مـــرام أمـــان اللّـــه - فـلـسـطـيــن

أمسيات تميمية (1)

ملف: تحقيق أدبي خاص


سبقته حروفه إلى وطنه

أمسيات الشاعر تميم البرغوثي في فلسطين

النقل عن عود الند ممنوع بدون إذن مسبق

زار الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي في النصف الثاني من شهر أيلول/سبتمبر الماضي عددا من المدن الفلسطينية في الضفة الغربية اثر انتهاء مسابقة أمير الشعراء التلفزيونية، التي انتهت بحصوله على المرتبة الخامسة خلافا لتوقعات محبيه، وخاصة في فلسطين، التي هب أهلها على اختلاف ميولهم السياسية لتشجيعه والتصويت له ليحصل على لقب أمير الشعراء. وتقديرا من الشاعر للتأييد الذي ناله من الشعب الرازح تحت الاحتلال، زار الضفة الغربية وأقيمت له أمسيات ولقاءات في كل من رام الله، ودير غسانة (قرية آل البرغوثي)، ومخيم الدهيشة (بيت لحم)، ونابلس، والخليل، وأريحا، وجامعة بير زيت. مرام أمان الله تابعت الجولة، وحضرت اثنتين من الأمسيات، والتقت الشاعر. وأعدت التقرير التالي الخاص بعود الند.

مرام أمان اللهسبقته حروفه إلى وطنه، فتغنى الناس بشعره قبل أن يروه، حتى أنك بت تسمعه بواسطة الشرائط المسجلة أينما اتجهت في الأسواق، وأماكن التجمع العامة، فقصائده أضحت جزءا من الجو المحيط عند التغلغل في الجموع، على اختلاف أعمارهم وثقافاتهم وحتى انتماءاتهم السياسية. فقد أصبح هذا الشاعر الشاب، تميم، القضية التي اجتمع عليها الشعب الفلسطيني بكل فصائله وانتماءاته، في وقت عمّت به الفوضى التناحرية، وتفرق فيه القوم غاضين البصر عما يترصد بهم خلف الجدر.

أبدا لم يكن يعنى بتحديد جمهوره في فئة أو فصيل، فقد بث رسائله التي تنطوي على فلسفة تنم عن فكر عميق وثقافة متراكمة بسلاسة متناهية، كنسيم الصيف لا يستأذن وقت الحضور. فقد بسط المفاهيم، وشرحَها كما مهندس جيني يعيد ترتيب الشريط الوراثي، لينتهي بتركيبة جينية جديدة مذهلة، يقدمها بأسلوب يغازل الرغبة في المتلقي، ليسرق منه حواسه إلى أن ينتهي النص، ثم يلقيها حرة، فتبقى بمحض إرادتها. فالشعر كما الحمام الزاجل يحمل رسائل ينثرها في هذه الدنيا على ترامي نهاياتها، فإن لم تصل الرسائل إلى الخلق فلا داعي للحمام أن يروح ويأتي. فقد مقت شعرا يتعمد فيه صانعه إلى تصعيب النص على المتلقي، وتعجيزه عن فهمه في محاولة لإثبات فخامة النص وعمقه. لغة لا تعقيد أو استعراض أو تكلّف فيها.

كل ذلك كان قد حط رحاله في قلوب وعقول الناس قبل أن تطأ أقدام الشاعر أرض فلسطين، وطنه الذي غاب عنه سنينا، وما غاب عن باله لحظة. رحلة لم تتعد الخارطة المقطعة الأواصر بالجدار الملتف على أحلام العاشقين يحاول عبثا اغتيالها، فقد يمنع التلاقي على التراب، لكنه لا يستطيع حجب الهواء، فالأنفاس واحدة. وحواجز بعدد المارين عليها، تجتازها تارة، وتردك عن المسير ألفا. حط هذا الطائر الحرّ المتمرد على كل أبطال الروايات الخرافية، غير آبه بسطوة السلطان الذي كنا نسميه "الغول" في الحكايات القديمة، حاملا في جعبته أسرار القدم المحدث، آلام المسيح وآثام التاريخ.

دعوة لأمسية شعرية: تميم البرغوثيمن رام الله كانت البداية. انطلق تميم محلقا في سماء فلسطين، باعثا صوته مغازلا كل أنحائها،

فإنه "لا بُدَّ من قَمَر يَسْهَرُ الليلَ
حتى وإن كانَ فيها مَغُولْ"

فمن الشمال إلى الجنوب، ومن الجنوب إلى الشمال إلى الوسط، يمشي متنقلا على الخريطة المجزوءة، كما الفراشة تترك في كل زهر قبلة. وفي كل مرة مارا بمحاذاة السور المحتل الذي يفصل القدس عن باقي أشلاء الوطن، حيث لا سبيل إلا لإلقاء التحية من بعيد.

مشهدٌ سمعت تميم يعبر عنه بدهشة ولوعة في آن، إذ تفاجأ الشاعر وقت مروره من بلدة أبو ديس قاصدا مدينة بيت لحم بمشهد لقبة الصخرة، والتي تظهر واضحة من خلف الجدار العنصري، حيث يقول تميم: "إنه خيل إليّ أنني بسهولة وبقفزة واحدة أكون قد وصلتها." لكنها تظهر بصريا خلف السور مباشرة ولأنها واقعة على تلة جعلت إدراكها بالعين ممكنا، فإنه يكتمل المشهد. وكأن طوبوغرافية المكان تغافلهم من جديد لتجعل محاولاتهم في الفصل هباء منثورا.

الشاعر تميم البرغوثي والكاتبة مرام أمان اللهفي رام الله احتشد المئات، وحتى آخر لحظة كانت الأخبار تتناقل بين الجموع توجسا، تبث الشكوك في قدومه، وأن حضوره سيكون عبر الشاشات فقط. إلى أن قطع الشك باليقين واعتلى المنبر على مسرح قصر رام الله الثقافي ليسحب حضورُه الوفود المتدافعة على الأبواب، كطوفان عنيف يغزو الصالة بلهفة، متخذا الأرض والجدران والممرات مواقع ترصد لنجمهم المنتظر. ورغم أن قاعة العرض كانت تغصّ بالحاضرين، شباب وشابات، أطفال ومسنين، إلا أن الصمت كان يخيم عليهم لحظة بدء الشاعر بالكلام. بدأ حديثه بكلمات زادت الناس تسمّرا في أماكنهم، كأشجار غرست في القاعة من ألف عام. قال:

:: أيها الناس

يا أهلي وأحبابي وأعمامي وأخوالي وجماعتي وسنَدي وَحَدِّي وردّي على كلّ ظالِم،

أعود إليكم، شاكرا لكم، محتميا بكم ومتعلما منكم. إن محبتكم لهي الجائزة التي لا فوقها، ومن طلب أكثر من حبكم فقد طغى. وليكن الشكر أولا للأسرى في سجون الاحتلال من كافة الفصائل الفلسطينية بلا تفرقة بينهم، ثم لأهلي في مدن فلسطين وقراها، في القدس، شرقيها وغربيها، وفي الضفة الغربية وقطاع غزة وما وراء الخط الأخضر، وللفلسطينيين في الشتات، وللأهل في العالم العربي كله من أقصاه إلى أقصاه.

أما بعد،

فأنا ولد أتيحت له فرصة مخاطبتكم هكذا وكأنها صدفة، وإني أنتهز هذه الفرصة، بصفتي رجلا فلسطينيا عربيا قبل كوني شاعرا، لأدعو الأهل المتفرقين إلى الوحدة، أيها الناس لنتذكر أسماءنا، إن أحد الفصيلين المتخاصمين اليوم حركة تحرير، والفصيل الآخر حركة مقاومة ولا أجد في اسميهما لفظ حكومة أو حزب حاكم.

أيها الناس إنه لا عدو لنا في فلسطين ولا حليف لنا في إسرائيل. وإني ما كنت أجرؤ على الكلام أمامكم، على عظم شأنكم وقلة شأني لولا ظني أني أقول ما في قلوب أكثركم وأنه لو أتيحت هذه المنصة لأيكم لقال لكم كما أقول.

ثم أقول لكم أننا أقوى بكثير مما نظن، فلننظر إلى أنفسنا، إن عدونا لم يستطع منذ ستين عاما أن يستريح، أراد بلادنا مأمنا فأصبحت أخطر بقاع الأرض عليه، وأراد ألا يرانا فأصبح يرانا حتى في منامه، نحن أقوى بكثير مما نظن، وما تجبر القوم علينا إلا خوفا منا.

أيها الناس، إن كان الشاعر في الزمان الغابر يستأذن الخلفاء في إنشاده، فإنكم أنتم اليوم الخلفاء والأمراء، بيدكم الأمر، لكم العزة والرفعة، أشكركم، وأستأذنكم في الإنشاد:

يا كاتب التاريخ
ما اهتزوا كفينك
ما رمشت عينك
يا كاتب التاريخ
خبرني شو دينك
هذا الكتاب اللي واهب كل عمرك ليه
واللي عم يموت شخص بكل كلمة فيه
مين اللي راح يبقى حتى يقرؤه يا شيخ
ويدفع الأجرة ويسدد عرابينك
يا كاتب التاريخ
خبرني شو دينك؟

وفي مهد المسيح عيسى ابن مريم، بيت لحم، كانت العشرات تنسلّ في هدوء قاصدة أرض مخيم الدهيشة، فقد تنظم أهل المدينة في صفوف تفوق دقتها صفوف العساكر، حتى كان المكان مشتعلا بأشواق أهله قبل موعد الأمسية بأكثر من ساعة.

الشاعر تميم البرغوثيبكينا مع الشاعر كما الشجرة التي بكت لحظة صلب المسيح عليها. في بيت لحم كان المشهد ممزوجا بروح الإله، فقد أرانا تميم حادثة الصلب حية على أرض المخيم. لا أدري لماذا كانت القصيدة باللهجة المصرية.

وكل ما نقول تعبنا، يقول شويا كمان
طالع على الجلجلة بين عسكر الرومان
أهله اليهود سلموه ليهم، وقالوا خان
تعب كريم النسب من قلة الخلان
وفوق كتافه الخشب من شغلت تعبان
شفتو على الجلجلة
وإديا متسلسلة
بالشك والأسئلة
بينادي ليه سبتني يا مكوّن الأكوان
والحربة فضلوعو
لما ارتفع عالصليب ما شفت أنا دموعو
واما نظر للبشر من تحت، دمعو بان
من يومها واحنا بنمشي كلّنا بصلبان
أنا الصليب "شجرة"، فاردة دراعينها
أنا الصليب "خشبة"، فاردة دراعينها
ما أتعس الشجر اللي بيعملوه منها
حدّش سأل إيه شعوري وهو شايلني
عليا دفا، وديني على دينها
هوّ صلبني بجمالو، قبل ما اغتالو
خلّصلي صبري بصبرو علّي يجرالو
وقعت وعتر على الجلجلة نوبتين
حطوه عليا العساكر واليهود شاهدين
الكف عالكف، والرجلين على الرجلين
يميني فيميينو، وشمالي على شمالو
هوّ صليبي، على بعض احنا مصلوبين
أبكي حبيبي وعزابي من عزابو تنين
وصوت من الغيم ينادي ويعلا مسموعو
لا تدمعي يا جرار الزيت على عصرو
ده كل شيئ يجرى لازم يجرى في عصرو
الجمعة للعسكري والسبت للكهّان
والحد للحدّ بين الكفر والإيمان
منقوش على طرف السجادة ليها أوان
يا قدس واللي انهزم قادر على نصرو
واحد عظيم الشان
والصبر طيب، وعيسى عارف العنوان
وكل ما نقول تعبنا، يقول شويا كمان

وعن طريق وادي النار، تاركا أحلام مدينة بيت لحم خلفه، آخذا أضواءها مع هلاله، توجه إلى نابلس، جبل النار.

تسارع الناس في مدينة نابلس تاركين الأزقة والشرفات والجلسات الرمضانية، التي تملؤها أطباق الكنافة الذائبة في أنحاء القطر الملتهب عطشا ليرويها، متوجهين إلى مدرجات جامعة النجاح، والتي اضطر فيها القائمون على هذا التجمع أن يكون المسرح مفتوحا لما حضر من أعداد هائلة أكبر من قدرة المكان على استيعابها.

"صُبّي لعمك يا نـَوَار القهوة" قصيدة استحوذت على أذهان السامعين خاصة وأنهم يسمعونها للمرة الأولى، فقد عرّفهم تميم على عمّ نوار في هذه القصيدة، والذي كان تجسيدا للتاريخ بكل أوجهه: الكريم اللئيم، الغض العنيف، الجزء الكل، القديم الجديد.

ولم تقتصر مفارقاته على ما هو مألوف، فقد انسابت ريشته ترسم الطريف من اللافتات القريبة إلى الأذهان، والبعيدة في آن.

بعض الجوايز تشبه العقوبات
واللهِ في شي عبقري ف حرق الأراضي بنار كده جوة البيوت بتبات
سهتانة مالهاش صوت
واللهِ في شيء عبقري
في العبد يفرس سيده
لما ببساطة يموت

تميم وعد محبيه في نابلس بالعودة الحتمية إلى هذه المدينة العريقة تحديدا، وإلى بلاده فلسطين عامة.

ثم عاد تميم عاشقا يستجدي نظرة حتى ولو من بعيد إلى تلك المعشوقة التي تقضي الليالي في انتظاره، مشتاقة تبعث حنينها من وراء الجدار، القدس.

وبمحاذاة الجدار أيضا، إلى الجنوب، توجه الشاعر قاصدا مدينة خليل الرحمن لملاقاة أهل هذه المدينة الذين عرفوا بكرمهم وعفويتهم المحببة، حيث توجّه إليهم بالتحية:

أيها الناس أنتم الأمــراءُ بكم الأرض والسماء سواءُ
يا نجوما تمشي على قدميها كلما أظلم الزمان أضـاءوا

ثم يمر تميم طابعا قبلته الأخيرة في هذه الرحلة على مشارف القدس التي لم يتمكن من دخولها آملا ذلك في زيارة قريبة ليس يعلم توقيتها، ليلقى مجتمع الشباب من جيله في جامعة بير زيت، جامعة الشهداء، والتي أصرت إلا أن تحتضن هذه الشاب الكهل في حكمته وذكائه.

هناك كان اللقاء مميزا، إذ تفاجأ الشاعر بهؤلاء الشباب الذين سبقوه في الإنشاد، فقد أخذوا يرددون قصيده قبل أن يبدأ هو.

كانت أريحا آخر المحطات في هذه الرحلة الخاطفة. تبادل فيها همه مع الناس الذين ما حضروا إلا لأنهم اتخذوه لسان حالهم في التعبير عما يجول في سرائرهم من حزن دفين وحّدهم معه لحظة عرفوه من خلال تلك الشاشة الصغيرة.

قفي ساعة يفديكِ قَوْلي وقائِلُهْ ولا تَخْذِلي مَنْ باتَ والدهرُ خاذِلُهْ
أَنَا عَالِمٌ بالحُزْنِ مُنْذُ طُفُولَتي رفيقي فما أُخْطِيهِ حينَ أُقَابِلُهْ
وإنَّ لَهُ كَفَّا إذا ما أَرَاحَها عَلَى جَبَل ما قَامَ بالكَفِّ كَاهِلُهْ
يُقَلِّبُني رأسا على عَقِب بها كما أَمْسَكَتْ سَاقَ الوَلِيدِ قَوَابِلُهْ
وَيَحْمِلُني كالصَّقْرِ يَحْمِلُ صَيْدَهُ وَيَعْلُو به فَوْقَ السَّحابِ يُطَاوِلُهْ
فإنْ فَرَّ مِنْ مِخْلابِهِ طاحَ هَالِكا وإن ظَلَّ في مِخْلابِهِ فَهْوَ آكِلُهْ

عاد بعدها هذا الابن البار تملؤه مشاعر الحزن على انتهاء الرحلة، فقد أخذ يجهز للرحيل محاولا أن يجمع كل التفاصيل في حقيبته الصغيرة التي وسعت ما لم يطق الفضاء من قضية أضنته وشعبه.

سافر هذا الشاعر عن أرضه، ولم تسافر كلماته التي ما زالت تدوي في الضمائر والقلوب:

يا أيها الباكي وراءَ السورِ، أحمقُ أَنْتْ؟
أَجُنِنْتْ؟
لا تبكِ عينُكَ أيها المنسيُّ من متنِ الكتابْ
لا تبكِ عينُكَ أيها العَرَبِيُّ واعلمْ أنَّهُ
في القدسِ من في القدسِ لكنْ
لا أَرَى في القدسِ إلا أَنْتْ

فهل سيعود حقا إلى معشوقته التي ما زالت ترمقه اشتياقا خلف ذلك السور كما وعد؟


** الصور المستخدمة مع هذا الموضوع منشورة في مواقع مختلفة.

** يمكن الاستماع إلى مقطعين صوتيين من الأمسيات: أيها الناس وكل ما نقول تعبنا.

** للشاعر عدد من القصائد المصورة التي يمكن مشاهدتها من خلال الموقع الخاص بالمقاطع الصوتية والمرئية يو تيوب:

http://www.youtube.com

** عنوان الموقع الرسمي لمسابقة أمير الشعراء التلفزيونية:

http://www.princeofpoets.com/

** للمزيد من المعلومات عن الشاعر تميم البرغوثي، زر موقعه التالي:

http://tamimbarghouti.net/Tamimweb/default.htm

D 1 تشرين الأول (أكتوبر) 2007     A مرام أمان الله     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  لو أنه لعق يده

2.  ملتقي يحتفي بعبد الرحمن الحاج صالح

3.  لأنها هي الأنثى

4.  أنت لا تقرأ

5.  القدس: بكيت حتى انتهت الدموع


القائمة البريدية