سناء شعلان - الأردن

الـفـزّاعـة


سناء شعلانملابسه رثّة، قبّعته قديمة، فيها خرق كبير، قدماه خشبيتان، عيناه زرّان مختلفا اللّون، وفمهُ مخاط على عجل، ولا أذنين له، وقلبه من القشّ، وخصره نحيل، وجسده مصلوب ليل نهار، ولكنّه يحبّها. لا يحبّها فقط لأنّها هي من خاطته، وزرعته في هذا المكان، ولكنّه يحبّها لأنّها رقيقة ولطيفة، ويعشق صوتها ذا الرّنين العذب كلّما غنّت.

صنعته بيديها الصّغيرتين النّاعمتين منذ أشهر طويلة، وزرعته في هذا المكان من حقل الفراولة كي يفزع الطّيور والعصافير، ويمنعها من مداهمة الحقل وأكل الثّمار، وقد قام بعمله على أتمّ وجه يُرجى، أوّلا لأنّه فزّاعة وقد خ لق ليفزع الطّيور، ثانيا لأنّه يحبّها، ويريد أن يحافظ لها على محصولها المتواضع الذّي من الواضح أنّها تعتاش منه.

لا يتذكّر كيف بدأ قلبه القشّيّ بالعزف، ولكنّ صوتها كان أوّل من حرّك الحياة في ذاته. كان كسير الرّقبة، متدلّي الرّأس، متراخي الأعضاء منذ أن نُصب في مكانه. لكنّ قلبه أخذ بالخفقان عندما سمع صوتها الشّجيّ. كانت حافية القدمين. رنين خلخالها ودفق لهاثه هو كلّ ما يسمع وهي غارقة في الاعتناء بأشتال الفراولة، إلى أن انتصفت الشّمس في كبد السّماء، وبدأت خيوطها بمداعبة شعرها العسليّ الهائج كامرأة غجريّة، وجادت قريحتها وقتئذ بدندنات عذبة محمّلة بصوتها الشّجيّ. كانت أغنية حزينة كسيرة تناسب وحدتها ومشقّتها في الأرض. لحظتها شعر بأنّ قلبه ينبض، وأنّ الحياة تدبّ في أوصاله الخائرة فتصلبها، وفي جسده الكسير فترفعه، وفي قلبه الميت فتحيه، وتهبه وجيبا لا ينضب. ومنذ تلك اللّحظة غدا أسير صوتها العذب.

كان يراقبها ليل نهار دون أن يكلّ أو أن يتعب. في عصر يوم ما تعبت من العمل في الحقل، فأسندتْ ظهرها إلى ركيزته الخشبيّة لترتاح. كم كان سعيدا بجسدها اللّين وهو يركن إليه! ابتسمتْ له، وقالتْ بعد أن ألقت نظرة عجلى على الثّوب الذّي يلبسه: "يا له من ثوب قديم! لا تحزن يا عزيزي، غدا أصنع لك ثوبا آخر يليق بك، وبجهودك التّي تبذلها". وعادت من جديد إلى إسناد ظهرها إليه وهي تأكل شيئا من الفراولة المزروعة بالقرب منهما بشهية مثيرة.

تمنّى لحظتئذ لو أنّه يملك الجرأة الكافية ليردّ عليها، وليشكرها على لطفها، وليرجوها أن تُسمِعه أغنية يحبّ أن يسمعها منها دون كلل أو ملل، لكنّه خشي أن يفزعها هي الأخرى، ولعلّه خشي أكثر أن ترفضه، وتقشعرّ من منظره، فينكسر قلبه القشّيّ دون رحمة.

وصدقت وعدها. في اليوم الثاني كسته ثوبا جديدا. من رائحته أدرك أنّها قد خاطته من ثوب قديم لها. شعر بسعادة عظمى وهو يغرق في كساء يحمل رائحة جسدها الزّاهد بكثير من العرق. شعر بأنّه يملك سعادة الدّنيا، فأذناه تسمعان صوتها الخلاّب، وأنفه يشمّ أريجها العذب، وجسده يحتضن ثوبها، وعيناه تراقبانها بفضول أينما ذهبت.

لا يعلم شيئا عنها ولا عن تاريخها، إلاّ بمقدار الأشهر القليلة التّي عاشها مصلوبا في أرضها. كانت أرضها صغيرة، مسيّجة بسياج خشبيّ قديم، لا يعلم ماذا يكون وراءه، ولا يعرف في أيّ البلاد تقع هذه المزرعة، وهي تعيش في كوخ كبير قديم. ومن الواضح أنّها تعيش فيه وحدها، فهو لم يلمح عندها أحدا منذ أشهر، ومن مكانه هذا يستطيع أن يرى غرفة المعيشة وغرفة نومها التّي تقضي الكثير من الوقت فيها. يرى الكثير من الصّور المسجونة في براويز فضّيّة وخشبيّة على طول سطح مدفأةِ غرفة المعيشة، ولكنّه لا يستطيع أن يرى أو يخمّن لمن تكون.

قليلا ما تغادر البيت والمزرعة، لتعود سريعا محمّلة بالفاكهة والخضار واللّحوم وبعض مستلزمات الأرض، فيقدّر أنّها كانت في السّوق. يسعده مرآها وهي قادمة من البعيد، متدثرة بشالها المخمليّ القديم، وهي تدندن بأغانيها الشّجيّة، يكاد يطير للقائها، وليحمل الأكياس التّي تتكبّد حملها مسافة تبدو طويلة من لهاثها ومن احمرار وجنتيها.

هذا اليوم من بدايته بدا استثنائيّا، ويومئُ إلى استقبال ضيف ما. هي لم تعمل كثيرا في الحقل، وأمضتْ يومها في كوخها الصّغير. من نافذتَيْ غرفة النّوم والمعيشة اللّتَيْن تواجهانه راقب حركاتها. كان من الواضح أنّها معنيّة بتهيئة المنزل والطّعام. مع الغروب بدأت بتجميل نفسها. لبستْ ثوبا قرمزيّا ساحرا يظهر أديمها الأسمر، ومشّطتْ شعرها العسليّ، وأرخته أنهارا هائجة على كتفيها. قدّر أنّها مثارة وسعيدة، وحار مَنْ أو ماذا لعلّها تنتظر اللّيلة؟

أخذت تعزف البيانو الذّي قلّما تعزف عليه، وأخذتْ تصدح بأغنية شجيّة. كانت مستغرقة في غنائها الملائكيّ، وكان يذوب في مسك كلماتها، إلى أن دخل ذلك الوسيم الذّي أقلّته درّاجة هوائيّة قبل دقائق. كان يحمل باقة صغيرة من الفلِّ البلديّ. قبّلها، وطوّق خصرها بيديه، واندسّ إلى جانبها على البيانو يعزف معها. كان عزفهما على أوتار قلبه الذّي أدرك معنى الحزن والغيرة لأوّل مرّة. لكنّه كان سعيدا لأجلها على الرّغم من حزنه، وتمنّى من كلّ قلبه الذّي يملك أمنيات صغيرة صادقة لو أنّه يهجر مكانه، ويقرع باب بيتها، وينضمّ إليهما، ولكنّه كان يعرف تماما أن لا مكان له هناك.

راقبهما طويلا من مكانه. تناولا من طعامِ العشاء، وعزفا معا من جديد، ثمّ راقصها على أنغام موسيقى المسجّل. سارتْ الأمور على نحو يستطيع أن يصفه بالانسجام وبالحبّ، لكن ما لم يستطع أن يفهمه هو التّغيّر الذّي حدث بعد ذلك، فقد تعالى صراخهما، وبدا أنّ نارا تشتعل بينهما، ثمّ غادر المكان غاضبا، وصكّ الباب بقوّة كادتْ تخلعه. ارتمت حبيبته على أريكة قريبة من الباب، وانخرطت في البكاء. كان صوت بكائها لا يقلّ جمالا وتأثيرا في نفسه عن صوت غنائها. قدّر أنها حزينة جدّا، وفي حاجة إلى قلب يحبّها بشدّة، لقلبه مثلا. كاد يناديها من مكانه ليسألها عن سبب حزنها، ولكنّه تذكّر أنّه لا يعرف اسمها، فهو لم يسمع أحدا يناديها باسمها من قبل حتّى يعرفه. فكّر قليلا، ثمّ استجاب إلى وجيب قلبه. ترجّل عن مكانه، وقطع الحقل الصّغير، داس دون أن يقصد بعض حبّات الفراولة الحمراء. لم يقرع الباب، فتحه دون انتظــار، ودخل إلى الكوخ.

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007     A سناء شعلان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  لو أنه لعق يده

2.  ملتقي يحتفي بعبد الرحمن الحاج صالح

3.  لأنها هي الأنثى

4.  أنت لا تقرأ

5.  القدس: بكيت حتى انتهت الدموع


القائمة البريدية