عدلي الهواري

كلمة العدد 65: عن التاريخ

عدلي الهواريما هو التاريخ؟ هذا سؤال يُطرح دائما وتجري محاولات لتعريفه. اعتباره سلسلة من الأحداث، أو سردا لها، أمر لا يقبله المهتمون بدراسته. وهناك أيضا رفض لفكرة أن التاريخ يعيد نفسه. آخرون يرون أنه إذا أعاد نفسه، تكون الإعادة على شكل مهزلة، لا نسخة طبق الأصل عن الحالة الأولى. وفي تصور كارل ماركس فإن الثورات هي محرك التاريخ.

وتنسب للتاريخ أشياء كثيرة، فهو مثلا "لا يرحم"، أو يقول كلمته أو يبرهن أو يعلّم. وللتاريخ أيضا سلة مهملات، وبفعل الترجمة إلى العربية أصبحت السلة "مزبلة"، وهذه يحتاجها التاريخ أكثر من سلة المهملات التي لا يمكن أن تتسع إلى شخصية واحدة تستحق هذا المآل.

وبعض الأحداث توصف بأنها تاريخية للتأكيد على أهميتها، وضمنا هذا يعني أن أحداثا أخرى غير تاريخية، فهل لمثل هذا التصنيف أساس علمي؟

المهتمون بفهم ماهية التاريخ حاولوا اكتشاف القانون العلمي الذي يؤدي اكتشافه إلى حساب مواعيد الثورات مثلا، مثلما تؤدي القوانين العلمية إلى حساب الزمن الذي تحتاجه سيارة لقطع مسافة معينة بسرعة معينة، فالسيارة سوف تحتاج إلى ثلاث ساعات إذا كانت المسافة 300 كيلو متر وسارت بسرعة مئة كيلو متر في الساعة.

وجود علاقة بين بعض المفاهيم أو الأيدولوجيات والعلم ظاهرة معروفة أيضا. هناك ما عرف بالاشتراكية العلمية، وعندما تقرن الاشتراكية بالعلم فالغاية التأكيد على تميزها عن اشتراكيات أخرى، وربطها بالعلم يهدف أيضا إلى القول إنها منزهة عن الأهواء والأخطاء.

هناك حكمة تقول "دوام الحال من المحال". وبناء عليها، يمكن اعتبار كل إنسان كان يعلم بهذه الحكمة ومقتنعا بها مبشرا بالثورات العربية التي حدثت وتلك التي قد تحدث بعد قرون.

ولكنْ هناك فارق كبير بين قانون علمي ومجرد حكمة، فعندما نقول "دوام الحال من المحال" لن يقبل أحد بأن هذا قانون علمي لأنه لا يعطينا موعدا محددا لتغيير الحال. أما القانون العلمي فيمكن من خلاله أن يُحدد موعد التغيير.

لا أملك تعريفا للتاريخ، وأتحدث عنه كما يجري على لسان الناس. ومع أن استخدام المصطلحات بدقة مفيد، ومن سمات النهج العلمي، إلا أن تعريف المفاهيم وإعادة تعريفها، مهمة فكرية لا تتوقف، ولكنها أيضا لا تزيد من وضوح المصطلح دائما. إنني أتحدث عن التاريخ بالوضوح والغموض اللذين يكتنفان المصطلح.

في كتاب عن قضايا الترجمة قال المؤلف الراحل أندريه لافيفر ( 1972: ص 37): "إن التاريخ لا يبرهن شيئا." وقد اقتنعت بذلك منذ قرأت هذه العبارة وشرحه لها، فالأحداث "التاريخية" المختلفة لا تقودنا إلى استنتاج واحد يجعلنا نتنبأ المستقبل في ضوء ما جرى في الماضي. وهذا أيضا يعيدنا إلى نقطتي: هل يوجد قانون علمي يحكم التاريخ؟

الإجابة عن هذا السؤال وجدتها عند الفيلسوف النمساوي الأصل، البريطاني الجنسية، كارل بوبر (1962)، الذي انتقد أنصار ثلاث نظريات في ثلاثة ميادين، وهي التفسير الماركسي للتاريخ، والتحليل النفسي الفرويدي (نسبة إلى فرويد)، وعلم النفس الفردي. ويشير بوبر إلى تجربة شخصية مع ألفرد أدلر، الشهير في ميدان علم النفس الفردي، وكان يعمل مع الصغار والشباب في مراكز الإرشاد الاجتماعي في أحياء الطبقة العاملة في فينا. وقد ذكر بوبر لأدلر حالة صبي، فبدأ أدلر يحللها وفق نظريته في علم النفس الفردي المستندة إلى مشاعر النقص. وقد حلل الحالة دون أن يعاين الصبي.

وينبه بوبر إلى خلل في تفكير مطلقي صفة العلمية على بعض النظريات، فلأنهم أقنعوا أنفسهم بالصفة العلمية للنظرية فهم يشاهدون الأدلة على صواب وجهة نظرهم كل يوم. ولكنه يستنتج أنه لا يوجد قانون علمي يتحكم بالتاريخ. والنبوءات، إن صحت، أمر مختلف عن الوصول إلى استنتاج بناء على قانون علمي كما في مثال السيارة في المقدمة.

يؤكد غياب قانون علمي يحكم حركة التاريخ أنه (التاريخ) يفاجئنا دائما، ويفاجئ من يزعمون أنهم علماء في التاريخ. من الأمثلة التي فاجأت "العلماء" سقوط نظام الشاه في إيران، وثورة الشعب الفلبيني على الجنرال ماركوس، وانهيار الاتحاد السوفييتي، وحدوث ونجاح أول ثورة عربية في تونس، والأمثلة عديدة.

ومثلما لا يوجد قانون علمي يحكم حركة التاريخ، فإن التاريخ أيضا بريء من إصدار الأحكام. "التاريخ هو الناس،" كما قال لافيفير في كتابه عن قضايا الترجمة.

لو اختلف الناس اليوم على أمر، هل سينتظرون رأي التاريخ فيه؟ كيف يفعل التاريخ ذلك؟ وأين؟ ولو صدر حكم التاريخ على أمر بعد مئة سنة من حدوثه، هل سيقبل بحكمه المختلفون في الرأي؟ لا طبعا. ما اختلف عليه الناس في الماضي استمر خلافهم عليه بعد قرون. ولكل إنسان رأيه.

ومثلما لا يبرهن التاريخ شيئا، فهو أيضا لا يعلم شيئا، وإن كان معلما حقا فتلاميذه –البشر- لا يهتمون بشرحه ويفضلون اللهو على متابعة محاضراته.

وعندما يكون حكم البشر على البشر واضحا وقاطعا يهرب المحكوم عليهم حكما سلبيا إلى التاريخ دائما، ويفعلون ذلك وهم واثقون (وواهمون) أن الحكم سيكون لصالحهم.

مع أطيب التحيات

عدلي الهواري

الأسماء الأجنبية المذكورة في الكلمة بحروف لاتينية

(1) André Lefevere. (2) Karl Popper. (3) Karl Marx. (4) Sigmund Freud. (5) Alfred Adler.


نسخة من المقال للطباعة نسخة للطباعة

forum

موقع مجلة «عود الند» موقع ثقافي تعليمي لا يهدف إلى الربح، وقد تنشر فيه مواد محمية الحقوق وفق القوانين التي تسمح بالاستخدام العادل لهذه المواد، وستتم الإشارة إلى اسم المؤلف والناشر.

إعــادة نشر المــواد المنشورة فــي «عـــود الــنــــد» يتطلب الحصول على موافـقــة مشتركة من ناشر المجلة والكاتب/ة. جميع الحقوق محفوظة ©

خريطة الموقع | باختصار | إحصاءات الموقع | <:عدد الزيارات:> 3043943

موقع صمم بنظام SPIP 3.1.4 + AHUNTSIC