جعفر أمان - السعودية

تتويج حب


همست له متسائلة وهي على سرير المستشفى:

"هل ما زلت تحبني؟"

أجابها:" أكثر من ذي قبل."

"حتى مع هذه الحروق على جسدي؟" مواصلة تساؤلها.

قال لها: "نعم، لأن هذه الحروق هي تتويج جديد لمدى حبي لك، وتأكيد على أن ما يجمعني بك هو جمال الروح قبل أن يكون جمال الشكل أو الجسد."

أغمضت عينيها وكأنها تود أن تغلق الأبواب والنوافذ على هذه الكلمات، لتظل حبيسة سمعها وروحها وقلبها وجسدها. أغمضت عينيها وعلى الفور قفزت لذاكرتها تلك الحادثة التي لا زالت مسيطرة عليها.

تذكرت كيف أنها كانت تجهّز ما تبقى من أطباق لتزيّن بها سفرة إفطار اليوم الثاني من شهر رمضان. كيف أنها تسابق الزمن قبل أن يعود حبيبها من صلاة الجماعة في المسجد، ليتناول معها ومع ابنيهما الإفطار، بعد انقضاء صيام ذلك اليوم. وما أن دلف للبيت وبارك لهم توفيقهم لصيام ذلك اليوم، حتى جلس إلى جوار ابنيه وبدؤوا في تناول الأكل بعد أن شربوا قليلا من الماء. وما هي إلا لحظات حتى سمعوا انفجاراً هز البيت ووصل لمسامع الجيران.

قفز دون وعي أو شعور مسافة فاق فيها أبطال العالم في هذه المسابقة. رآها ترتجف والشظايا تملأ جسمها، وخاصة ذراعيها، وشيئا من وجهها وشعرها على أثر انفجار الغاز، وتناثر الزجاج الأمامي للفرن عليها، حيث تمكنت من حماية باقي جسمها من الإصابة، حين لجأت إلى المخزن القريب من المطبخ الخارجي الذي كانت تعد فيه الأكل.

احتضنها قبل أن تخر أرضاً وهي تبكي، تصرخ، تتألم، وعيون ولديها الخائفين ترقبها. وقلبه المضطرب يملأه الخوف: الخوف عليها والخوف من فقدها. صور كثيرة مرّت أمامه وهو يحاول انتشالها من الأرض. فقد الإحساس بالمكان والزمان. أصبح لا يرى إلا هي وكأنها محور الكون. هداه تفكيره وسط هذه الأمواج المتلاطمة في ذهنه إلى الاستنجاد بوالدته وشقيقتيه. ثم صحبها برفقة إحدى شقيقاته إلى الطبيب وهي في حالة يرثى لها.

شهد المستشفى استنفاراً فور دخولها. تم استدعاء الطبيب الأخصائي. بعد فترة انتظار صعبة عليه أمام باب الغرفة، خرج الطبيب، ربت على كتفه ثم قال له:

"الحمد لله، الإصابة ليست بالغة لكنها بحاجة إلى وقت وصبر. وستعتمد طول فترة العلاج على طبيعة جسمها، وتقبل جلدها للعلاج، إلى جانب الدعاء لها حتى تشفى."

فتحت عينيها المغمضتين على قبلة منه على جبينها، ولمسة حانية على يديها، وكلمات ذات طعم رائع على مسامعها:

"حمداً لله على سلامتك، وتأكدي أن حروقك هذه شهادات مصدقة على أن وهج حبك في قلبي يزداد اشتعالا يوما بعد يوم."

ابتسمت له، فبادلها البسمة. ثم طبع قبلة أخرى على جبينها، وظل ممسكاً بيديها حتى تمكّن المخدر منها، واستسلمت للنوم.

D 1 آب (أغسطس) 2007     A جعفر أمان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  عن لوحة الغلاف

2.  الــغائــب

3.  مواعيد للعدد القادم، 26

4.  سمير درويش: ديوان جديد

5.  مجلة الآداب: عدد جديد


القائمة البريدية