ربا الناصر - الأردن

الــعــودة


كانت أمواج البحر في صباح ذلك اليوم تحمل شيئا مختلفا عما اعتادت على حمله من حطام سفن وأعشاب صغيرة. كانت تحمل زجاجة مغلقة، وقد بدا وجودها في عرض البحر غريبا. لكنها وصلت شط الجزيرة، على صوت نورس البحر، وقد ارتطمت بجسد ذلك البحار النائم على رمل الشاطئ، فأيقظته، وتفتحت عيناه على حطام قاربه المتراكم فوق بعضه بعضا كشاهد على وحدته، جراء عاصفة هوجاء أسرت جميع أحلامه تحت رمل أبيض.

تلفت البحار حوله والدهشة تلبس وجهه، لكن الفضول أسره وهو يتأمل الزجاجة، تلفها أصابعه الغليظة بإحكام، فيسأل نفسه متعجبا "كيف أتت هذه الزجاجة إلى هنا!؟" لم يستطع الإجابة، مكتفيا بإلقائها جانبا، ليستعد بعدها لرحلة صيد شاقة، تثمر عن سمكتين صغيرتين كانتا نصيبه من الغداء.

كانت الشمس قد وصلت في حينها منتصف السماء، كملكة تعتلي عرشها، مرتدية عباءة عتيقة، كان نزعها عن جسدها المتوهج هو تحرير لنور يحمل في أطيافه كل معاني حب الحياة وتجدد الأمل. كان أمله العودة سريعا نحو بيته، وإنهائه لشهرين مكثهما في جزيرة تكاد تخلو من شجر جوز الهند، لكنه لم ييأس فقد شرع في بناء قاربه ليسير به في جب البحر، متحديا تلاطم الأمواج وتكدر صفو الجو من حوله. وقد زاده حماسا تنسمه لمحتوى الزجاجة من رائحة وقد بدت كأريج زوجته، حتى خيل إليه أنها هي من أرسلها إليه كإشارة له بالعودة. قد تكون هي من أرسلها بالفعل أو قد تكون ملقاة من إحدى البواخر، فلا أحد يعلم.

أوشكت الشمس على الغروب، وقد بدأت في رسم الشفق الأحمر على امتداد وسع السماء. كان البحار في حينها ينظر نحو الغروب وقد تخيل أمامه زوجته كعروس بحر تفرش أجنحة من ضباب، ترتدي فستانا من الغيم الأبيض، تنظر إليه بعيون تشع منها أنوار مرافئ -لطالما عمل فيها صيادا وبائعا للسمك- لكنه الآن على بعد آلاف المسافات منها. حاول الحديث مع زوجته المتجسدة على هيئة عروس بحر لكنها كانت تقول "عد إلى البيت. عد إلى البيت."

لكن هذه العروس تبددت سريعا مع حلول الظلام وظهور القمر مجددا في السماء، فيبقى البحار وحيدا، لا يعزيه سوى بكائه. بكى كطفل خائف، ينتظر من ينتشله من وسط الظلام. ظل يبكي حتى شعر بقشعريرة تسري في جسده، فنظر فوقه وقد كان ضوء القمر الفضي مسلطا على وجهه بل على الجزيرة كلها، وقد كان الضوء ينساب بين الرمال، ينبت زهورا ليلكية ملأت الجزيرة كلها، مما أدخل بعض الهدوء إلى قلبه، وهو يتأمل جمال منظرها. وبعد لحظات ظهر من بينها رجل ضخم يحمل زجاجة مغلقة. اتجه نحوه قائلا: "أيها البحار، خذ هذه الزجاجة إلى زوجتك ولا تفتحها إلا عند العودة."

أمسك البحار الزجاجة -بيد مرتجفة جراء منظر الرجل المهيب- ليختفي الأخير فجأة وتتناثر الزهور كقطع كريستالية براقة، فلا يبقى سوى البحار وزجاجته والبحر الهادئ.

شعر البحار للحظات بشعور أثمل قلبه سعادة، وأجج نار الحماسة المتصعدة في قلبه، فما عاد يطيق البقاء هنا، وما عاد يستطيع انتظار بناء قاربه بعد، فما هي إلا لحظات قصيرة حتى كان في منتصف البحر يسبح بكل ما أوتي من حماس وعزم، يريد الوصول إلى بيته وفتح هذه الزجاجة ليعلم ما تحوي، وقد ظل يسبح حتى توارى عن النظر. وما هي إلا أسابيع قليلة حتى ظهرت جثته بالقرب من مرافئ السفن. أما الزجاجة وما في داخلها فبقيا لغزا احتفظ به البحر.

D 1 كانون الأول (ديسمبر) 2007     A ربا الناصر     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  ذات الرداء الكرستالي

2.  الجواهري: جمال الطرح والقدرة الشعرية

3.  مقابلة ج2: الفنان علي الرفاعي

4.  هدية لعود الند: الفردوس البعيد

5.  عود الند في الصحافة


القائمة البريدية