أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 2: 13-24 » العدد 18: 2007/11 » تائهة في ضجيج الأحلام

داليا الحاج - فلسطين

تائهة في ضجيج الأحلام


في زمن فرضت عمليته علينا قيودا كثيرة، وسلبتنا أبسط حقوقنا بالتفاؤل، لم يبق سوى الهروب من الواقع للخيال، عله يكون لنا فسحة أمل. أدمنت ذلك الضجيج: ضجيج أحلامها الوردية.

في طفولتها حلمت أن تكون هايدي، تعيش ذلك الانطلاق، تعيش ببساطة دون تلك القيود. وهناك حيث كان مرمى بصرها كان بيتر ينتظرها في ذلك الأفق البعيد.

حلمت أن تكون على متن تلك السفينة المليئة بالقراصنة للبحث عن الكنز. لم يكن الكنز ما يهمها، ولكن روح المغامرة أسرتها حينئذ.

حلمت بشخصيات كرتونية أخرى كانت تفتح لها أفقا جديدا لم تكن تتخيله. وغرقت في الأحلام. قضت عمرها في الأحلام، ولا تملك سواها.

تمادت بالحلم، فأرادت أن تمثله، وإن كان فيلما من بطولتها وحدها. استطاع خيالها أن يسرقها من واقعها وهي طفلة. اعتادت أن تلعب البطولة وحدها بين شخصيات وهمية.

كبرت. فقدت براءة طفولتها. وجدت أنها لم تكن تماما كما حلمت، ولم تكن أقل مما تمنت. لم تكن طفولة مميزة ورائعة، ولكنها لم تذهب سدى. لم تشعرها يوما بتلك الغصة التي أشعرتها بها فترة المراهقة. كم كانت هذه الفترة مهمة! وكم كانت عصيبة! وكم كانت الصبية وحيده! وكم أثرت عليها وحدتها! لم يعد الخيال يقنع فتاة بمرحلة التمرد، ذلك التمرد الذي كان سببا رئيسيا لإبعادها عن العالم. منذ أعوام، أدخلت عالما خياليا آخر لم يكن من اختيارها، بل من اختيار الأهل. لا عجب إذن أنه مناف تماما لعالمها الخيالي.

عالمها الخيالي كان عالما صخبا، مليئا بالناس والحياة والحرية، على الأقل حرية التعبير عن الآراء الشخصية، عالما مليئا بمظاهر الحياة التي صامت مع من حولها عنها كرها، عالما كان فيه أصدقاء، وجامعة، وتخرج يهز العالم، وساعة لقلبك. وكان عالما فيه وظيفة متواضعة تعلو وتعلو لتصبح وظيفة مرموقة. كان نهرا جنونيا عليها اجتيازه للوصول لضفة النضوج والاتزان. كان أيضا فارس أحلام يمسك بيدها، يعيش معها جنونها، ويعبر معها ذلك النهر ليصلا معا لبر الأمان، فتنتهي قصتهما النهاية السعيدة، ويعيشان "بتبات ونبات" ويخلفان "صبيان وبنات".

أما عالم أهلها الخيالي فهو مدينة فاضلة تحت سقف ذلك البرج العاجي. بدأت بأفلاطون واحد، والآن بخمسة. عالم أهلها الخيالي عالم يفسر ذكوريته بالقوامة، وتسلطه بالاهتمام، وقمعه بالحرص، وشكه بالقلق، وعجرفته بالثقة بالنفس، وجلافته بالرجولة، وسوء تصرفه بـذريعة "ناقصات عقل ودين." ذلك البرج العاجي يخنقها، فكلما تقدم بهم الزمن أكثر، كلما زادت همتهم لتحقيق نظريتهم المثالية. البرج يعلو، وكلما علا ضاق، وكلما علا تكاد لا تميز معالم أرض الواقع من تحته.

هل نعود لأحلامها؟ حسنا، لفترة صدقت أنه لن ينقذها من الرجل إلا رجل آخر، فلا شك أنها في مجتمع ذكوري تساق به المرأة كبهيمة الأنعام. ثم وضعت أسس حلمها الجميل الجديد، وبدأت تحلم. ولكن، بماذا تحلم؟ مهلا. لقد فقدت معالم الحلم، فبعدما أوهمتها عائلتها الأفلاطونية أن تربيتها هي التربية المثالية وهي محط أنظار الجميع ممن يفكرون بجدية وبصدق بعيدا عن اللعب ووجع القلب، وجدت أنها ترتطم بأرض الواقع بإحدى زياراتها القصيرة هناك.

اكتشفت أن العالم من حولهم قد تغير، وأنهم هيئوها لرجل أصبحت عظامه مكاحل. لا بأس، هنالك دائما مخرج. إن كان برجها العاجي بلا أبواب، فهو حتما بشبابيك. بدأت البحث عن الطريقة المناسبة لتلقي بشعرها لفارس أحلامها حتى يصعد إليها ويخطفها من تلك المدينة الفاضلة. وطال الانتظار. ولم يتحقق الحلم-النظرية. هل لأن شعر المرأة عورة؟ إنها محجبة عن قناعة، إلا أنها تعتزم تقديم ضفيرتها للشخص المناسب وفي الوقت المناسب. هربت من حلمها هذا إلى حلم آخر.

حلمها الأخير هو الطيران. عليها الطيران، ومن ثم الهبوط بأمان والاعتماد على نفسها للوصول لأرض الواقع وتعلم السير عليها. ليست مضطرة لانتظار إشارة من أحد الديوك الكسالى كما أوهمت قبلا. لسذاجتها، طالبت سجانها بمفتاح سجنها، وطالبت بحقها في التعلم. كادت أن تطير رقبتها فور التفوه بطلباتها هذه، فالطيران يؤدي للتحليق، والتحليق يعني الحرية، ونحن مجتمع شرقي عربي نتذرع بالدين الذي هو من تخلفنا بريء.

الحرية إذا باب من أبواب جهنم. لقد خافت العائلة الأفلاطونية عليها من فقدان بصرها فور رؤية أشعة الشمس، فبعدما عاشت في ظل رعايتهم واهتمامهم عشرين عاما، سيؤثر شعاع الشمس على بصرها، وعلى تركيزها، ثم على حسن تقديرها لما هو حولها، ثم على اتزانها، فتوازنها، وبالتالي سيؤدي بها للانحراف، فالارتطام، فالسقوط في الهاوية، ألا وهي أرض الواقع.

فقدت أملها بتعلم الطيران، فكيف ستتعلمه؟ هل ستتعلمه قفزا؟ عليها أن تتعلمه على أساس ثابت لن يوفره لها أحد يعارض فكرة طيرانها. كانت نصيحتهم أن تصبر حتى تجد ديكا يطير لها ليأخذها تحت جناحه، معززة مكرمة وهم مطمئنون عليها. (نعم، عدنا مجددا للديوك). عبثا ذهبت تساؤلاتها: وهل يستطيع الديك الطيران؟ يعجز عن هذا أي ديك. حتى احتمال مجيء ديك لها تلاشى، خصوصا بعدما وجدتهم ينتفون ريشه تذرعا باطمئنانهم إنه خال من إنفلونزا الطيور حرصا عليها.

عجزت عن فهم فلسفتهم في الحياة. العمر يمر، والهمة تفتر. منعوها حتى من الهرب إلى الأحلام.

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007     A داليا الحاج     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  تقرير عن السنة السادسة

2.  كلمة العدد 95: "عود الند" تتم سنتها الثامنة

3.  شرفات حب

4.  جمر الحواف، رمق الأبد

5.  الـفـتـى الـمـغـرور


القائمة البريدية