أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 2: 13-24 » العدد 18: 2007/11 » المرأة الفلسطينية: حياة معنونة بالعنف

سمر شاهين - فلسطين

المرأة الفلسطينية: حياة معنونة بالعنف


"آه لو كانت ولدا!" بهذه الكلمات تبدأ رحلة معاناة المرأة الفلسطينية التي تحيا حياة معنونة بالعنف منذ ميلادها وحتى مواراة جثمانها الثرى. والتمييز القائم على أساس الجنس، وأشكال العنف المتعددة التي تتعرض لها، وتهميشها واعتبارها ناقصة عقل ودين أبرز معالم هذه المعاناة.

ربما لم يعترف الرجال في المجتمع الفلسطيني بعد بالإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة، الذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في كانون الأول-ديسمبر من عام 1993، ووافقت علية جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والذي أدان "العنف الذي يرجح أن يترتب عليه أذى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل، أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة."

أنواع العنف

يعتبر العنف مشكلة اجتماعية عالمية يمارس بمستويات وأشكال مختلفة، ولا تقتصر ممارسته على فئة أو طبقة معينة ذات طابع اقتصادي أو اجتماعي أو ثقافي معين. ومن العنف كمصطلح عام ما هو نفسي كالترهيب والتخويف والعزل، ومنه ما هو جسدي كذلك، أو ما هو اقتصادي أو جنسي أو من قبل الدولة. والنوع الأخير ترتكبه الدولة أو تتغاضى عن ارتكابه بحق المرأة كقيام عناصر رسمية، كالشرطة وحراس السجون والجنود، بأعمال الاغتصاب في الصراعات المسلحة، والتعذيب في الحجز.

دراسات فلسطينية كثيرة أكدت أن المرأة في فلسطين تعاني أشكالا متعددة من العنف المركب، فهي تعاني من العنف الأسري والاجتماعي الذي يمارس ضدها لكونها امرأة، بينما يمارس هذا العنف ضمن نسق اجتماعي متكامل يؤكد بتفاصيله ومحصلته النهائية دونية المرأة وتبعيّتها للرجل.

ومن جهة أخرى فإن المرأة الفلسطينية تعاني من العنف الذي يسببه الاحتلال لها ولأبناء شعبها كافة، من فقدان الهوية الشخصية، وفقدان الحرية في التنقل الداخلي والعمل والسفر، حيث لا يتم ذلك إلا بتصاريح من الحكم العسكري الإسرائيلي.

ويمكن تقسيم العنف الواقع على المرأة الفلسطينية إلى أربعة أقسام:

أولا: العنف المباشر

ويمكن إجماله بقضايا القتل والإيذاء الجسدي والاغتصاب داخل الأسرة، ومعظم هذه الحالات في المجتمع الفلسطيني تقع نتيجة الاشتباه أو بدعوى المحافظة على العرض تحت مبرر أن الفتاة أو المرأة هي المسئولة عن شرف العائلة.

ثانيا: العنف الاجتماعي

ويندرج تحت مسماه حرمان الزوجة من التمتع بحقوقها الاجتماعية والاقتصادية والشخصية، أو القيام بأدوارها نتيجة الموروث الثقافي خاصة ما يتعلق بالعادات والتقاليد السائدة في المجتمع، والتي تميّز بين الرجل والمرأة كحرمانها من العمل، ومتابعة التعليم وحرمانها من إرثها.

ثالثا: العنف العسكري

وهو الذي تسببه الحروب والنزاعات الداخلية، والذي يقع بأغلبيته على المرأة. وأكبر مثال على ذلك قضية الأسيرات الفلسطينيات، وإتباع شتى طرق التعذيب معهن خصوصا في فترة التحقيق والاستجواب، وكذلك قضية الولادة على الحواجز الإسرائيلية، حيث شهدت القضية الفلسطينية العديد من حالات الولادة على الحواجز الإسرائيلية.

رابعا: العنف القانوني

لا تزال القوانين والتشريعات تجحف بحقوق المرأة الفلسطينية وتنتقص منها، خصوصا في كل من قانوني الأحوال الشخصية والعقوبات. وفي ظل انعدام سيادة القانون وتفشي ظاهرة أخذه باليد فإن حالات العنف في المجتمع الفلسطيني -وضد النساء على نحو خاص- ستبقى في ازدياد مستمر.

ومهما تعددت أشكال العنف فليس هناك مجال لتبريره أو التسامح في التعامل معه، فمنطلق ممارسته ينبع بالأساس من مفهوم القوة والسيطرة والتحكم الذي يمارسه الأقوياء ضد الضعفاء، كأن تمارس دولة سيطرتها وقوتها على دولة أخرى، أو كأن يقمع الحاكم شعبه، أو أن يستغل المدير نفوذه في التحرش بالموظفات أو كأن يضرب الزوج زوجته وأطفاله، إلى غير ذلك من الأمثلة.

العنف ضد المتزوجات: نتائج مسح

تشير نتائج المسح الذي أجراه جهاز الإحصاء المركزي عام 2005 حول العنف الأسري إلى أن 61.7% من النساء المتزوجات يتعرضن إلى العنف النفسي، وأن 23.3% منهن يتعرضن إلى العنف الجسدي، بينما تعاني ما نسبته 10.9% من العنف الجنسي. ويعتبر هذا المسح الأول من نوعه، أما نتائجه فقد جاءت بتوافق مع تقارير ودراسات لبعض المؤسسات العاملة في مجال مناهضة العنف والدفاع عن حقوق المرأة كإنسان أولا وأخيرا.

وخرجت الدراسة المذكورة بالخلاصة التالية: "إن المؤسسة الأهلية والحقوقية العاملة في مجال مناهضة العنف وحقوق الإنسان تشعر بالقلق الشديد لما تعانيه النساء الفلسطينيات، وترى أن حالة الوضع الفلسطيني القائمة من تردي الأوضاع السياسية وممارسات الاحتلال الهمجية من قتل وحصار وتجويع وعزل نتيجة لجدار الضم والتوسع الذي خلق واقعا اجتماعيا جديدا، إضافة إلى حالة الانفلات الأمني، كل ذلك يؤثر على استقرار الأسرة الفلسطينية عامة، وعلى النساء اللواتي هنّ العمود الفقري للأسرة على وجه الخصوص."

قصور إعلامي

لا أحد ينكر ذلك الاهتمام الكبير الذي حظيت به المرأة الفلسطينية في وسائل الإعلام بفعل دورها الحيوي في مسيرة نضال الشعب الفلسطيني بشكل عام، وفي انتفاضة الأقصى بشكل خاص، وانعكست فيه صورة إيجابية للمرأة غير الصورة النمطية التقليدية التي سادت غالبية وسائل الإعلام العربية والعالمية. فاقتصار النظر إلى المرأة كسلعة تباع وتشترى عبر شاشات الفضائيات لم ينطبق على المرأة الفلسطينية، فقد تألقت المذكورة في العديد من مساحات التغطية الإعلامية فتمثلت صورتها في المرأة المقاومة التي تدافع عن حقها وأرضها وأبنائها فتعيش دور الأم والأخ والأب والزوج في آن معا.

كل ذلك لا يستطيع أحد إنكاره، إلا أن أحدا أيضا لن يستطيع أن ينكر قصور الإعلام عن التطرق إلى الجانب الاجتماعي للمرأة الفلسطينية وما يتضمنه من قضايا هي بأمس الحاجة إلى طرحها، والاكتفاء بالتركيز على الجوانب السياسية البحتة المتعلقة بالاحتلال والمقاومة. فالإعلام الفلسطيني لم يجرؤ حتى الآن على عرض قضايا الاغتصاب والقتل على خلفية الشرف أو اقتناص حق المرأة في الإرث من قبل الإخوة، أو تزويج البدل أو الأقارب أو ما شابه ذلك. وهذا يعتبر قصورا جليا من قبل الإعلام بحق المرأة الفلسطينية.

توصيات

مناهضة العنف ضد المرأة أساس قوي لحكم صالح تكون مزاياه الأساسية عدم التمييز بين المرأة والرجل. وثمة مجموعة من التوصيات التي تكفل للمرأة الفلسطينية حقها الذي كفلته لها الأعراف والمواثيق الدولية، وهي التالي ذكرها:

=1= الدعوة إلى إيجاد آلية قانونية واضحة تعمل على تعزيز دور الأجهزة الأمنية في توفير الحماية للمرأة وتطبيق القانون.

=2= رسم السياسات العامة العادلة المنصفة، وترجمتها إلى برامج وأنشطة تراعي احتياجات النساء والرجال، وإتاحة الفرصة لمشاركة المرأة الفعالة رسم تلك السياسات.

=3= إعداد برامج التأهيل النفسي والإدماج الاجتماعي للأشخاص الذين يمارسون العنف ضد زوجاتهم وأولادهم، لإخراجهم قوما صالحين لأسرهم ومجتمعاتهم.

=4= دعوة وسائل الإعلام إلى التركيز على الواقع الاجتماعي للمرأة وتناول أهم المشاكل الاجتماعية التي تتعرض إليها سواء على الصعيد الشخصي، أو في محيط الأسرة.

=5= التركيز على دور المنظمات والمؤسسات غير الحكومية في مناهضة العنف ضد المرأة والتي تشمل:

=أ= تشجيع النساء على الانخراط في مجالات الأمن العام و القضاء والمحاماة ودعمهن للوصول إلى القضاء بهدف الدفاع عن النساء، والحد من الظلم الاجتماعي الذي يلحق بهن.

=ب= العمل على إنشاء المزيد من مراكز حماية المرأة التي تتعرض للعنف، على شرط أن تزوّد هذه المراكز بكادر نسائي يشرف عليها.

D 1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007     A سمر شاهين     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  صدور قبس من مدارات الحنين

2.  هدية لعود الند

3.  معرض عود الند للفن التشكيلي

4.  الدائــــرة الضيقـــــة

5.  مرجان الضوء: بين الحرمان والارتواء


القائمة البريدية