سالم ياسين - لبنان

كيان في خصام


وقف يسترد أنفاسه بعد مسير طويل مواسيا نفسه:

"بضعة أمتار وأصل."

كان يحاول جاهدا طرد أفكاره المضطربة. كل من رآه كان ينظر إليه باستغراب، كأنما يرى تخبط الأفكار في رأسه واستماتته ليطردها أو ليستبدلها بأخرى أقل وطئا، فيلملم انتقاء ما يسعفه من ذكرى.

لا أعرف كيف بدأ كل هذا. كنا حبيبين من أيام الجامعة، ولم تكن تسعني الدنيا حينما أردد لحن اسمها طربا وترد عليّ بغنج وبراءة وجمال. أعلنا خطوبتنا وسافرت إلى الخليج العربي حيث تحملت الذل والهوان. خططنا وتداولنا، وكان الشوق يحملنا كل لحظة بين جناحيه للاحتضان والحلم.

لكنها عقبة العمل وقفت في طريقي، لا أدري من أين جاءت تلك المديرة. تبا للمديرات! إذا ما وصلت إحداهن كرسي الإدارة، شنت حربا شعواء ضد تاريخ ذكورية المجتمع الشرقي بلا هوادة. يشد أزرهن بعض الرجال أشباه الكلاب، مثل ذلك الخسيس القاعي بأربعته ولسانه الرطب بانتظار إشارتها. كم تسبب لي من مشاكل امتدت إلى عقر منزلي لمشاركته سكني!

ما أفلح من ولوا أمرهم امرأة، وأنا قد أفلحت بتقديم استقالتي والعودة لموطن لجوئي، فلا فلاح في الغربة. إن هي إلا عثرة عابرة. وها أنا اليوم أجد في مسيرتي كي أصل، والله ولي التوفيق.

نعم، الله ولي التوفيق، وأنا ساجد وراكع وصائم شهر رمضان المبارك، ولم اعرض عن ذكر الله فأنى تكن معيشتي ضنكى؟ حضرت العديد من جلسات الفقه والسيرة، وذلك الملتحي لم يكن بأفقه مني، فقد جمعت من علوم الدين والدنيا ما يجعله يسعى لمخالفتي غيرة وضيق عين، لكنني محصن بتقوى الله، فأنا أستفتي قلبي لو أفتوني. ولو صار نزاع بيني وبين حملة المسابح، فمآل شقاقنا لله تعالى، نعم المولى ونعم النصير.

سأقوم من كبوتي بعون الله، وقد يساندني شقيقي الأكبر، فهو دائما ما يقدر في حصافة الرأي لدى التناصح ويحسدني على تبصري للحقائق. نحن في ذات المسير والمصير، وإن كان قد نجح في امتهان التمريض المذل وفي إنشاء أسرته الخاصة مؤخرا، فلأن الظروف قد ساعدته لتحقيق ذلك. أنا لي المسيرة الأطول والأصعب على قدر أهل العزم والهمم. فأنا أحمل فوق كاهلي هم إعالة أمي وخالتي وأختي الصغرى، وليفنى الكون إن لم تحتضنهم بأهداب العيون السمر يا "أبو سمرا"، كما يحلو لخالتي مناداتي توددا لرجل البيت الوحيد والأوحد.

نعم، أنا رجل البيت، وقراري يسري على جميع أفراد العائلة، وإن كنت في بعض الأحيان أداري خاطر خالتي بتحميل قراراتي صيغا أكثر وفاقا مع ما ترتضيه لمصلحة العائلة، كما حصل يوم أصرت على عدم استقبالي آخر من تبقى لي من أصدقاء طفولتي في منزل العائلة، فنظمت أوقات لقاءاته أثناء غيابها بدقة متناهية، وطلبت ممن في الدار ألا يخبروها، ونجحت في الأمر حتى أن الصديق نفسه لم يشعر بأدنى ما يجري، لولا صدفة عودتها مبكرة ذات يوم انتهى بغضبها المشؤوم، فصرت أكثر دقة وحرصا لتدبير أموري من ذي قبل، وإن لم أعد أرى صديقي منذ تلك الواقعة.

هو الزمن في مسيره يكرر نفسه، ويلزمنا بمستحقاته مرارا وتكرارا. سأبحث عن عمل وأتابع دراستي العليا، وأبني لنفسي عائلة وأصدقاء. في الزمن اختلاجات بين عودة وتربص وتقدم، ولكن لا بد من دفع ضريبة البقاء لزمن لا يرضينا ولا نرضى عنه، وسأبقى سائرا ولو عودا على ذي بدء.

لم أذق من بعد قبلتها ما يشبهها من أطايب، حتى نسيت من مرارة القهر في حلقي لذة الطعم للطعام والشراب. غشاوة عيني من حزني المستمر في ازدياد حتى تختلط عليّ رؤيتي للأمور من حولي، وقد أسمع ما أصطفيه إذا ما خف طنين الغضب الدائم في دماغي.

نضبت عطور الخليج التي اختزنتها من الترحال على جسدي المتعرق أبدا، وأضحت رائحة الحياة الزكية المنبعثة من تراب الأرض المروية، كرائحة حفرة تعد كقبر لأقرب ما للقلب في طي صفحات أيامه بانكفاء الزمن.

حكاك في يدي رغبة بأن أتلمس نعومة كفيها، بعد أن نامتا طويلا في جيبي بنطالي وأنا أسير مثقلا بهمومي في درب الحياة. إن هي إلا بضعة أمتار وأصل، ولكن إلى أين؟

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007     A سالم ياسين     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  سأكون هناك

2.  رأيت الجمال في الجبل

3.  تقاطعات متباينة

4.  كلمة العدد 19: خطوة مهمة على طريق الجودة والتميز

5.  امرأة من الشاطئ الآخر