بسام الطعان - سورية

تلك النكهة


عند أصيل صيفي بديع، كان يصادق الكرسي الخشبي، يـعد حبات الوقت، يغني أغنية عاشقة، يعزف على أوتار ضجيجه الداخلي، وينتظر أن تتكرم السماء وتحقق له بعـضاً من رغباته، وحين رآها للمرة الثانية، انتابه إحساس غريب، فحمل حلما وأملا ووقف ينظر صوب وجهها المحلى بالأنوثة.

كانت تجلس بعيدا عنه في الحديقة التي تغازل الشمس المستعدة للأفول، تحتضن الرقة والعذوبة وتستكين بصمتها السرمدي.

راقبها لدقائق وهي ترفرف في فضاءات روحه، تورق على أغصـان عمره، وتترسخ في ذاكرته مثل وطن، ومثل شهاب يفضح ظلام الليل اقترب منها، ولأنها صارت له بلحظة واحدة الغيم والمطر، طوقها بباقة سلام وباقة غرام، لكنها لم تر الغرام، ولم تسمع الكلام، وإنما أغمضت عينيها نصف إغماضة، حركت شفتيها وكأنها تستعيد قصة حب طويلة.

بدت له طيبة مثل أم، لذيذة مثل حبيبة، غالية مثل روح، فجلس إلى جانبها وهو مشتعل العينين والشفتين، وقبل أن يخرج من جيب ذاكرته كلمـات حب مسموعة، أرسلت إليه نظرة سريعة وأدارت له وجهها الخالي من أي تعبير، وحين شيدت بينه وبينها جداراً من المسافات، سقط بلا ضجة في قفص وانهار الكلام.

طال الصمت وعدم الاهتمام، فتنهد بحرقة، أخذ قلبه صوب ناصية النزف، اختلى به، حدثه بحيرة آسنة عن ألم يرنو إليه، وعن شقاء سيعلن هذيان انفعاله إن لم يخرج من الحديقة التي بدأ ينسكب منها هواء الأسف بلا هوادة، لكن القلب رفض بشدة وأعد نفسه لفاصل من العويل، عندئذ رجاه ألا يمضي به من بؤس إلى بؤس، ومن حرج إلى حرج، فلم يستمع إليه، وإنما عـفر وجهه بالتمرد: "جميل أنا وأحب الجمال. إنها ملكي وحدي وأنا غير مستعد للتنازل عنها مهما حاولت."

أدرك أنه يقول الحقيقة الحقة، وأنه هو الآخر لا يستطيع الابتعاد عنها لحظة واحدة، وهو على استعداد لأن يسكب فيها حياتين من عمره، ولكنها لا تستجيب له وتفجر نبع الحسرة من كيانه.

أصر القلب على ألا يتراجع، وأن يحقق له ما يريد، حينئذ تأفف: "لك ما تشتهي من الملك والنعم الدافقة، وأنا أيضا أشعر بما تشعر، فأنا من لحم ودم ولي كرامة أريد أن أحافظ عليها." انفجر القلب ضـاحكا: "لولا وجودي لما كان لك وجود، إن حبيبتي هي حبيبتك أيضا، وهي بالنسبة لي ولك الروح والكرامة والدنيا والسلامة، فلا تتراجع ولا تهتم بأي شيء غيرها."

لم يكذب القلب فيما قال، فلولاه لتحول إلى تراب. إن الحبيبة هي البلسم، وهي التي تمحي الهم، تزيل الأرق، وتورد الخد، باختصار بها تكـتمل وتطيب الحياة. إن القلوب الجميلة هي التي تمنح الجسد الجمال والعمر وتصنع المعجزات. ماذا لو كان قلب الإنسان قبيحاً، بالتأكيد كان سيلتهم الإنسان دون أن يرف له جفن.

هو أيضاً يريدها ويحبها، ويحب حبه لوجهها، إنها حلمه الأول ولا يريد أن يفرط بهذا الحلم، قال لها ذلك، وقال إن تمضي معه إلى مدينة خـضراء لكنها لم تستمع إليه، فماذا يفعل؟

لخمسة أيام متعبة، ظل يداعب الأمل، يمارس بمهارة ظنونه ويتساءل: "هل تهوى أحدا غيري؟ أم لم تتذوق تلك النكهة بعد؟"

كان المساء يلتحف السكينة، وكان هو يجلس على مقعده الخشبي منعزلاً ومنفرداً في منفاه الاختياري، يتلذذ بكسله وأحلامه تارة، ويؤلف من تمتماته قصة عجيبة تارة أخرى، وفجأة وعلى غير توقع، بدأت طيور بيـضاء تملأ الفضاء من حوله، وما لبثت أن بعثته إلى عوالم مليئة بالحيوية، وانهمرت من حوله رائحة ذكية، إنه يعرف هذه الرائحة تمام المعرفة، كم نهل منها وكم استطاب لها، وخاصة حينما كان يلتقي بها عند الصباح والمساء وهي قادمة من العمل أو ذاهبة إليه، رفع رأسه، أزال بقايا الانكسار عن أطراف عينيه، وكم دخل في منتجع الدهشة والفرحة حين رآها واقفة أمامه مثل شجرة أغصانها مليئة بآلاف العصافير وهي تزقزق فرحة بربيع تأخر كثيرا، ولما أدرك أنها فعلا تذوقت تلك النكهة، ألقى بكل تعبه وهمومه في مهاوي النسيان.

D 1 شباط (فبراير) 2008     A بسام الطعان     C 0 تعليقات

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  دمعة أمل

2.  ثرثرات أبي العدس

3.  في وداع محمود درويش

4.  صعد الجبل

5.  أعتقد جازما: لم والفعل المضارع


القائمة البريدية