بشير عمري - الجزائر

سوبر ستار


=1=

أصرّ النزلاء على أن ُتقرأ كل الرسائل الواردة إليهم علنا، وأن يطلع الجميع على مضامينها، فكما قال أحدهم: "كلنا في الهوى سوا، وفيم أفادت الواحد منا أسراره الخاصة خارج هذه الأسوار؟ هل منعته من السقوط فيما بينها؟" وقال آخر: "محرومون من أخبار الخارج فلنستأنس بأخبار رسائلنا." حينما أتى دوري كنت مستعدا لأن أقرأ عليهم الرسالة التي بعثت بها إليّ من باريس، خطيبتي اللبنانية ريتا التي طاوعتها في موضوع التبني، بل وعلى استعداد لأن أحكي لهم ما لم تقله الرسالة أيضا.

وما إن وصلت إلى الفقرة التي تخبرني فيها بقرب حصولي على جائزة "الأبوة المثالية"، حتى علت صيحات وتهاني النزلاء معي، هذا يربت على كتفي وآخر يحاول حملي على كتفيه وذاك يردد في مسمعي:

"ألم أقل لك في اليوم انضمامك الأول إلينا، أن السجن دوما للرجال؟"

خبأت الرسالة في جيبي بعد إذ طويتها ورحت أقص عليهم فصول تلك الأزمة، ولم أشأ أن أبدأ من تلك الليلة البيضاء التي قضيتها بجنبه على السرير، فابتدأت من اللحظة التي قال لي فيها الدكتور إيمي، مسؤول قسم أمراض المعدة والجهاز الهضمي وأنا أمامه مشوش بمصلحة استعجالاته أسائله في قلق وغم عن حالته:

"لست أدري الآن. ربما ثقب بالمعدة بسبب ارتفاع في نسبة الحموضة نتيجة قلق أو انزعاج. أحدث مشكل ما بالأسرة هاته الليلة؟ على كل سنجري له تحليلات للبول وأشعة الراديو وسنرى."

وبالمرة سألني عم يفعله حاليا في الحياة. قلت له:

"طالب في معهد التمثيل."

"أين؟ هنا بباريس؟"

قلب الشفة السفلى في تعجب، ثم طلب إليّ وثائقه الثبوتية، كوثيقة التبني، وكذا التأمين وتقريري اليومي عن غذائه، ليسألني بعد ذلك عن سبب لجوئي إلى تبنيه: أهو من عقم أخشى أن أكون مصابا به؟

قلت له إنها لم تكن رغبتي بل هي رغبة ريتا خطيبتي اللبنانية، فهي قد اشترطت أن نؤخر موضوع الإنجاب بعد أن نتزوج بباريس لبضع سنين حتى تطيل ما وسعها ذلك من عمر رشاقتها البدنية. وألمحت إلى بدائل غير بشرية ففهمت أن علينا أن نتبنى كلبا غير عربي، فكل الكلاب العربية اليوم متوحشة جاهلة بأسس الاندماج الأسري مهما أظهرت من تحضر. احترت من يومها وأنا في باريس في نوع الكلاب الاندماجية إلى أن أعجبني مظهر فصيل هو أشبه ما يكون بالسلوقي، يقول خبراء الكلاب إنه من النوع الذي ينبغي تدريبه في مرحلة مبكرة.

قال لي الخبير بعدما استمع إليّ باندهاش وهو يفحص سمرتي مليا بنظراته الحادة:

"في الحقيقة وددت لو أنكما أرجأتما عملية تبني الكلب إلى ما بعد إنجابكما. هكذا تكونان وقتها قد اكتسبتما تجربة التربية على طفلكما، فنطمئن بدورنا نحن بالتالي على إمكانية نجاح ذلك مع الكلب."

=2=

عاد الخبير بذاكرتي إلى أيام الطفولة حين طلب مني أن أروي له أولى تجاربي مع تربية الكلاب، إذ ذكرت اللحظة تلك التي أتاني فيها صديق لي بجرو، فأحببته بكل براءة إلى حد صرت فيه أقاسمه نصيبي من اللحم الذي كنا نأكله مرة كل خميس. لكنه ما كان وفيا معي بالقدر الذي أستحق، فهجرني وهرب بحلول الأزمة النفطية العالمية الثانية.

سألني في خبث: "هجرك أم طردته؟ أم تراك قتلته خشية إملاق؟ العرب قتلوا قبل النفط صغارهم خشية إملاق. وها هم بعده يقتلون كلابهم. من أي فصيل كان؟ أكان من الفصائل الراقية؟"

"لا علم لي بفصائل الكلاب. المهم أنه كان عربيا. لا تمييز عنصريا أو طبقيا في عالم الكلاب لدينا. الكلاب العربية غير مقسمة فيما أعرف، فهي كلها كلاب وفقط، ولها نفس الحقوق.

"أي حقوق؟"

"الحق في التسكع بحرية في الشوارع من دون قيد أو رسن من الإنسان على رقابها، مثلما هو الحال في شوارع باريس."

تعجب كثيرا الخبير صاحب المكلبة من كلامي ثم أخذني إلى مكتبه الوثير. استثارتني الملصقات الكبرى على جدران المكتب. هذا بنظارات شمسية غالية القيمة. وذاك بمعطف من الفرو النادر مع رفيقته في أعلى الجبال الثلجية يلهثان من شدة المتعة. قال لي إنهم أهم أبناء المكلبة الذين نالوا شهرة عالمية بعد إذ تبناهم المشاهير. ثم قدم لي استمارات وثائق عدة فذهلت لذلك فتذكرت أن امتلاك الكلاب عندنا في البلاد العربية لم يزله عرفيا ولم يغدو بعد حالة من الحالات المدنية.

ثم زاد وطلب إليّ أن أملأ مجموعة أخرى من التصاريح أتعهد فيها بشرفي بتوفير العيش الكريم للكلب وأن أرفق به. أن يأكل ما يشم وينام آناء الليل وأطراف النهار. ويحمى من الافتراس ومن كل أشكال الضرب والعض والإكراه. وإياي ثم إياي من حرمانه المتعة الجنسية وإلا عرضت نفسي لحكم القانون كسحب الجنسية التي ستمنح لي مباشرة بعد الانتهاء من إجراءات التبني، حالما يصادق على هذا القانون البرلمان، حيث هو عاكف على دراسته تلك الأيام.

الكلاب ممتعة عندما تربى وتؤدب ويجب أن يأخذها يوميا إلى روضة الجري مربون متخصصون. قال لي وهو ينصحني في الأخير، لأني صرت واثقا أن الكلب سيحظى بامتياز النوم بيننا على السرير العربي الوثير بعد أن لمست حجم تعلق خطيبتي ريتا به، وسيسبقني بلسانه إلى وجنتيها فيلعق تبرجها ولن يفضل لي منها بعده إلا شخيرها.

=3=

قبل أن نحتفل بتبني الكلب اختلفنا حول تسميته، ولأول مرة أجد الجرأة على معارضة بعض من رغبات ريتا، فهي تود له اسما عربيا بينما أرفض أنا ذلك، وأحرص على أن ينسب لأهله. امتعضت وتحججت بأنه لم يعد للكلب بعد إذ تبنيناه من أهل غيرنا، وأنني أريد أن أخلق له أزمة هوية قد تعقده طوال حياته، فهو سيعيش بيننا، يأكل أكلنا وينام بيننا ويسمع لغتنا ونسميه اسما بلغة الآخر. هذا لا يليق. ثم سألتها عن معنى اسمها العربي Rita. استشاطت ريتا غضبا من سؤالي وصاحت في وجهي:

"أوددت لو سميت شهرزاد، أو دنيا زاد أو أماني زاد؟ تلك أسماء عتيقة والعرب لم يطوروا لغة أسمائهم.

وانسحبت من الحوار لتركتني وسط قلق نفسي رهيب من هزة قد تتسبب في انهيار علاقتنا ومشروع زواجنا نهائيا، فالزواج بـريتا بالنسبة لي هو إنقاذ لما تبقى إنقاذه من عمر أبيض ليس عليه أثر الإنسان قط.

ثم فكرت. ربما كانت ريتا على الحق، فن تطوير الأسماء حقل كغيره من حقول الموضة ظل مجهولا لدينا، فهي تسعى إلى تجربته على حيوان، والحيوانات أولى حقول التجارب العلمية.

ريتا فنانة مسكونة بشبق الجمال إلى حد أن تخصصت في جراحته على الإنسان بإحدى كليات باريس. أنا أيضا عشت فترة صباي وبعض من شبابي معقد من الاسم الذي منحنيه أبي، قالت لي أمي ذات مرة وأنا ألومها على قبولها يومها به وعدم استماتتها في درئه عني، أن تسمية المولد حق للأب فقط ومن خالص صلاحياته.

"أراد أبوك أن يسميك باسم جدك فوجد عمك قد سبقه إليه، فسأل عن اسم والد جدك فوجد ابن عمه أيضا قد سبقه إليه، فسأل عن اسم جد جدك الذي قيل إنه كان آخر المقاومين مع الأمير عبد القادر الذين استسلموا وسلموا أسلحتهم للغزاة الفرنسيين، فألفاه متوفرا فمنحك إياه."

كيف نسيت ذلك في غمرة الجدال؟ حقا ما أغباني! ناهضت وأنا صغير إرادة أبي وغرمت بتربية الكلاب، ولاسي السابعة أسميتها كذلك لأنها كانت السابعة من بين أخواتها اللواتي اكتسبتهن. كانت مطيعة وديعة، عيبها الأوحد والأكبر شراهتها الحادة للجنس. أرهقتني بالتنقيب عن الكلاب فيما بين شوارع وأزقة المدينة حتى أشبع نزواتها وشهوتها. وصرت أفهم طلباتها من خلال تبديلها الوقتي لنغمة عوائها الخافت كالأنين، فهو الرغبة بل الوجبة الجنسية. وكلما صدر عنها أطلقت أنا الآخر العنان لحاسة شمي فأهرع إلى عين المكان لأنصب شراكا للكلب المار بالقرب من البيت فأصطاده واهديه لها لتمضي ليلتها.

=4=

شيئا فشيئا راحت ريتا تنشغل عني وعن موضوع زواجنا بالكلب ومستقبله، فأرادت له أن يمتهن التمثيل وأن تجعل منه نجما سينمائيا، لذا ارتأت أن نسجله بأحد المعاهد لتدريب الممثلين. فرحت بالفكرة ورحبت بها فقط لكونها ستجنبني عناء وأعباء تجربتي السابقة مع مجون الكلبة العربية وشبقها العالي المرهق. لن أضطر للبحث له عن كلبات في أزقة وشوارع باريس والضاحية، فمؤكد أن نجوميته ستجعله مطاردا من قبلهن لا العكس. عدنا فاختلفنا حول الأدوار التي تليق بشكله. ريتا تريد له أدوارا غرامية على شاكلة ما يحدث بهوليوود، وتحتج في ذلك بوسامته. بيد أن تأثري بالمدرسة الواقعية جعلني ألح على الأدوار البوليسية كتعقب السرقات في الأسواق الشعبية المكتظة والأدوار الكارثية كالبحث عن الجثث تحت ركام الأنقاض في الزلازل والتفجيرات الإرهابية. وبالمرة أخفيت الاسم الفني الذي ارتأيته له إلى مناسبة أخرى قادمة، إذ لا ريب في الجدال مع ريتا.

=5=

وفي الغرفة رقم مئة بفندق السفير القابع بالواجهة البحرية حيث اعتدنا نحن الثلاثة الإقامة كلما حللنا بالجزائر العاصمة لتمضية قسطا من عطلة الصيف، ضايقنا المعجبون من الشباب كثيرا وحاولوا التسلل إليها واختطاف كلبنا وأخذه لإقامة علاقات جنسية مع كلباتهم بقصد فرنسة سلالاتهم، فخشيت عليه ريتا من أمراض قد تصيبه. كما وأنه لم يزله صغيرا عن الجنس ولما يبلغ بعد عمر المراهقة، مثلما تقول، فصوبت بأمرها بندقيتي نحو أولئك المعجبين. ولما رأيت إصرارهم على مخططهم وعدم أخذهم لتحذيراتنا مأخذ الجد أطلقت النار من نافذة الغرفة على أحدهم فأرديته قتيلا.

تدخلت عناصر من قوات الأمن فورا فاعتقلتني والكلب معا. وفي الصباح وبعد تدخلات واحتجاجات من أعلى المستويات بفرنسا تم الإفراج الفوري عن الكلب حيث أصبح سوبر ستار وسائل الإعلام، بينما أنا وبعد يومين من ذلك أعلنت بعض المنظمات الحقوقية في باريس عن فوزي بجائزة "الأبوة المثالية" جزاء إنسانيتي ورفقتي بالبندقية على الكلب الفرنسي ذي الاسم العربي. واستنادا إلى تقرير بيطرية باريس الكبرى وقسمها الخاص بأمراض المعدة والجهاز الهضمي، تسلمت الجائزة نيابة عني خطيبتي اللبنانية ريتا حيث أشادت بتضحياتي.

وفي الوقت الذي طالبت فيه تلك المنظمة من حكومة بلادها بالمناسبة بذل المزيد من الجهد ليطلق سراحي، نشرت صحف الصباح أنها فعلت العكس، إذ بادرت إلى سحب الجنسية مني، وأعربت عن تأييدها للحكم الصادر ضدي لكوني خالفت تعليمات خارجيتها وخاطرت بحياة الكلب فرنسي، حين اصطحبته معي إلى إحدى مناطق النزاعات الدامية.

D 1 أيلول (سبتمبر) 2007     A بشير عمري     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  كاريكاتير: ع 15

2.  العنف ضد النساء: مؤتمر

3.  حفنة أخبار

4.  مواعيد للعدد القادم، 50

5.  شهادة ماجدة أبو شرار


القائمة البريدية