصة، فصرخت بأعلى صوتي: "ساعدوني." جاء شخص من خلفي وغطاني بغطاء ثقيل دافئ. تحركت إلى الخلف كي أرى ذلك الشخص الذي ساعدني، وأشكره.

نظرت، فرأيتها. نعم: منى الحياة. كانت تبتسم لي وهي في غاية الفرح والسرور.

حضنتها بشدة، وقلت لها: "اعذريني صديقتي وسامحيني، فلبعدك طعم مرير وألم شديد. لا تفارقيني ثانية."

قالت لي منى: "سامحتك، فلقد أعجبت كثيرا برسالتك. أحسست أنها نابعة من القلب."

وقفت مذهولة ومندهشة. قلت لها: أتقصدين رسالتي هذه" هل قرأتها؟

فردت قائلة:

"نعم إنها رائعة، وأعدك من الغد سأكون صديقة حقيقية، وليس فقط صديقة وهمية."

تعجبت من كلامها. لكنني كنت في غاية السعادة لرؤيتي منى. فهي صديقتي الوحيدة التي على يديها تعلمت الحب والأخوة.

استيقظت في اليوم التالي وأنا في غاية السرور لتمكني من رؤية منى الحياة في حلمي من جديد. ذهبت إلى المدرسة سعيدة ووجهي باد عليه الفرح. دخلت الفصل وجلست في مقعدي، ثم دخلت علينا الأستاذة حسناء وقالت:

"اليوم ستنضم لنا صديقة جديدة وطالبة مهذبة، فأحسنوا استقبالها."

دخلت تلك الطالبة، وبنات الفصل جميعهن ينظرن نحو الباب كي يرينها. فلم أستطع رؤيتها إلا عندما قمت من مكاني. وإذا بها منى الحياة. نعم إنها هي. لم أصدق نفسي. هل ما زلت أحلم؟ كيف استطاعت الخروج من منامي والقدوم إلى مدرستي؟ أليست وهما من أوهامي؟ تساؤلات تلف بعقلي. لم أنتبه إلا عندما قالت الأستاذة حسناء لها:

"اذهبي يا منى واجلسي بجوار سارة. المكان خال هناك."

تقدمت نحوي بوجه أبيض جميل، وابتسامة رقيقة، وخصال نازلة على وجهها لتضفي جمالاً أكثر عليه. جلستْ بجواري، وجلستُ أنا أيضا، ولا أعرف ماذا أقول لها.

انتهت الحصة الأولى، والتف حول منى جميع الطالبات ليتعرفن إليها، وأنا في حيرة شديدة مما حصل. نظرتْ إلي من بعيد ثم تركت جميع التلميذات الأخريات، وقالت لي:

"اسمي منى الحياة. ما اسمك؟"

قلت لها بخجل: "أنا سارة. سعدت بلقائك."

سلمت علي وابتسمت لي ابتسامة عريضة ممتلئة بكل معاني الحب والحنان.

في الساحة لم أجد زميلة أسير معها، فوجدتها من ورائي تقول:

"هل يمكن أن أرافقك اليوم؟" وبسرعة كبيرة قلت لها: "بالتأكيد."

عرفت من كلامها أنها انتقلت حديثا إلى البلدة ومعها والداها، فهي البنت الوحيدة لهما (مثلي تماما)، ولقد كانت متفوقة في مدرستها القديمة ومن الطالبات المتميزات.

في لحظة قررت أن أخبرها بأنها تشبه صديقتي الوهمية التي في حلمي. لكن سبقتني هي قائلة:

"لقد رأيتك في منامي تلعبين معي دوما. وكل يوم أراك في أحلامي."

قلت لها: "نعم. وأنا كذلك، كنت وما زلت أحلم بفتاة تشبهك كثيرا واسمها مثل اسمك. إن هذا الأمر غريب فعلا."

أصبحت صديقة مقربة جدا من منى الحياة الحقيقية، واختفت منى الحياة الوهمية من أحلامي. وفي النهاية لا أعرف هل منى الحياة الوهمية هي الحقيقية، أم أنها فتاة، ومنى الحياة الحقيقية فتاة أخرى؟ ولكن الأهم من كل هذا أنني وجدت الصداقة التي كنت أبحث عنها منذ زمن بعيد.

وإلى منى الحياة الوهمية أرسلت الكلمات التالية:

أبعث لك كل حبي واحترامي يا من علمتني الحب والوفاء، وزرعت في قلبي الأمل وعدم اليأس، وجعلتني أحس بالأخوة والصداقة التي كنت افتقدها دوما. أشكرك جزيل الشكر يا صديقتي الوهمية العزيزة على قلبي، ولن أنساك أبدا ما حييت.

D 1 تموز (يوليو) 2007     A ندى الصباح     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  اتفاقية جنيف: أسرى الحرب

2.  التطبيع عن طريق الفن

3.  رجل الشاي

4.  رسائل ليست للنّشر

5.  منازلة


القائمة البريدية