أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 2: 13-24 » العدد 22: 2008/03 » رسالة الغفران والكوميديا الإلهية: مقاربة

سناء شعلان - الأردن

رسالة الغفران والكوميديا الإلهية: مقاربة


مقاربة بين رسالة الغفران للمعري والكوميديا الإلهية لدانتي

سناء شعلانوقفة تعريفيّة بغفران أبي العلاء المعرّي

كتاب أو رسالة الغفران قد أملاها أبو العلاء في المعرّة حوالي سنة 424هـ، وهي تأخذ صورة رسالة إخوانيّة من الرّسائل الطّوال التّي تجري مجرى الكتب المصنّفة، لكنّها تُستهلّ بمقدّمة غير مألوفة، يستطرد فيها أبو العلاء في رحلة خياليّة في العالم الآخر، ويقود إليها ابن القارح، ويوجّه فيها خُطاه بين الجنّة والجحيم، ويلقّنه ما يقول ويفعل.

والكتاب يقع في ثلاثمئة من الصّفحات المتوسّطة الحجم، ممّا يناهز الواحدة والسّتين ألفا من الكلمات. وقد كتبها أبو العلاء وهو رهين المحبسين، يردّ بها على رسالة رجل اسمه أبو الحسن، عليّ بن منصور القارح الحلبيّ، وكان طلعة، ماكرا، يتوسّل بمراسلة عظيم المعرّة إلى الشّهرة، والاستفادة (1).

"وفي الرّسالة طرائف أدبيّة، ومقاييس أدبيّة ونقديّة، ولغويّة، وفنيّة، تدلّ على عمق الكاتب، وسعة ثقافيّة [ثقافته] وخياله" (2).

والرّسالة من أهمّ أثار أبي العلاء وأغناها، وقد رأى فيها القدماء دليلا على تمكّن أبي العلاء من الأدب واطّلاعه حتّى أولئك الذّين تحاملوا على أبي العلاء، ورموه بسوء المعتقد ورأوا فيها صورة من مزدكة، لم يكتموا إعجابهم بما تومئ إليه من مقدرة أبي العلاء الأدبيّة.

يقول الذّهبيّ، وهو من أولئك المتحاملين: "وله رسالة الغفران في مجلّد، قد احتوت على مزدكة واستخفاف، وفيها أدب كثير" (3).

وقد نالت الغفران شهرة كبيرة، وعُدّت رائدة، ومعلما في درب النّثر العربي، "وحسبنا أن نقرّر أنّ هذه الرّسالة هي أوّل قصّة خياليّة عند العرب" (4)، مع أنّ بعض النّقاد قد غبنها حقّها. فطه حسين يقول: "لم يخترع أبو العلاء في هذه الرّسالة شيئا كثيرا، وإنّما وردت أقاصيص الوعّاظ بأكثر ما فيها" (5).

وقد رفد أبو العلاء المعرّي رسالته بروافد عدّة منها: "الأساطير العربيّة عن الذّين استهواهم الجنّ، وأساطير العرب عن الغيلان (6) وحكاياتهم على ألسن الحيوان، والقرآن الكريم، وقصص الإسراء والمعراج، ومجموعة الأخبار الحديثيّة التّي تدور حول الجنّة والنّار، والقصص المترجمة مثل كليلة ودمنة، وأسمار الجهشياريّ، ورسائل الجاحظ التّي لعلّها أمدّته بعنصر السّخرية اللاّذعة.

والرّسالة تتكوّن من قسمين:

القسم الأوّل: وهو قصّة الغفران، والقسم الثّاني: الرّدّ على ابن القارح، وقد صدّر أبو العلاء هذه الرّسالة بوصف لرسالة ابن القارح.

والحقيقة أنّه ما كان لهذه الرّسالة أن تُعدّ في مصافي تاريخ الأدب العربي لو لم يردّ أبو العلاء على رسالة ابن القارح (7) بصورة قصصيّة، بعد أن أرسل إليه ابن القارح رسالة، يشكو أمره إليه، ويُطلعه على بعض أحواله، ويذكر فيها شيئا من أخبار الزّنادقة والملاحدة أو المتّهمين بدينهم، ويسأله أن يجيب عن رسالته، فيجيبه أبو العلاء عن أسئلته بعد أن يُصدّرها بقصّة رائعة جرت حوادثها في موقف الحشر، فالجنّة فالنّار، ووسمها باسم رسالة الغفران؛ لكثرة ما يرد فيها ذكر الغفران ومشتقّاته، وما ورد في معناه، وسؤال الشّاعر الذّي غُفر له، وكُتبت له النّجاة: بم غُفر لك؟

وهذه الرّسالة طبّقت الأفاق شهرة حتّى قيل إنّها كانت مورداّ لأعمال عظيمة لاحقة على رأسها الكوميديا الإلهيّة لدانتي، وفي ذلك يقول شوقي ضيف: "لم يصنع أبو العلاء للعرب كوميديا إلهيّة فحسب بل أثّر بها أيضا تأثيرا عميقا في الآداب العالميّة" (8). ويقول محمّد غنيمي هلال: "ولا شكّ أنّ رسالة الكوميديا تشبه رسالة الغفران في نوع الرّحلة وأقسامها وكثير من مواقفها" (9).

وقفة تعريفيّة بكوميديا دانتي

الكوميديا الإلهيّة الرّائعة الخالدة لمبدعها الإيطالي دانتي اليغييري، من روائع الأدب المسيحي في القرون الوسطى. "وكان دانته قد سمّاها الكوميديا فحسب، ثمّ أُضيف وصف (الإلهيّة) بعده في طبعة 1555م. ويُرجّح أنّ الشاعر بدأ في نظمها في حوالي عام 1307م، واستمرّ في نظمها سنين كثيرة يصعب تحديدها" (10).

ويبدو أنّ دانتي أسماها الكوميديا بمعنى السّخرية، وهي السّخرية من سخافة النّظرة التّعصبيّة المغلقة التّي كانت تسود عقائد العصور الوسطى (11).

وتتكوّن هذه الملحمة الدّينيّة كما يسمّيها البعض من ثلاثة أجزاء (12): الجحيم، والمطهر، والجنّة الأرضيّة والسّماويّة، وكلّ جزء مكوّن من ثلاثة وثلاثين نشيدا مع مقدّمة في نشيد واحد، فالملحمة إذن مكوّنة من مائة نشيد. وكلّ بيت في هذا النّشيد يتكوّن من أحد عشر مقطعا، وتسير أبياتها الثّلاثة على شكل وحدات وموجات مترابطة متتابعة، الواحدة في إثر الأخرى.

وقد سار دانتي في ملحمته على النّسق الثّلاثيّ؛ على اعتبار أنّ "الوحدانيّة تؤمن بالأقانيم الثّلاثة، فهي مؤلّفة من ثلاثة أجزاء: الجحيم، والمطهر، والفردوس، وكلّ جزء يشتمل على ثلاثة وثلاثين نشيدا، وهو عمر المسيح" (13).

والجحيم في الملحمة هو مملكة العقاب والبؤس الأبدييّن، وهو برميل كبير على شكل مدرّج، تتوزّع فيه تسعُ دوائر تجمع الهالكين، وفْق جسامة خطاياهم، وفي الوسط المقابل لمحور الأرض، يجلس لوسيغوروس أمير الهالكين. (14).

أمّا المطهر، وهو جبل عال طالع من الأوقبانوس الجنوبيّ مقابل أورشليم، ومكلّل بالفردوس، فيجمع على تلاله السّبع النّفوس التّي في طور التطهّر، وعليها يهيمن أمل الخلاص، ممزوجا بالتّذكارات الحزينة، والحنين إلى السّماء.

وأمّا الفردوس فيحتوي على تسع كرات متّحدة المركز تدور من سريع إلى أسرع حول الأرض، ويبدو الطّوباويّون الموزّعون في مختلف الدّوائر مجتمعين في "الوردة السّماويّة"، التّي هي تاج اللّه. وتحتشد في الممالك الثّلاث الوجوه، أكثرها لا ينسى، إنّما يطغى عليها وجه دانتي.

وموضوع الملحمة هو رحلة إلى الجحيم والمطهر والفردوس، وهو تصوير رمزي لسعي الإنسان إلى خالقه، ورجوعه إليه، وظفره بالتّوبة والمغفرة والخلاص.

وتبدأ الملحمة مذ يضلّ دانتي الطّريق، وهو عندئذ في منتصف العمر، فيجد نفسه في غابة مظلمة (رمز الضّلال)، ويبحث عن مخرج، فيرى جبلا رائعا، طفقت الشّمس (رمز المحبّة الإلهيّة) تظهر فوقه، يحاول تسلّقه، فلا يستطيع؛ لأنّ دونه فهدا (رمز الخداع)، وأسدا (رمز العدوّ)، وذئبة (رمز الشّهوة)، فيهرب منهم جميعا، فيظهر له شبح فرجيل (رمز العقل)، ويخبره أنّه لن يستطيع متابعة الطّريق من هذه النّاحية، ويرشده إلى طريق آخر يمرّ بالجحيم ثمّ بالمطهر، وعندها يتركه لمن هو أجدر منه ليصحبه إلى الفردوس، يتركه لبياتريس (15) (رمز الإيمان)، فيرتدّ دانتي، ومن ثمّ يسير مع أستاذه (فرجيل).

ويخوض دانتي مع أستاذه (فرجيل) رحلة عجيبة في الجحيم والمطهر، حيث يجد في قمّته الجنّة الأرضيّة حيث تظهر بياتريس، التّي يصحبها إلى السّماوات السّبع، مكان الملائكة والأرواح المؤمنة، وهناك يُشغل دانتي عن حبيبته بحبّ اللّه، بعد أن أوصلته بحبّها الطّاهر إلى أعلى درجات الأطهار المحبّين للّه.

وقد تُرجمت الكوميديا إلى كثير من لُغات الدّنيا، ونالت شهرة طبّقت الآفاق، وقد تُرجمت كذلك إلى العربيّة، ومن أشهر من ترجمها إلى العربيّة حسن عثمان، وقد ترجمها في ثلاثة مجلّدات، وترجمها كذلك حنّا عبّود إلى العربيّة في مجلّد واحد.

ودانتي (16) أديب وشاعر إيطالي، وُلد في فلورنسا عام 1265م، وعُمّد باسم دورانتي أليجييري، ومن معني اسمه حامل الجناح الباقي على الزّمن. وهو ينتمي إلى أسرة يُقال إنّها تنحدر من أصل رومانيّ نبيل، وتُدعى أسرة إليزيىْ التّي ترجع إلى عهد يوليوس قيصر.

وفي وقت ميلاد دانتي كانت أسرته أسرة متواضعة، ملكتْ بعض الأرياف في ريف فرنسا. وماتت أمّه موّنا بيلاّ وهو في سنّ مبكّرة، وتزوّج أبوه أليجييرو دي بلنتشونى امرأة أخرى، وكان يعمل مسجّل عقود، كما اشتغل بالرّبا.

درس دانتي الآداب القديمة، واللاّهوت، وساهم بنشاط في الحياة السّياسيّة لفلورنسا، فتغلّب خصوم حزبه عليه، فقُضي عليه وزملائه بالنّفي عام 1302م. ومذ ذاك هام على وجهه، متنقّلا بين مدن إيطاليا، فعرف مرارة الضّيق حتّى كاد يهوي إلى درك التّسوّل. وسمح له في عام 1316م بالعودة إلى موطنه على أن يدفع غرامة ويعترف بأنّه كان مذنبا، ويطلب العفو، فأبى؛ لأنّه رأى في ذلك إذلالا لكرامته، وظلّ هائما متنقّلا حتّى توفّي عام 1321م.

وكان قد تزوّج بجيما دوناتي، وأنجبت له عدّة أولاد، ولم تتّجه إلى منفاه للعيش معه. وله مؤلّفات كثيرة منها فضلا عن (الكوميديا الإلهيّة) بأجزائها الثّلاثة، كتاب (الضّيف)، وكتاب (الحياة الجديدة)، وكتاب (الأسلوب الجديد)، وكتاب (مسألة الماء والتّراب).

الكوميديا الإلهيّة لدانتي وأصولها المشرقيّة الإسلاميّة

اختلفت الآراء وتضاربت المزاعم كلّ التّضارب في ما يخصّ الأصول المشرقيّة والإسلاميّة للكوميديا الإلهيّة، وعلاقتها برسالة الغفران للمعرّي فمن قائل إنّ المعرّي كان معلّما لنابغة إيطاليا في الشّعر والخيال، وقائل إنّ دانتي لم يكن مبدعا بل مقلّدا سارقا موضوعه من المعرّي المبتكر الحقيقيّ، ومتخلّفا عنه في السّموّ البيانيّ، وقد اكتفى بعضهم بالقول أنّ دانتي اقتبس من المعرّي فكرة الانتقال إلى العالم الآخر فقط، في حين نذر البعض أقلامهم في هذا الصّدد للتّأكيد على أنّ الكوميديا الإلهيّة متأثّرة بما لا يدع مجالا للشكّ بالتّراث الإسلاميّ في كثير من مصادره، وأنّ الأمر لم يعد مقصورا على تشابهات أو اختلافات بين الأثرين.

ومن فضول القول أنْ نذكر أنّ الحكم في هذا الأمر وتبيّن حقائقه وأبعاده يدفعنا إلى أن نستعرض آراء الباحثين الذّين تفتّقت أذهانهم وثقافاتهم ودراستهم ومطالعتهم عن القول إنّ الكوميديا الإلهيّة فيها آثار شرقيّة إسلاميّة، مرورا بآراء أولئك المفنّدين لهذا القول، وصولا إلى بناء رأي خاصّ، نركن إليه ونتبنّاه في هذه المسألة، ونستجلي الأمور والوقائع في ضوئه (17).

وقبل الدّخول في معترك هذه الآراء والرّؤى والاجتهادات، أرى ضرورة لفت النّظر إلى قضيّتين مهمّتين ستنيران لنا الدّرب في هذه الدّراسة، كما أنّهما تلمّحان إلى قضايا مهمّة ومركزيّة فيها، وقد تقدّمان تعليلا لتلك الجذور المشتركة بين الكوميديا والغفران إنْ وُجدت.

القضيّة الأولى: إنّ العلاقات بين الشّرق والغرب ترجع إلى أزمنة قديمة تمتدّ عبر التّاريخ، وتُعدّ حروب الإسكندر من أبرز الوسائل التّي نقلت تيارات التّأثير المتبادل بين الشّرق والغرب.

وفي العصور الإسلاميّة ازدادت الاتّصالات وتعدّدت المنابر التّي عبرت عليها حضارة المسلمين في طريقها إلى أوروبا، والتّي من أهمّها: الحروب الصّليبيّة، وصقليّة، والأندلس، وحركات التّرجمة (18).

القضيّة الثّانية: إنّ قضيّة النّزول إلى العالم الآخر ليست جديدة، فقد ورد ذلك في كثير من الأساطير السّومريّة (19). كما قد انتشرت فكرة العبور بالقارب إلى عالم الأموات من السّومرييّن والبابلييّن إلى أمم شرقيّة وغربيّة، ودخلت أدب اليونان والرّومان، فظهرت مسرحيّة الضّفادع التّي ألّفها الكاتب اليونانيّ أرسطو فان (20).

وهذه الفكرة تعود مرّة أخرى للظّهور في رسالة الغفران لأبي العلاء المعرّي، ويكون لها ما يكون من ذيوع صيت وشهرة، ثمّ تُستأنف هذه الفكرة مرّة أخرى عند دانتي في الكوميديا الإلهيّة.

وهذا التّشابه البيّن في الفكرة في الأثرين، فضلا عن التّشابهات في الجزيئات أزجى السّاحة النّقديّة في معترك الذّين ادّعوا صلة الملحمة بالآثار الشّرقيّة، والذّين فنّدوا هذا الرّأي.

وقد تعرّض الكثير من الدّارسين والباحثين إلى هذه المسألة في القرن التّاسع عشر بصورة جزئيّة، إلاّ أنّ الدّراسات المفصّلة المنهجيّة قد ظهرت في هذا المجال في أوّل القرن العشرين بكتاب المؤرّخ الفرنسيّ (أ. بلوشيه) وهو (المصادر الشّرقيّة للكوميديا الإلهيّة) المنشور سنة 1901م.

ويرى بلوشيه في كتابه هذا أنّ دانتي قد تأثّر في ملحمته بكتابين منفصلين عن قصّة المعراج، كانا موجودين في الشّرق، وقد كتبا منفصلين في فارس، كتب الأوّل كاتب مزدكيّ في عصر غير محدّد، والآخر كُتب في معراج النّبيّ -صلّى اللّه عليه وسلّم- في حدود القرن الهجريّ الثّاني (21).

ومن ثمّ جاء المستشرق الإسبانيّ القسّ (ميجويل آسين بلاثيوس) ليعلن في كتابه المشهور (فكرة الحشر والنّشر الإسلاميّة في الكوميديا الإلهيّة لدانتي) أنّ للكوميديا الإلهيّة جذور إسلاميّة واضحة وبيّنة، بل تكاد في بعض أجزئها تقوم على تلك الجذور (22).

وقد ذكر (بللور) كذلك أنّ الكوميديا الإلهيّة والمفاهيم الشّعريّة لحياة ما وراء القبر المنبثقة من المسيحيّة قد تأثّرت بالأدب الإسلاميّ، وأنّ دانتي قد تأثّر بها (23).

وفي سنة 1950 أسهم المستشرق الإيطالي (فراسسكو كابريّلي) في المناقشات التّي دارت بين الباحثين بصدد المسألة التّي أثارها المستشرق الإسبانيّ (ميجويل آسين بلاثيوس)، وهي مسألة العلاقة بين ملحمة الكوميديا الإلهيّة لدانتي والمصادر الشّرقيّة الإسلاميّة، وقد ضمّ رأيه بعد دراسة وتحليل إلى رأي بلاثيوس.

وقد تأكّدت مسألة تأثّر دانتي بالتّراث الإسلاميّ بعد أن قام المستشرق الإسبانيّ (ساندينو) والمستشرق الإيطاليّ (إنريكو تشيرولي) بنشر التّرجمات اللاّتينيّة والفرنسيّة لوثيقة معراج محمّد في نفس الوقت دون اتّفاق مسبق عام 1949م. وعُدّت هذه الوثيقة هي الدّليل الحاسم الذّي كان ينقص نظريّة (بلاثيوس) في تأثير التّراث الإسلاميّ على دانتي، وعرف العالم من هذه الوثيقة أنّ ملك إسبانيا ألفونسو العاشر أو المعروف بالعالم أو الحكيم كان قد أمر طبيبا يهوديّا يعمل في بلاطه، ويُدعى (أبراهام الحكيم) بترجمة قصّة المعراج الإسلاميّة من العربيّة إلى الإسبانيّة عام 1263م، وأنّ هذه التّرجمة كانت أصلا لترجمة أخرى إلى اللاّتينيّة والفرنسيّة قام بها مترجم وموثّق إيطاليّ كان يعمل في نفس البلاط، وهو (بونيا فينتورا دى سينا) في العام التّالي، أي في عام 1262م، أي قبل أن يُولد دانتي بسنة واحدة (24).

وقد أثبت المستشرق الإيطاليّ (تشيرولي) أنّ أجزاء من هذه التّرجمات قد دخلت في كثير من مجموعات المخطوطات التّي انتشرت في أوروبا عامّة، ولا سيّما في إيطاليا في هذه الفترة، وأنّها كانت كفيلة بشيوع قصّة الإسراء والمعراج في جميع الأوساط الثّقافيّة الأوروبيّة في عهد دانتي (25).

وقد انتصر الكثير من الباحثين العرب لفرضيّة الجذور الإسلاميّة لملحمة دانتي، ومنهم عفاف بيضون في كتابها ( بين المعرّي ودانتي)، التّي قالت بتأثّر دانتي برسالة الغفران، وعزت طريقة ذلك التّأثر إلى (26):

أوّلا: أنّ عدد المعلّمين الذّين كانوا يدرّسون اللّغة العربيّة، ويترجمون منها إلى اللاّتينيّة كان كثيرا في المدارس الإيطاليّة.

ثانيا: أنّ معلّم دانتي كان قد أُرسل سفيرا في بلاط ألفونسو العاشر، وقد درس اللّغة العربيّة هناك، وعندما رجع إلى إيطاليا ألّف كتابا تكلّم فيه عن النّبيّ العربيّ.

ويبيّن عمر فرّوخ رأيه في مسألة العلاقة بين دانتي والمصادر العربيّة، فيتأرجح بين موقفين أوّلهما: أنّ دانتي متأثّر برسالة الغفران، وثانيهما تأثّره بقصّة المعراج بأسلوب تميّز بالطّابع الإنشائيّ. ثمّ يقول: "يقترب دانتي من لزوميّات المعرّي، ولكنّه اهتمّ بكتابه المشهور رسالة الغفران، وبنى عليه ملحمته المشهورة (الكوميديا الإلهيّة)" (27).

وذلك من دون أن يثبت الصّلة التّاريخيّة بين المعرّي ودانتي، ثمّ يقول في موضع آخر: "رسالة الغفران تنتزع من دانتي فضل السّبق إلى موضوعه" (28).

وأمّا جلال مظهر في كتابه (مآثر العرب على الحضارة الأوروبيّة) (29) ومحمّد غنيمي هلال في كتابه (الأدب المقارن) فقد ذهبا إلى ما ذهب إليه بلاثيوس من تأثّر دانتي بالمصادر العربيّة الإسلاميّة (30)، وفي ذلك يقول محمّد غنيمي هلال: "تأثّر دانته في الكوميديا الإلهيّة بمصادر عربيّة" (31).

أمّا لويس عوض فهو يطرح في كتابه (على هامش الغفران) السّؤال التّالي: "هل اعتمد دانتي في الكوميديا الإلهيّة على ما تعلّمه من قصّة المعراج وحدها، أو أنّه كان على علم أيضا برسالة الغفران" (32).

وهو مقتنع تماما بأنّ دانتي قد تأثّر بقصّة المعراج أوّلا، ثمّ يرجّح أنّ رسالة الغفران للمعرّي كانت في متناول يديّ دانتي، وقد قرأها عن ترجمة لاتينيّة ضائعة، ويعزو ترجيحه هذا إلى "أنّ أوجه الشّبه بينها وبين الكوميديا الإلهيّة أوضح ما يمكن أن يُنسب إلى محض الصّدفة أو توارد الخواطر بين الشّعراء" (33).

أمّا عبد الرّحمن بدوي فيبدو أنّه قد ثبت عنده أنّ كوميديا الإلهيّة متأثّرة بالمصادر الإسلاميّة، فهو يقول: "وإذا أردنا تلخيص الموقف قُلت إنّ مسألة المصادر الإسلاميّة للكوميديا الإلهيّة تتعلّق خصوصا بكتاب المعراج وبالمجموعة الطُّليطليّة، وبسائر الأخبار الأوروبيّة عن الأخرويّات الإسلاميّة، أي أنّ المسألة تتعلّق بكتب عربيّة غير علميّة دخلت في الثّروة الثّقافيّة لأوروبا في القرنين الثّاني عشر والثّالث عشر عن طريق إسبانيا" (34).

ويدعم عبد الرّحمن بدوي هذا الاعتقاد الذّي خلُص إليه بأدلّة وبراهين يستنبطها من أراء (سندينو) وتحقيقات (تشيروللي) و (انريكو) (35).

ويذهب داود سلّوم في دراسته المقارنة بين الكوميديا الإلهيّة ومصادر التّراث الإسلاميّ إلى أنّ هناك وجود علائق واضحة بينهما، وذلك على ضوء استخلاصه لمجموعة من التّأثيرات الشّرقيّة في الملحمة والتّي عنونها تحت العناوين التّالية: الأثر القرآني المباشر، أثر التّصوّف الإسلاميّ، الأثر التّاريخيّ، الأثر الإسلاميّ العام، أثر الحديث النّبويّ، أثر بعض الأعمال الأدبيّة مثل رسالة الغفران (36).

وفي إزاء كلّ ما ذُكر من آراء تدعم نظريّة تأثّر الكوميديا الإلهيّة بالمصادر الشّرقيّة الإسلاميّة، لا نعدم أصواتا تستنكر هذا التّأثر، وترفض هذه النّظريّة جملة وتفصيلا.

ومن الذّين رفضوا هذه النّظريّة المستشرق الإيطاليّ غابرييلي، ومازوني، وراجنا. ففي حين يقبل كلّ منهم فكرة وجود بعض التّشابه بين النّصوص الإسلاميّة والكوميديا الإلهيّة، فإنّهم يرفضون كلّ الرّفض أن يكون ذلك الشّبه مردّه اطّلاع دانتي على الثّقافة الإسلاميّة، وتأثّره بها، وفي الوقت نفسه يخفقون في وضع نظريّة بديلة قادرة على تفسير هذه التّشابهات (37).

كما "أنّ أصحاب هذا الرّأي يضعون أنفسهم في موقف أبعد ما يكون عن إمكانيّة التّبرير، حينما يقبلون بتأثيرات الكتاب المقدّس والمصادر الكلاسيكيّة في الكوميديا الإلهيّة، ولا يرون فيها عناصر تمسّ قدرة الخلق والإبداع عند دانتي، في حين يرون أن تقليده المصادر الإسلاميّة بطريقة فنيّة فيها حريّة، ينتقص من قدراته الإبداعيّة" (38).

وعيسى النّاعوري يرى أنّ الباحثّين العرب الذّين أيّدوا المستشرق الإسبانيّ (بلاثيوس) في دعواه بتأثير رسالة الغفران في الكوميديا الإلهيّة قد دفعهم التعصّب من دون أن يقدّموا حججا منطقيّة على تلك الدعوى (39)، مدعّما رأيه بما نقله من مقدمة حسن عثمان مترجم الكوميديا الإلهيّة إلى اللّغة العربيّة الذّي يقول: "إن الصّلة ضعيفة بين دانتي وأبي العلاء، لاختلاف الطّريقة والمضمون في كلّ منهما" (40). ولكنّ عيسى النّاعوري قد أخفق في تدعيم رأيه بالأدلة، كما لم يستطع أن يفنّد آراء من سبقوه في ذلك.

وبعد؛

وفي ضوء ما سبق فإنّه من الممكن بسهولة قبول الافتراض القائل إنّ دانتي قلّد المسلمين في عمله كما قلّد الكلاسيكيّين، وكما قلّد الكتاب المقدّس، دون أن ينال ذلك من عظمته، بل على العكس، إنّ اطّلاعه على العلوم الإسلاميّة يدل على عبقريتّه العالميّة، إنّه لمن الخطأ أن نجهد أنفسنا لتنفي عن دانتي اطّلاعه على المعراج، بل إنّ ثبوت تأثّر دانتي بالثّقافة العربيّة الإسلاميّة، ودانتي هو الذّي تدين له الآداب الأُوروبيّة في العصر الوسيط بالشّيء الكثير "يوضّح لنا مدى اتّصال التّراث الإنسانيّ، وتشابك علاقاته، ممّا يدعونا لأن نكون أكثر حرية في الأخذ من هذا التّراث اليوم دون أدنى حساسيّة" (41).

والقول إنّ دانتي لم يطّلع على الثّقافة الإسلاميّة، ولم يستفد منها ليس في مصلحة دانتي، كما أنّ التّمسّك بالأمل بألاّ يستطيع أحد أبدا البرهنة على أنّ العلوم الإسلاميّة كانت معروفة في أوروبا بوجه عام، وفي إيطاليا بوجه خاص في زمن دانتي ليس ممّا يخدم عظمة دانتي.

ويثبت عندي وفق هذه الدّراسة المتواضعة أنّ أوّل ترجمة عن المعراج قد ظهرت عام 1264م أي قبل ولادة دانتي بسنة واحدة، وهي سنة 1265م، والكوميديا الإلهيّة على حسب ما هو مرجّح ألّفت ما بين 1302م، 1315م، وجميع الوثائق تشهد أنّ في هذه الحقبة كانت هناك ثلاث ترجمات للمعراج، واحدة باللّهجة القشتاليّة المسمّى الكسلافيّة، والثّانية بالفرنسيّة، والثّالثة باللاّتينيّة، وكلّها كانت منتشرة في أُوروبا (42).

ولا بدّ من أنّ دانتي كان قد اطلّع على إحداها على الأقل، لا سيّما أنّها كانت رائجة جدّا في أُوروبا، ودانتي كما تذكر المصادر رجل طُلْعة، عُرف "بنهمه الشّديد للمعرفة" (43)، وقد كان "دؤوبا على القراءة والدّرس" (44).

وإلى جانب كلّ ما ذكرنا من معطيات خارجيّة تدعم ما أذهب إليه، فإنّ نظرة عجلى على الكوميديا، ولا سيّما في مضامين وصف الجحيم والجنّة تؤكّد ما أذهب إليه؛ فإنّ "وصف الكوميديا للجحيم والجنّة كان متّفقا مع ما جاء في النّصوص الإسلاميّة حول ذلك الموضوع تمام الاتّفاق، ومخالفا لما جاء بالمسيحيّة من مفاهيم" (45) فأنّى لدانتي مثل هذا التّوافق في الوصف؟

أخال أنّ كلّ ما ذُكر يسوقنا إلى تعليل منطقيّ واحد، ألا وهو أنّ دانتي كان مطّلعا بشكل واسع على الثّقافة الإسلاميّة، ولم يكن منجزة بما فيه من تشابهات في القصص والتّفاصيل مع الثّقافة الإسلاميّة مجرّد توارد خواطر، وتشابه قوالب؛ "إذ إنّ واقعة التّأثير تثبتُ بمجرّد رصد ملامح التّشابه التّفصيليّة التّي يُستبعد أن تقوم بمحض الصّدفة، وحتّى ولو لم نستطع كشف كيفيّة وطرق وقوع هذا التّأثير بالوضوح الكافي، وحسبنا في هذا الصّدد أن لا يكون هناك مانع ماديّ أو تاريخيّ حاسم يحول دون إمكانيّة وقوع هذا التّأثير، أي أنّه ما دام التّأثير ممكنا، فإنّ براهينه تكمن حينئذ في تطابق المادّة وتناظر الأصول والتّفصيلات" (46).

وإذا ثبت أنّ دانتي كان مطّلعا على الثّقافة الإسلاميّة -وأظنّه كان مطّلعا بشكل كبير- فهذا قد يكون مسوّغا إلى قبول فكرة أنّ دانتي قد يكون قد اطلّع على مخطوطة مترجمة من كتاب الغفران لأبي العلاء المعّري، فلا شيء ينفي هذا الاحتمال وإن لم يكن هناك ما يدعمه حتّى الآن (47). وحتّى لو عزّ مثل هذا الدّليل حتّى الآن، فيكفينا أن نجزم أنّ كلا من الكوميديا ورسالة الغفران أُستقيتا بشكل واضح من مورد واحد في بنائهما القصصيّ، وهو مورد قصّة المعراج، وما فيه من عجائب (48) وغرائب (49)، وهذا المتح من معين واحد يعلّل هذا التّشابه بين عملين شُهد لهما بالعظمة، وهما: الغفران لأبي العلاء المعرّي، والكوميديا الإلهيّة لدانتي، وإن كان "لأبي العلاء المعرّي فضل الإفادة أدبيّا من التّراث الإسلاميّ قبل دانته" (50).

مقارنة بين الغفران والكوميديا الإلهيّة

يُقال "إنّ واقعة التّأثر تثبتُ بمجرّد رصد ملامح التّشابه التّفصيليّة التّي يُستبعد أن تقوم على الصّدفة، حتّى ولو لم نستطع كشف كيفيّة وطرق وقوع هذا التّأثير بالوضوح الكافي" (51) طبعا هذا فضلا عن اعتراف الكاتب بتأثّره بعمل معيّن، أو شهادة أحد معاصريه عليه.

وهذا يقودنا إلى استجلاء العلائق والملامح المشتركة والفارقة في العملين للوقوف على تأثّر العمل الثّاني بالأوّل، فضلا عن رصد ملامح الاختلاف، وتسجيل بؤر التّشابه ومواطن التّماثل، وصولا إلى الحكم على درجة التّأثّر بينهما.

هذه المواطن: التّشابه والاختلاف نستطيع أن نجملها في طائفتين من الملامح:

1= ملامح التّشابه والاختلاف بين الغفران والكوميديا الإلهيّة.

2= ملامح التّشابه في حوادث بعينها في الغفران والكوميديا الإلهيّة.

أوّلا: ملامح التّشابه والاختلاف بين الغفران والكوميديا الإلهيّة

(1): البناء والشّكل

إذا طفقنا في المقارنة بين رسالة الغفران والكوميديا الإلهيّة وجدنا أنّنا أمام رحلة للعالم الآخر تتميّز بخلوّها من الخوارق (52)، باستثناء الفكرة الأساسيّة للرّحلة التّي تقع في نطاق الخوارق.

ورسالة أبي العلاء تبدأ بنهوض ابن القارح من القبر تلبية لنافخ الصّور، كما لبّى سكّان القبور نافخ الصّور، والفصل فصل عراك وكفاح لهذا الرّجل الذّي يريد منه أن ينتهي إلى الجنّة بعد الشّفاعة والمغفرة. وفي الجنّة يجتمع إلى أهلها وبعض سكّانها، ثمّ يعرّج على النّار، فيتحدّث إلى من لم تشملهم المغفرة.

وأمّا في الكوميديا الإلهيّة فتبدأ الرّحلة في ظلال الشّاعر نفسه في غابة مظلمة لا نور فيها (53). ولولا أنّه أتاه دليل من ذلك العالم هو الشّاعر (فرجيل) لكان نصيبه الهلاك الأبديّ، فيزوران معا جهنّم التّي امتلأت بالأثمة والمغضوب عليهم، ثمّ ينتهيان إلى الأعراف أو المطْهر، ثمّ يُنعم اللّه عليهما بدخول الجنّة، وتذوّق طوباها.

والظّاهر من ما ذكر أنّ الرّسالتين تتشابهان في البناء والجوهر، ولكنّ هذا التّشابه قد يقلّ أو يزول أو يتنافر عندما تتوالى الصّور.

والجدير بالذّكر أنّ الكوميديا متناسقة البناء، مترابطة الأجزاء، يعتمد فيها السّابق على اللاّحق، وقد جعل دانتي الإنسان فيها مع الدّنيا والآخرة والعالم واللّه في بؤرة واحدة، كما ألغى فوارق الزّمان والمكان، ومزج بين الأسطورة والتّاريخ، وبين الواقع والخيال (54).

(2): الأسلوب

وأمّا من جهة الأسلوب فرسالة الغفران رسالة نثريّة أفسد من جمالها الغلوّ اللّغويّ، والبحث النّحويّ، وشيء من التّكلّف، وهي تعتمد على اقتباس كثير، واستشهاد كثير.

"واصطناع الأسلوب القصصيّ التّعليميّ الفكه محمولا على الخيال المبدع والسّخرية اللاّذعة، والاستقصاء الأدبيّ الجامع، هو أسلوبه في رسالة الغفران" (55)، وهو "يؤثّر الصّعوبة والمتانة والتّعمق اللّغويّ والسّجع ولزوم ما يلزم، والتّفننّ اللّفظي والمعنويّ، وحشد المعرفة" (56).

والتّعقيد اللّغوي هو الميزة الأسلوبيّة للمعرّي في رسالته، وهذا ليس بالجديد عليه، فهو يُعدّ زعيم مذهب التّصنّع في زمنه (57) في إزاء عصر شهد تطوّرا حضاريّا، "وغدت الكتابة فيه -كسائر فنون العصر- معقّدة في قواعدها وأساليبها" (58). ولعلّ التّعقيد له أكثر من مسوّغ في أدب المعرّي، فهو من جهة حبيس بيته لخمسين سنة، فماذا يفعل في خلال ذلك؟ "سوى الفزع إلى ضروب العبث في فنّه، وإنّها لضروب تؤدّيه إلى التّعقيد اللّغوي" (59) كما أنّ هذا التّعقيد ضرب من ضروب بحثه عن طريق تجعله يتفوّق على معاصريه (60)، كما أنّ ثقافته الواسعة واطّلاعه على الغريب والشّاذ، وتعمّقه في النّحو واللّغة جعلته يجنح إلى توظيف ذلك الرّصيد الضّخم في كتابه (61)، وما يجده غيره غريبا، قد يجده المعرّي "غير غريب بالنّسبة إلى زمانه وإلى من كتب إليه؛ لأنّ التّاريخ لم يحدّثنا أنّ أحدا طلب من أبي العلاء أن يفسّر له شيئا من كلامه" (62). ويذهب سليم الجندي إلى أنّ التّعقيد في اللّغة عند المعرّي قد يكون توجّها مقصودا؛ "ليستر تحته ما يريد من غمر أو تهكّم أو سخرية" (63).

"وفي رسالة الغفران معرض نادر الصّور في التّاريخ الفكريّ للسّخرية العقلية من العقول المرقّعة، والسّخرية جسر ممتدّ بين الواقع والمفترض، وبين المكانيّ الموحل، والزّمنيّ المصعّد" (64). ولا شكّ أنّ هذه السّخرية هي مظهر من مظاهر النّقد التّي يسلك بها طريقا خفيّة وباطنة؛ ليتجلّى موقفه من كثير من الأمور. "ذلك أنّ أبا العلاء يسلك في هذه الرّسالة إلى النّقد مسلكا خفيّا، لا تكاد تبلغه الظّنون" (65). وفي كثير من أحداث الرّسالة نجد سهام سخرية أبي العلاء موجّهة نحو الأدباء؛ "ولعلّ المعرّي أراد أن يسخر من عالم الأدباء في رسالته، وقد أصاب ذلك إصابة محكمة" (66).

وهذه السّخرية امتدّت لتشمل بطل القصّة ابن القارح، فنراه يدخل الجنّة على ظهر جاريّة فاطميّة، وفي مكان آخر يحاول أن يستجلب رضى سادن الجنّة بالنّفاق، وبنظم قصيدة في مدحه.

ولعلّ أبا العلاء أراد من ذلك أن يعرّض بالحياة التّي كان يحياها ابن القارح، وبتملّقه للحكّام، وباستغراقه في أصناف المتع الحسّيّة (67).

وفي كلّ الرّسالة كان المعرّي مستطردا استطرادا متشعّبا "يغلب عليه طابع السّجع ويصعب معه على القارئ أن يتابع تسلسل الأفكار وتطوّرها؛ لأنّ أبا العلاء في رسالته يخلط كثرا من المسائل بقضايا لغويّة، وشروح متعدّدة، يعرض بها آراءه على لسان من يستحضرهم من الشّعراء للاستجواب في محكمته الأدبيّة المتنوّعة الأغراض والأهداف" (68).

ولعلّ المعرّي أراد من الاستطراد التّعمية على أفكاره، وتلوينها لدفع السّأم الحاصل من كثرتها، ولعلّه استجابة غير واعية لثقافة غزيرة، أو بسبب إملائه لفقدان بصره (69).

أمّا الشّعر فقد كان حاضرا في الرّسالة وهو يؤدّي أدوارا مهمّة في نسيج العمل، فمن جهة يقوم بوظيفة استعراضيّة للبطل تدعيما لبطولته القصصيّة، وإثباتا لتميّزه عن الأدباء الآخرين من أهل الجنّة (70). كما أنّه مولّد للسّرد داخل كل المشاهد التّي قام عليها النّص (71)، كما انّه يستخدم للتّسلية واللّهو في مجالس الجنّة (72).

والحقيقة أنّ تنوّع الأساليب وتداخلها ضمن النّسيج السّرديّ، جعل الكثير يحار في تجنيس الرّسالة، ففي حين اتّفق الجُلُّ على أنّها ليست رسالة بالمعنى الاصطلاحيّ، عدّها البعض قصّة (73)، في حين عدّها آخرون شكلا من أشكال الرّواية (74)، ونزعت طائفة ثالثة إلى إدراجها تحت فنّ المسرحيّة بسبب غناها بالحوار، والتّقسيمات إلى مشاهد (75).

أمّا الكوميديا الإلهيّة لدانتي فتعتمد على لغة دقيقة محدّدة، لا زخرف ولا صناعة في شعره، وكلماته دقيقة مختارة، وأسلوبه موجز مركّز (76).

كما أنّ دانتي يجعل شعره "فيّاضا بالحياة: بالمفاجأة، والاقتراب التّدريجيّ من الهدف، وبالضّوء، واللّون، والصّوت، والحركة، والحوار. واستخدم الاستعارة والتّشبيه والرّمز بفنّ عظيم. ولم يتّخذ رموزه من المعاني المجرّدة، بل من الأحياء الذّين يشعرون ويتكلّمون ويتحرّكون، ومن الحيوانات والنّباتات ومظاهر الطّبيعة" (77).

والسّخرية تظهر بشكل واضح في الكوميديا، وقد تكون مبطّنة أو ظاهرة على السّطح، ولا سيّما "عندما يتعلّق الأمر بالبابوات الذّين حشرهم في الدّرك الأسفل من جهنّم، وكذلك عندما يتحدّث عن خصومه السّياسيّين، والحكّام الطّغاة" (78).

(3): الرّاوي

في رسالة المعرّي كان هناك انفصال ظاهريّ بين الرّاوي وبطل الرّسالة (القصّة = ابن القارح)، ولكنّ المعرّي توخّى "في تقديم قصّة الغفران طريقة في الرّؤية متميّزة استطاع من خلالها أن يسوق الكلام على لسان راو غير مشارك في الأحداث، إلاّ أنّه عليم بالظّواهر، والمكنونات، فهو يذكر الأفعال والأقوال ويصف الأحوال. وبهذا يتماهى في أكثر الأحيان مع المعرّي ويضطلع بدور بارز في التّوسّط بين القرّاء والكون الممثّل في مختلف عناصره" (79).

أمّا في الكوميديا الإلهيّة فالرّاوي مندغم بالبطل، فكلاهما واحد، ويكون السّرد بلسان البطل = الرّواي. وهذا الرّاوي البطل هو الذّي ينقل الأحداث، ويصف المشاهد، ويتدخّل في كثير من الحوار.

(4): الوصف

وأمّا الوصف فقد كان في رسالة دانتي غنيّا جدّا، مكتظّا بالصّور المبتكرة والمنقولة، حتّى كأنّ الشّاعر لم يترك مسموعا ولا منقولا إلاّ عكسه على جحيمه، بينما أبو العلاء قد قلّ النّقل في وضعه؛ "لأنّ بصره يخونه في هذا المجال" (80).

بينما الصّفات المعنويّة عند دانتي أغزر. "وقد كان المنطق يفرض العكس؛ لأنّ الأعمى أكثر إدراكا للصّور المعنويّة التّي يحسّها بعقله وقلبه دون بصره" (81).

(5): الشّخصيّات

الشّخصيّات عند أبي العلاء المعرّي ثلّة محدودة، اصطفاها الشّاعر من عالم الشّعراء والأدباء دون سواهم، "وكأنّما هذا الاصطفاء اعتراف منه بأنّ النّاس الذّين يحبّ أن يعودوا في الحياة هم هؤلاء النّاس" (82).

ويبدو أنّ هؤلاء وأولئك كانوا يتمتّعون بالحريّة الشّخصيّة إلى أبعد الحدود، فهم لم ينسوا أهواءهم وأنفسهم وأنانيّتهم، بل هم يغضبون أو يرضون أو يتمرّدون.

والمعذّبون عنده يتلوّون من الألم، ولكنّ ذلك على وتيرة واحدة، في حين المعذّبون في جحيم الكوميديا قد احتفظوا بجميع مشاعرهم وعواطفهم التّي تبدو واضحة في تعبيرات القوّة والقسوة والضّغينة المتفجّرة في أساريرهم (83).

وقد ملأ المعرّي جحيمه بعدد ضخم من الرّجال والنّساء، والمسلمين والمسيحيّين، والجاهلين، والشّرفاء، والوضعاء، الأغنياء، والفقراء، لكنّهم كانوا في الغالب أدباء أو شعراء أو علماء؛ "لأنّ هدفه الرّئيسيّ من رحلته كان إجراء لون من النّقد الأدبيّ واللّغويّ" (84).

أمّا الكوميديا الإلهيّة فالشّخصيّات فيها متنوّعة، والخلق فيها يشبهون الخلق في الدّنيا، ففيهم الكسالى، والمبذّرون، والأغنياء، والخبثاء، والطّغاة، والظّلاّم، والغاضبون، والفاسقون، والمتملّقون، والمتاجرون بالدّين والفضيلة، . . . الخ. وبذا نجد أنّ الشّخصيّات في الكوميديا تفوق الشّخصيّات في الغفران عددا وتنوّعا.

والشّخصيّات في توزيعها المكانيّ في الجحيم أو في الجنّة تتميّز بخاصيّة بارزة، فهم عند المعرّي جماعات صغيرة، تدور كلّ منها حول جنس أدبيّ معيّن، والأمر سيّان في الجنّة. أمّا في الجحيم فهم على العكس من ذلك يبدون أفرادا مشتّتين أو معزولين عن غيرهم.

في حين أنّ الشّخصيّات في جحيم دانتي تعيش جماعات صغيرة، أو متفرّقة، وفي الجنّة مجتمعة في طوائف.

وكلّ من المعرّي ودانتي له معيار خاصّ في توزيع الشّخصيّات على الجحيم أو على الجنّة. ويتميّز المعيار الذّي يعتمد عليه أبو العلاء بوضع شخصيّاته في الجحيم أو الجنّة بالسّعة والرّحمة واللّطف وتحرّر النّظرة بل ويتقدّم في تلك السّعة على دانتي؛ لأنّه غفر لأشخاص غير مؤمنين، لعمل منهم صالح أو قول حسن، "ممّا كان يصطدم بلا شكّ بمنظور الفقهاء الذّين يرون في دخول أُناس معروفين بكفرهم أو فسوقهم الجنّة زندقة لا تُغتفر" (85). ولعلّ تأويل عظم سعة رحمة أبي العلاء، وتقدّمه بها على رحمة دانتي لأنّه "رجل فكّر منذ فكّر بالتّسامح والإنسانيّة" (86). في حين يعتقد دانتي بالنّكال الأبديّ والعذاب السّرمديّ.

واللاّفت للنّظر أنّ دانتي كان قاسيا على العُشّاق، وعلى الغواني اللّواتي اشتهرن بجمالهنّ، فقد حشرهنّ في النّار، وكان من المتوقّع أن يكون أرقّ حالا معهم، لا سيّما أنّه عاشق عتيد، بل إنّ عشقه (لبياتريس) الجميلة كان المحرّك الأعظم في إنشائه للكوميديا الإلهيّة، ولكن يبدو أنّ وجهة نظر الكنيسة والدّين المسيحي تجاه الزّنى قد جعلته يتّخذ هذا الموقف الحادّ من العاشقين والجميلات.

ولكنّنا في المقابل، نجد دانتي يتسمّح أُسوة بأبي العلاء، ويتصوّر نجاة أبطاله من عذاب الجحيم، ومنهم الشّعراء والوثنيون والمسلمون وغيرهم، فيضع في المطهر قيصر وسقراط وأفلاطون وأرسطو وفرجيل وشيشرون وسينيكا إلى جوار ابن سينا وابن رُشد وصلاح الدّين الأيّوبيّ، ثمّ يرقّي ببعض هؤلاء إلى الجنّة، ويبقي الآخرين في المطهر. كما نجد أنّ ميوله وأهواءه السّياسيّة تحدّد أيضا إدانته لبعض رجال الكنيسة من عصره، وإدخالهم نار السّعير، ومنهم أمراء مسيحيّون، ساء مصيرهم عند دانتي، لا لعقيدتهم الدّينيّة، وإنّما لممارستهم للأعمال العامّة على غير هواه.

والشّخصيّة المركزيّة في رسالة الغفران، وهي شخصيّة ابن القارح يستخدمها المعرّي ليجمع حولها الشّخصيّات الأخرى بسماتهم الإنسانيّة، وعقليّاتهم، ورواسبهم النّفسيّة (87). والأمر ذاته في الكوميديا الإلهيّة حيث تلعب الشّخصيّة الرّئيسيّة، وهي شخصيّة دانتي نفسه دور الرّابط بين كلّ الشّخصيّات، إذ يمرّ بها جميعا، ويصفها، ويعرض أحوالها، وقد يناقشها، أو يسعد لمصيرها أيّا كان، أو يشمت بعذابها، أو يمطرها بوابل سخريته.

وقد رصدتُ سلوكا خاصّا للمعرّي مع شخصيّاته في الغفران ولم أجد له مثيلا في الكوميديا الإلهيّة، فنجد المعرّي يعوّض الشّخصيّات عن محن الدّنيا بمقابل سخيّ في الآخرة (88). فيذكر في هذا المعرض قصّة حمْدونة، وقصّة توفيق السّوداء، ففي القصّة الأولى يقول المعرّي على لسان حمْدونة التّي تكلّم ابن القارح:

"أتدري من أنا يا عليّ بن منصور؟ فيقولُ: أنت من حور الجنان اللّواتي خلقكُنّ اللّه جزاء للمتّقين، وقال فيكُنّ: "كأنّهنّ الياقُوتُ والمرْجان" (89)، فتقول: أنا كذلك بإنعام اللّه العظيم، على أنّي كنتُ في الدّار العاجلة أُعرفُ بـ "حمدونة"، وأسكن في باب العراق بحلب، وأبي صاحب رحى، وتزوّجني رجل يبيع السّقط (90)، فطلّقني لرائحة كرهها فيّ، وكُنتُ من أقبح نساء حلب، فلمّا عرفتُ ذلك زهدتُ في الدّنيا الغرّارة، وتوفّرتُ على العبادة، وأكلتُ من مغزلي ومرْدني. فصيّرني ذلك إلى ما ترى" (91).

أمّا في القصّة الثّانية فتوفيق السّوداء، تغدو بيضاء مثل الكافور، بعد أن كانت في الحياة الدّنيا سوداء.

"وتقول الأخرى: أتدري من أنا يا عليّ بن منصور؟ أنا توْفيقُ السّوداء التّي كانت تخدُمُ في دار العلم ببغداد على زمان أبي منصور محمّد بن عليّ الخازن، وكنتُ أُخرجُ الكتب إلى النّسّاخ.

فيقول: لا إله إلاّ اللّه، لقد كنت سوداء فصرت أنصع من الكافور، وإن شئت القافور (92)، فتقول: أتعجبُ من هذا؟ والشّاعر يقول لبعض المخلوقين:

لو أنّ منْ نوره مثقال خرْدلة

في السُّود كُلّهمُ، لابْيضّت السُّودُ (93)

وترى عائشة عبد الرّحمن أنّ محنة أبي العلاء في فقد بصره هي التّي أملت عليه عمليّة التّعويض في الآخرة عن محن الدّنيا (94). في حين يرى فوزي محمّد أمين أنّ عمليّة التّعويض هذه ليست إلاّ وسيلة من وسائل أبي العلاء في العبث بصاحبه (ابن القارح) (95).

وترد في الغفران قصص عن الجنّ والملائكة، فقد "مرّ ابن القارح بمدائن الجنّ في الفردوس، فزارهم، وسمع من أشعارهم، فإذا أشعارهم بلغت من غرابة اللّفظ والأسلوب، مبلغا يخيّل إلى سامعها أنّه كلام الجنّ حقّا" (96).

والملائكة كذلك يرد ذكرهم، بل إنّهم يشاركون في الأحداث شخوصا تتكلّم وتناقش وتفسّر وتعذّب. وهذا الوجود لمثل تلك الكائنات الفوق طبيعيّة مثل الملائكة والجنّ له شبيه في الكوميديا الإلهيّة، حيث العوالم المتداخلة، والإنسان والملائكة والرّبّ والكائنات.

والطّريف في الأمر أنّنا نجد الغفران تعجّ بالملائكة والجنّ، ثمّ نلتفتُ إلى صانعها أبي العلاء فنجد كثيرا من شعره يدلّ "على أنّ إيمانه بوجود الملائكة والأرواح الخبيثة الشّريرة من الجنّ لم يكن إيمانا صريحا مؤكّدا. ولم يحمله ما ورد في القرآن الكريم من نصوص صريحة تثبتُ وجود هذه الكائنات على الاعتقاد اليقينيّ بوجودها؛ فإنّ عقله المفكّر في الكائنات، وتجاربه الطّويلة في الحياة لم تثبت وجودها، ولم تساعده على الاعتقاد بها، أليس هو القائل:

قد عشتُ عمرا طويلا ما علمتُ به

حسّا يُحسُّ لجنّي ولا ملك (97).

(6): الغرض

الغرض الرّئيسيّ من رسالة أبي العلاء هو غرض ذاتيّ هو إجراء لون من ألوان النّقد الأدبيّ واللّغويّ، بالإضافة إلى هدف آخر ثانويّ هو مقاومة الفكرة السّائدة لدى العلماء في عصره، الذّين يضيّقون فسحة الدّين، واستبدلها بفكرة أخرى وهي أنّ رحمة اللّه وسعت كلّ شيء (98).

أمّا الكوميديا الإلهيّة فهي فسحة تتّسع للأسطورة والكون والوجود، ولا تقتصر على الأفكار اللّغويّة والأدبيّة، بل تشمل جملة معارف عصرها. كما أنّها جمعت بين الشّعر والخيال والفلسفة والواقع، كلّ ذلك في جوّ إنسانيّ رفيع سجّل به ما تحسّ الإنسانيّة من طموح ويأس، وشقاء واضطراب، وألم وندم.

ثانيا: ملامح التّشابه في حوادث بعينها في الغفران والكوميديا الإلهيّة

وإلى جانب الملامح العامّة السّابقة نستطيع أن نلمح صورا من التّشابه إلى درجة التّطابق بين الكوميديا والغفران، نذكر منها على سبيل الذّكر لا الحصر:

(1)

من قبيل هذا النّوع من التّشابه لقاء ابن القارح بآدم عليه السّلام في الجنّة؛ حيث نرى أنّ موضوع الحديث الرّئيسيّ بينهما هو اللّغة الفطريّة الأولى التّي كان يتحدّث بها أبو البشر؛ فيقول آدم: "إنّما كنتُ أتكلّم بالعربيّة وأنا في الجنّة، فلمّا هبطتُ إلى الأرض نُقل لساني إلى السّريانيّة فلم أنطق بغيرها إلى أن هلكتُ. فلمّا ردّني اللّه سبحانه إلى الجنّة عادت عليّ العربيّة" (99).

كذلك يلتقي دانتي في السّماء الثّامنة بآدم، حيث يكون موضوع الحوار الرّئيسيّ بينهما هو أيضا اللّغة التّي كان يتحدّث بها أبو البشر خلال إقامته في جنّة الأرض (100). هذا مع اختلاف اللّغات التّي ذكرها المعرّي بطبيعة الحال.

(2)

وعندما يعود ابن القارح من الجحيم تلقاه الحوريّة المكلّفة بخدمته، فتلومه برقّة على تأخّره، وتصحبه في نزهة في حدائق الجنان. وهذا نفس ما تفعله الحسناء (ماتيلدى) مع دانتي حيث تلقاه باسمة عاتبة عند دخوله غابة الفردوس الأرضيّ، وتجيب على أسئلته بلطف ومهارة، ويمضي في نزهته معها حتّى تقع عيناه على كوكبة من الحسان اللاّتي يحطن بحبيبته (بياتريس) وهي تهبط من السّماء للقائه، كما وقعت عينا ابن القارح من قبله على كوكبة مماثلة من الحوريّات وهنّ يُحطن بحبيبة امرئ القيس التّي خلّد ذكرها في شعره (101).

= = =

الهوامش

(1) وقد شُهر هذا القارحيّ الحلبيّ السّندباديّ بلقب دوخلة، كما عُرف بسوء السّمعة والنّفاق.

(2) محمّد رمضان الجربي: الأدب المقارن، ط1، منشورات EIGA، مالطا، 2002، 128.

(3) طه حسين وآخرون: تعريف القدماء بأبي العلاء، ط1، الهيئة العامّة للكتاب، 1986، 189.

(4) طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، ط8، دار المعارف، القاهرة، [د.س]،224.

(5) نفسه، 223.

(6) "الغول اسم لكلّ شيء من الجنّ يعرض للسّفار، ويتلوّن في ضروب الصّور والثّياب، ذكرا كان أو أنثى، إلاّ أنّ أكثر كلامهم على أنّه أنثى، والعرب تزعم أنّ الغول تتصوّر في أحسن صورة إلاّ أنّه لا بدّ أن تكون رجْلُها رجل حمار، وتزعم كذلك أنّ شقّ عينيها بالطّول": الجاحظ، أبو عثمان عمرو بن بحر، (ت 255هـ)، الحيوان، تحقيق عبد السّلام هارون، ط1، مكتبة مصطفى البابي وأولاده، القاهرة، 1938،ج 6، 158 + 214.

(7) "ابن القارح هو عليّ بن منصور بن طالب الملقّب بدوخلة، قال عنه من شاهده ببغداد، كان شيخا من شيوخ الأدب راوية للأخبار، وحافظا لقطع كثيرة من اللّغة والأشعار، عالما بالنّحو، وقد درس ابن القارح على شيوخ اللّغة في الشّام وبغداد، وتكسّب بالتّعليم في الشّام ومصر": ياقوت الحموي، أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الحمويّ، (ت 626هـ)، معجم البلدان أو إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب، ج 4، ط1، دار الكتب العلميّة، بيروت، 1991، 330 – 331.

(8) شوقي ضيف: الفنّ ومذاهبه في النّثر العربيّ، ط4، دار المعارف، القاهرة، 1965، 276.

(9) محمّد غنيمي هلال: الأدب المقارن، ط3، دار العودة، بيروت، 1983، 230.

(10) نفسه، 149.

(11) دانتي: الكوميديا الإلهيّة، ترجمة حنّا عبّود، ط1، وزارة الإعلام، دمشق، 2002، المقدّمة، 30.

(12) انظر تفسير ذلك. محمّد غنيمي هلال: الأدب المقارن، 147 – 148.

(13) دانتي: الكوميديا الإلهيّة، ترجمة حنّا عبّود، المقدّمة، 21.

(14) يذكّرنا هذا التّصوّر بوجود جهنّم في باطن الأرض بأسطورة هاديس، وهو إله الظّلام والموت وباطن الأرض عند اليونانيّين، كما يُسمّى (بلوتو). ويبدو أنّه كان سعيدا في مملكته السّوداء القاتمة، فلم يكن يغادرها إلاّ قليلا وهو متخفّ بخوذته التّي تجعله غير مرئيّ: لطفي خوري: معجم الأساطير، ج2، ط1، وزارة الثّقافة والإعلام، بغداد، 1990،230.

(15) بياتريس أو بياتريتشى، هي ابنة فولكو بورتينارى من أثرياء فلورنسا، أحبّها دانتي، ولكنّها تزوّجت من سيمون دى باردي الثّريّ، ثمّ ماتت في شرخ الصّبا، فحزن دانتي، وبكاها حتّى مرض، وخلّدها برائعته الإلهيّة، دانتي: الكوميديا الإلهية، ترجمة حسن عثمان، الجحيم، المقدّمة، 21 – 22.

(16) انظر ترجمته عند: دانتي: الكوميديا الإلهية، ترجمة حسن عثمان، ط2، دار المعارف، القاهرة، 2002، الجحيم، المقدّمة، 13 – 77؛ مصطفى آل عيال: دانتي، ط1، دار المعارف، مصر، 1956، 14 – 104؛ بول ارّيغي: الأدب الإيطاليّ، ترجمة هنري زغيب، ط1، منشورات عويدات، بيروت، 1988، 15 – 21؛ الكردينال فرنان شينتو: دانتي المربّي العبقريّ، ترجمة إلياس سعد غالي، ط1، المطبعة البوليسيّة، جوفيه، 1967، 40 –92.

(17) حكمة على الأوسي: التّأثير الإسلاميّ في كوميديا دانتي: قصّة نظريّة صارت حقيقة تاريخيّة كبرى، مجلّة مجمع اللّغة العربيّة الأردني، مجلّد 23، عدد 57، عمّان، 1999، 11 – 34.
(18) طه ندا: الأدب المقارن، ط1، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة، 1987، 251-254.

(19) انظر: صموئيل كريمر: ألواح سومر، ترجمة طه باقر، ط1، مكتبة المثنّى، بغداد، 1956، 261.

(20) هذه مسرحيّة هزليّة ساخرة يسافر فيها أحد الآلهة إلى العالم الثّاني بغرض استرجاع أحد كتّاب المأساة العظام بعد أن خلت أثينا من كتّابها الكبار.

(21) انظر: عبد المطّلب صالح: دانتي ومصادره العربيّة والإسلاميّة، الموسوعة الصّغيرة، 7، ط1، منشورات وزارة الثّقافة والفنون، بغداد، 1978، 5 – 22.

(22) صلاح فضل، تأثير الثّقافة الإسلاميّة في الكوميديا الإلهيّة لدانتي، ط2، مؤسّسة شباب الجامعة، الإسكندريّة، 1985، 38 – 42.

(23) انظر: عبد المطّلب صالح: دانتي ومصادره العربيّة والإسلاميّة، 22 – 33؛ حكمة علي الأوسي: التّأثير الإسلامي في كوميديا دانتي، 18 – 21.

(24) عبد المطّلب صالح: دانتي ومصادره العربيّة والإسلاميّة، 24؛ حكمة علي الأوسي: التّأثير الإسلاميّ في كوميديا دانتي، 33 – 35.

(25) صلاح فضل، تأثير الثّقافة الإسلاميّة في الكوميديا الإلهيّة لدانتي، 38.

(26) ما يرد من كلام هو نقل عن كتاب عبد المطّلب صالح: دانتي ومصادره العربيّة والإسلاميّة، 45 – 48، أمّا الكتاب الأصليّ وهو (بين المعرّي ودانتي) لعفاف بيضون فقد أعيتني السّبل بحثا عنه دون فائدة.

(27) عمر فرّوخ: حكيم المعرّة، ط1، دار الكشّاف، بيروت، 1948، 120 – 125.

(28) نفسه.

(29) انظر جلال مظهر: مآثر العرب على الحضارة الأوروبيّة، ط1، مكتبة الأنجلو الأمريكيّة، القاهرة.

(30) انظر محمّد غنيمي هلال: الأدب المقارن، 149 – 159.

(31) نفسه، 152.

(32) لويس عوض: على هامش الغفران، ط1، دار الهلال، القاهرة، 1966، 141.

(33) نفسه، 142.

(34) عبد الرّحمن بدوي: دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي، ط3، دار القلم، بيروت، 1979، 65.

(35) انظر: عبد الرّحمن بدوي: دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي، 68+112؛ وانظر صلاح فضل: تأثير الثّقافة الإسلاميّة في الكوميديا الإلهيّة لدانتي: 39 – 42.

(36) انظر: داود سلّوم: الأدب المقارن في دراسات المقارنة التّطبيقيّة، ط1، مؤسّسة المختار للنّشر والتّوزيع، القاهرة، 2003، 286 – 302؛ انظر: صلاح فضل: تأثير الثّقافة الإسلاميّة في الكوميديا الإلهية لدانتي، 46-51؛ انظر: عبد الرّحمن بدوي: دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي، 56 – 95.

(37) حكمة علي الأوسي: التّأثير الإسلاميّ في كوميديا دانتي، 28 – 29؛ محمّد غنيمي هلال: الأدب المقارن، 153.

(38) حكمة علي الأوسي: التّأثير الإسلاميّ في كوميديا دانتي، 30.

(39) عيسى النّاعوري: أدباء من الشّرق والغرب من الأدب المقارن، ط1، منشورات عويدات، بيروت، 1996، 13 – 35.

(40) دانتي: الكوميديا الإلهيّة، ترجمة حسن عثمان: الجحيم: المقدّمة، 61.

(41) عبد السّميع المصريّ: الثقافة الإسلامية والكوميديا الإلهيّة، مجلّة العربي، ع 266، الكويت، 1981، 178؛ انظر: حكمة علي الأوسي: التّأثير الإسلاميّ في كوميديا دانتي، 37 –38؛ انظر عبد المطّلب صالح: دانتي ومصادره العربيّة الإسلامية: 40 – 44.

(42) صلاح فضل: تأثير الثّقافة الإسلاميّة في الكوميديا الإلهيّة لدانتي، 40 – 44.

(43) عبد السّميع المصريّ: الثقافة الإسلامية والكوميديا الإلهيّة، مجلّة العربي، ع 266، الكويت، 1981، 178.

(44) انظر حكمة علي الأوسي: التّأثير الإسلاميّ في كوميديا دانتي، 33 – 35.

(45) صلاح فضل: تأثير الثّقافة الإسلاميّة في الكوميديا الإلهيّة لدانتي، 52.

(46) نفسه: 70.

(47) محمّد غنيمي هلال: الأدب المقارن، 23.

(48) " يتحدّد جنس العجيب أو العجائبيّ إذ قرّر القارئ أنّه ينبغي قبول قوانين جديدة للطّبيعة، يمكن تفسير الظّواهر بها". تزفيتان تودوروف: مدخل إلى الأدب العجائبيّ، ترجمة الصّديق بو علاّم، ط1، دار شرقيّات، القاهرة، 1994، 49.

(49)" يتحدّد جنس الغريب أو الغرائبيّ إذ قرّر القارئ أنّ قوانين الطّبيعة تظلّ سليمة، وتسمح بتفسير الظّواهر الموصوفة": تزفيتان تودوروف: مدخل إلى الأدب العجائبيّ،87.

(50) محمّد غنيمي هلال: الأدب المقارن، 230.

(51) صلاح فضل: تأثير الثّقافة الإسلاميّة في الكوميديا الإلهيّة لدانتي، 70.

(52) الخوارق: الخارق: "كلّ ما خالف العادة، ويطلق على ما يجاوز قدرة الإنسان، مثل قدرة بعض الأفراد على الاتّصال بعالم الغيب أو قدرتهم على قراءة الأفكار، أو اتّصافهم بسرعة الكشف والإلهام، وهو لا يخالف كونه مرادا للّه" جميل صليبا: المعجم الفلسطينيّ، جزء (2)، ط1، دار الكتاب اللّبناني، بيروت، 1971، 513.

(53) انظر: دانتي: الكوميديا الإلهيّة، الجحيم، ترجمة حسن عثمان، الأنشودة الأولى.

(54) دانتي: الكوميديا الإلهيّة، الجحيم، المقدّمة، ترجمة حسن عثمان، 64.

(55) محمّد الشّريقي: أسلوب المعرّي ومنهاجه، مقالة ضمن كتاب المهرجان الألفي لأبي العلاء المعرّي: مطبوعات المجمع العلميّ العربيّ في دمشق، 1945، 220.

(56) نفسه: 220.

(57) شوقي ضيف: الفنّ ومذاهبه في النّثر العربيّ، 280.

(58) عمر الدّقّاق: ملامح النّثر العبّاسيّ، ط1، دار الشّرق العربي، بيروت، [-199]، 390.

(59) شوقي ضيف: الفنّ ومذاهبه في النّثر العربيّ، 269.

(60) نفسه: 269.

(61) أبو العلاء المعرّي: رسالة الغفران، تحقيق علي شلق، ط1، دار القلم، بيروت، 1975، 11.

(62) سليم الجندي: نواحي التّجديد والتّقليد في نثر أبي العلاء المعرّي، ط1، دار أسامة للنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 1999، 124 – 125.

(63) نفسه: 124.

(64) أبو العلاء المعرّي، (ت 449هـ)، رسالة الغفران، تحقيق علي شلق، ط1، دار القلم، بيروت، 1975، 15.

(65) طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، 221.

(66) مصطفى آل عيال: دانتي، 95.

(67) فوزي محمّد أمين: رسالة الغفران بين التّلميح والتّصريح، ط1، دار المعرفة الجامعيّة، الإسكندريّة، 1993، 36.

(68) أبو العلاء المعرّي: رسالة الغفران، تحقيق مفيد قمحة، ط1، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 1984، 14.

(69) عدنان عبيد العلي: المعرّي في فكره وسخريته، ط1، دار أسامة للنّشر والتّوزيع، عمّان، الأردن، 1999، 108.

(70) ألفت كمال الرّوبي: تحوّل الرّسالة وبزوغ شكل قصصيّ في رسالة الغفران، فصول، مجلّد 13، عدد 3، القاهرة، 1994، 87.

(71) نفسه: 88.

(72) نفسه: 88.

(73) انظر مقالة: ألفت كمال الرّوبي: تحوّل الرّسالة وبزوغ شكل قصصيّ في رسالة الغفران، فصول، مجلّد 13، عدد 3، القاهرة، 1994، 72 – 93.

(74) أحمد الطّويليّ: رهين المحبسين أبو العلاء المعرّي، ط1، دار بو سلامة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، تونس، 1981، 18.

(75) عائشة عبد الرّحمن: جديد في رسالة الغفران، نصّ مسرحيّ من القرن الخامس الهجري، ط1، دار الكتاب العربي، بيروت، 1972، 89 – 223.

(76) دانتي: الكوميديا الإلهيّة، الجحيم، حسن عثمان، المقدّمة، 66.

(77) نفسه: 66.

(78) دانتي: الكوميديا الإلهيّة، ترجمة حنّا عبّود، المقدّمة، 14.

(79) محمّد القاضي: جدليّة النّصّ السّرديّ في رسالة الغفران للمعرّي، علامات في النّقد، مجلّد 31، عدد 2، سنة 1999، 107.

(80) خليل الهنداوي: بين المعرّي في رسالة الغفران ودانتي في الكوميديا الإلهيّة، العربي، عدد 23، الكويت، 1960، 114.

(81) خليل الهنداوي: بين المعرّي في رسالة الغفران ودانتي في الكوميديا الإلهيّة، العربي، ع 266، الكويت، 1981، 115.

(82) نفسه: 115.

(83) مصطفى آل عيال: دانتي، 97.

(84) صلاح فضل: تأثير الثّقافة الإسلاميّة في الكوميديا الإلهيّة لدانتي، 73.

(85) نفسه: 74.

(86) خليل هنداوي: بين المعرّي في رسالة الغفران ودانتي في الكوميديا الإلهيّة، العربي، عدد 23، الكويت، 1960، 115.

(87) أحمد الطّويليّ: رهين المحبسين أبو العلاء المعرّي، 18.

(88) الطّريف في الأمر أنّ أبا العلاء الذي كان يؤمن بالتّعويض في الآخرة، كان قد سلف له أشعار تذكر إنكاره للبعث والنّشور إذ يقول:
ضحكنا وكان الضّحكُ منّا سفاهةوحقّ لسكّان البريّة أن يبكوا
تحطّمـنا الأيّـامُ حتّـى كأنّنـازجاج ولكن لا يُعادُ له سبْكُ
ويقول في موضع أخر:
ما أطيـب المـوت لشُرّابـهإن صحّ للأموات وشْكُ التقاء
ويعجب عبد الكريم الخطيب من هذا الموقف لأبي العلاء المعرّي الذّي يقفه من الشّكّ واليقين: عبد الكريم الخطيب: رهين المحبسين أبو العلاء المعرّي بين الإيمان والإلحاد، ط1، دار الفكر العربي، [د.م.]، [-19]، 67.

(89) سورة الرّحمن، آية 59.

(90) السّقط: ما لا خير فيه من كلّ شيء، أو هو رديء المتاع.

(91) أبو العلاء المعرّي: رسالة الغفران، تحقيق عائشة عبد الرّحمن، 287.

(92) القافور: وعاء طلع النّخل.

(93) أبو العلاء المعرّي، (ت 449هـ)، رسالة الغفران، تحقيق عائشة عبد الرّحمن، ط10، دار المعارف، القاهرة، [د.س]، 287.

(94) عائشة عبد الرّحمن: جديد في رسالة الغفران نصّ مسرحيّ من القرن الخامس الهجريّ، 60.

(95) فوزي محمّد أمين: رسالة الغفران بين التّلميح والتّصريح، 120.

(96) طه حسين: تجديد ذكرى أبي العلاء، 223.

(97) حامد عبد القادر: فلسفة أبي العلاء مستقاة من شعره، ط1، مطبعة لجنة البيان العربي، القاهرة، 1950، 122؛ انظر: عطا بكري: أثر كتاب المعراج على الكوميديا الإلهيّة، مجلّة العربي، ع 106، الكويت، 1967، 150.

(98) صلاح فضل: تأثير الثّقافة الإسلاميّة في الكوميديا الإلهيّة لدانتي، 73.

(99) أبو العلاء المعرّي: رسالة الغفران، تحقيق عائشة عبد الرّحمن، 361.

(100) دانتي: الكوميديا الإلهيّة، الفردوس، ترجمة حسن عثمان، ط2، دار المعارف، القاهرة، 2002، النّشيد السّادس والعشرون، أبيات 79 – 91.

(101) أبو العلاء المعرّي، (ت 449هـ)، رسالة الغفران: أبو العلاء المعرّي، تحقيق عائشة عبد الرّحمن، ط10، دار المعارف، القاهرة، [د.س]، 373.

D 1 آذار (مارس) 2008     A سناء شعلان     C 0 تعليقات