أنت في : الغلاف » الأعداد الشهرية: 01-120 » السنة 2: 13-24 » العدد 22: 2008/03 » أنا وخالي: سلسلة قصصية للصغار

آمـال يـحـيــاوي - الجزائر

أنا وخالي: سلسلة قصصية للصغار

الرسمات المرافقة للنص للكاتبة


رسمة لآمال يحياوي

رامي طفل صغير، وسيم ومهذب، عمره ست سنوات، يدرس بالصف الأول في مدرسة الحرية للبنين، يعيش مع والدته السيدة نهلة، تعمل ممرضة بمشفى حكومي، وشقيقته الصغرى رهف، عمرها أربع سنوات وتدرس بالقسم التحضيري، في مدرسة النور للبنات.

قبل عام توفي والد رامي في حادث عمل. والده طيار بارع، لكن شاءت مشيئة الله أن تأخذه إلى رحمته. حزنت العائلة الصغيرة كثيرا لهذا المصاب الجلل، وتأثرت للفراغ الذي أحدثته وفاة الأب. لكن الله تعالى برحمته الواسعة، لا يضيع أحدا من عباده، فأرسل للعائلة السند والعوض، متمثلا في خال رامي، حسان، لاعب كرة القدم المشهور، عمره خمسة وعشرون عاما، انتقل للعيش مع شقيقته الكبرى ليساعدها في تخطي الأزمة التي ألمت بها.

رامي يحب خاله كثيرا ويعتبره مثله الأعلى، كما يسعى حسان لإحاطة رامي بعطفه وحنانه، ليعوضه عن حرمانه المبكر من حنان الأب.

بعد التدريبات في النادي الرياضي للفريق الذي يلعب له حسان، ينتقل إلى بيت شقيقته، ويقضى بقية يومه برفقة رامي وشقيقته رهف، كما يخرج معه إلى ملعب الحي ليدربه وصديقيه هاني وأمين، وهكذا يمضي اليوم حافلا بالمغامرة واللعب والأوقات السعيدة. وفي المساء تجتمع العائلة على مائدة العشاء، قبل أن يذهب كل واحد إلى فراشه ليخلد للنوم.

وخلال يومياتهم، يقوم حسان بتوجيه رامي وتقويم تصرفاته، ويعتمد في ذلك على الحكايات، أين يقص عليه كل مرة قصة مشوقة هادفة، من عالم الحيوانات المثير، فيتعلم صديقنا رامي من أخطائه، لتنمو شخصيته برعاية خاله الحنون حسان.

استمع للفقرة الأخيرة من المقدمة أعلاه بصوت آمال يحياوي. اضغط على زر التشغيل. تأكد أن السماعات تعمل.

قصة أنا وخالي: مقطع صوتي

= = =

لا تلعب معنا

يعيش رامي في حي سكني يتوسط المدينة، تحيط به حدائق خضراء وملعب كبير في الناحية الشمالية للعمران. يقضي فيه الأطفال أوقات الفراغ في اللعب والمرح. يحتوي ملعب الحي على ملاعب صغيرة متفرقة؛ ملعب لكرة القدم، ملعب لكرة الطائرة وآخر لكرة السلة، بالإضافة لمساحة صغيرة خصصت لألعاب القوى.

بعد الدوام المدرسي يسرع رامي مع صديقيه هاني وأمين إلى الملعب، وينتظرون بلهفة مجيء حسان، ليدربهم ويلعب معهم رياضتهم المفضلة: كرة القدم.

لكن هذا اليوم على غير العادة، جاء رامي غاضبا وتوجه لأمين قائلا بلهجة حاسمة: "هيا يا أمين انصرف، لن تلعب معنا بعد الآن."

اندهش أمين من تصرف صديقه. ماذا فعل ليغضب منه بهذه الطريقة؟ فسأله حائرا: "ولكن لماذا؟ ماذا فعلت لك؟ أخبرني."

أبدى رامي لامبالاته وهز كتفه قائلا: "هكذا. لا أريدك أن تلعب معي."

وكذلك قال هاني: "رامي معه حق، لا نريدك أن تلعب معنا يا أمين، هيا انصرف."

شعر أمين بالحزن، وآلمته رغبته الجامحة وحبه الشديد للعب، فحاول استعطافهما قائلا:

"ولكني أريد اللعب معكما، أرجوكما."

لكنّ الصبيين أصرا على رأيهما، فقال رامي: "أنت بطيء جدا وتعرقل لعبنا وكثيرا ما تسببت في سقوطنا بسبب اندفاعك الخشن."

وأضاف هاني: "هذا صحيح، أنت سمين. ابحث لك عن لعبة أخرى. كرة القدم لا تناسبك. هيا انصرف يا أمين"

حزن أمين وتملكه اليأس، فطأطأ رأسه خائبا، وانسحب راكضا وقد اغرورقت عيناه بالدموع، وتركهما قائلا: "أنتما قاسيان."

لم يكترث رامي لكلامه، وعاد يحدث صديقه هاني ويلعب معه، ثم اهتز لدى رؤية خاله حسان قادما من بعيد، فاندفع إليه يقبله ويسلم عليه. وبدفء داعبه حسان وسلم على هاني أيضا. لكنه لاحظ غياب أمين فسأل عنه. لحظتها انحنى رامي محرجا ولم يجبه، فألح حسان وقد خشي أن يكون قد أصابه مكروه. فكرر سؤاله:

"ما به أمين؟ هل أصابه مكروه؟ هل هو مريض؟"

أجابه رامي بنبرة خافتة: "لا."

رسمة لآمال يحياوي

أدرك حسان أن في الأمر سرا ما، فجلس على كرسي ودعا الصبيين للجلوس بجانبه. داعبهما وعاود سؤاله بلطف أكثر قائلا: "أخبراني الآن ماذا حدث معكما."

وبعد تردد تشجع رامي وأخبره بقصة طرده لصديقه أمين، فاندهش حسان وسأله: "ولكن لماذا طردته؟"

أجابه رامي: "لأنه بدين جدا، يزعجنا عندما نلعب. إنه سمين وثقيل، ودائما يدفعنا بعنف فنسقط ونتألم بسببه."

فهم حسان أخيرا لب المشكلة، وحزن لأجل أمين. أكيد أنه يتألم الآن لوحده.

لاحظ رامي شرود خاله فقال:

"أنا لم أخطئ، صح؟ أنا حر، ألعب مع من أريد. أليس كذلك؟"

نظر إليه حسان نظرة لوم وقال: "لكن أمين صديق طفولتك، وأنت تعرف أنك بهذا التصرف قد تخسر صداقته."

اطرق رامي يقلب كلام خاله، لكنه أضاف بحزم: "لا يهم، يمكنني أن ألعب مع هاني، مع مروان، مع ياسر. لدي الكثير من الأصدقاء."

صمت حسان وأخذ نفس عميقا. أحاط الصبيين بذراعيه وقال: "سأقص عليكما قصة جميلة من عالم الحيوانات الساحر، وأريدكما أن تنصتا لي بتمعن. أبطال القصة، أرنب، سلحفاة، قنفذ وسنجاب."

شد حسان انتباه الصبيين حين بدأ يحكي قائلا:
في غابة خضراء بعيدة، يعيش سكانها الحيوانات حياة سعيدة لا يعكر صفوها شيء، كل يوم تطير الطيور مزقزقة، وتخرج السناجب من جحرها وتتسلق الأغصان، وتنط الأرانب محركة آذانها الطويلة في حذر شديد وتتقدم الغزلان والبقر الوحشي في قطعان متجمعة، تزحف الأفعى بمكر، ويقفز القردة في لهو ومرح.

في تلك الأجواء العامرة بدفء الطبيعة الخلاب، اجتمع أرنب سريع مع سنجاب صغير، وسلحفاة بطيئة، وقنفذ ذو شوك حاد، وشكلوا مجموعة صغيرة، وتعاهدوا على الصداقة والوفاء، وهكذا كانوا يقضون جل وقتهم في العمل معا، ويشتركون في البحث عن الرزق واقتسامه بعدل وإنصاف، فسادت بينهم المحبة والألفة، وأمضوا أيام الربيع في خير وسلام.

رسمة لآمال يحياوي

وذات يوم والربيع يغادر الغابة تاركا مكانه لفصل الصيف، أقام السنجاب حفلة بمناسبة عيد ميلاده، دعا إليها صديقيه الأرنب والسلحفاة. فحضر الأرنب السريع وأخذ مكانه على الطاولة، وتأخرت السلحفاة البطيئة كعادتها، وقد أثقلها حمل الهدية.

رحب السنجاب برفيقيه، ودعاهما للجلوس والبدء في الاحتفال. وقبل أن يأخذ مكانه سمع طرقا خفيفا على الباب، فأسرع إليه وقال:

"من الطارق؟"

رسمة لآمال يحياوي

فوجد عند عتبة بيته صديقه القنفذ يحمل هدية بين يديه وابتدره مبتسما:

"عيد ميلاد سعيد يا صديقي السنجاب، أنت لم تدعوني، ربما نسيت، لكني لم أنس عيد ميلادك، كل سنة وأنت بخير."

وهم بالدخول، لكن السنجاب منعه قائلا: "لا تدخل. لقد تعمدت عدم دعوتك."

اندهش القنفذ وقال: "ماذا؟ ولكن لماذا؟"

قال السنجاب: "ستفسد علينا الحفلة بسبب شوكك الحاد، ولن نتمكن من الرقص والغناء على راحتنا، بيتي صغير كما ترى، وستؤذيننا بشوكك إن رقصت معنا."

انحنى القنفذ حزينا وعاد أدراجه خائبا، وقد ترك الهدية عند عتبة الباب.

رسمة لآمال يحياوي

مضت أيام على الحادثة واجتمع الأرنب والسنجاب والسلحفاة في الغابة، وجلسوا يتباحثون أمر غياب القنفذ وقد بدا الحزن واضحا على محياهم.

قالت السلحفاة: "مضى وقت طويل لم أر فيه صديقنا القنفذ، إني أفتقده."

وقال الأرنب: "وأنا أيضا افتقده."

عندها قال السنجاب: "كل ذلك بسببي، لقد طردته من منزلي."

لكن الأرنب أعقب قائلا: "كان ذلك خطأنا جميعا، نسينا طيبة قلبه الكبير، وحكمنا عليه بسبب شوكه."

أضافت السلحفاة باكية: "آه أيها القنفذ الطيب، كم أفتقدك! لن أنسى عندما ساعدتني في حمل الأثقال."

وأضاف الأرنب حزينا: "وأنا لن أنسى فضلك عندما ساعدتني في حفر جحري."

وقال السنجاب أيضا: "لن أنسى فضلك يا صديقي، كنت تساعدني في فتح حبات الجوز بشوكة من شوكك."

وقالوا جميعا بصوت باكٍ: "يا صديقنا القنفذ لن ننسى ابتسامتك الدافئة، عد أرجوك، سامحنا."

وبعد لحظات من الصمت الحزين قالت السلحفاة: "لا بد ألا نظل مكتوفي الأيدي، يجب أن نبحث عنه، فقد يكون قد تعرض لمكروه، وهو بحاجة إلينا."

أومأ الأرنب والسنجاب بالقبول، وأخذ الثلاثة ما يكفيهم من مؤونة، وانطلقوا في رحلة بحثهم عن صديقهم الوفي.

رسمة لآمال يحياوي

وفي الغابة بعد مسيرة طويلة، جلس الأصدقاء لأخذ قسط من الراحة، لكنهم توجسوا ريبة لحركة غير عادية تنبعث من العشب، وفي لمح البصر ظهر لهم ثعلب ماكر، وهم بالانقضاض عليهم، فأسرع السنجاب وتسلق جذع الشجرة، ودخلت السلحفاة لترسها، وبقي الأرنب يرتجف من الخوف، وقد وجد نفسه محاصرا، فأغمض عينيه منتظرا نهايته الوخيمة.

مضت لحظات حرجة على الجميع قبل أن تندفع كرة شوك قادمة من الأعلى، وتنقض على الثعلب لتخزه بشوكها، فصرخ ملتاعا من شدة الألم وانطلقا هاربا إلى أدغال الغابة.

رسمة لآمال يحياوي

تفتحت كرة الشوك المتكومة على نفسها، وظهر صديقهم القنفذ، ففرح الجميع، ونزل السنجاب من الشجرة، وأخرجت السلحفاة رأسها وأطرافها من ترسها، وفتح الأرنب عينيه وقد زال عنه الخطر، واندفعوا جميعا يحتضنون صديقهم القنفذ وقالوا بصوت واحد:

"نحن نحبك يا قنفذ، سامحنا."

رسمة لآمال يحياوي

ابتسم القنفذ وقال:

"طبعا أسامحكم، وهل لدي ما هو أغلى منكم؟"

فرح الجميع وعادوا إلى ديارهم سعداء، وعاهدوا أنفسهم ألا يفرق بينهم شيء، وأن يظلوا متحدين إلى الأبد.

"والآن أحبائي ما رأيكم؟" قال حسان. وقد لاحظ ملامح الحزن بادية على الصبيين، فوجد الفرصة مناسبة ليوضح لهما سوء تصرفهما فقال:

"هل أدركتم الآن معنى الصداقة الحقيقية؟ الصداقة ليست بشكل أصدقائنا، بل بما يحمله صفاء قلوبهم."

قال رامي وقد أدرك خطأه: "معك حق يا خالي."

واصل حسان حديثه قائلا: "والآن، ألم تخطئا في حق صديقكما أمين؟ ألم يكن يلعب ويمرح معكما؟ ألم يكن يحزن لحزنكما؟ تذكر يا رامي، لم يكن أمين يفارقك وتجده دائما معك؟ وأنت يا هاني ألم يبعد عنك أمين أذى الأطفال الأكبر منك؟"

أجهش الصبيان بالبكاء، وقالا معا: "معك حق. أمييييييين، سامحنا."

قال حسان: "حسنا، لنذهب إذاً لمنزل أمين، لتعتذرا له عما بدر منكما، هيا."

وفي منزل أمين، وبعد أن دق حسان جرس الباب، فتحت أم أمين فبادرها بالتحية قائلا:

"مساء الخير سيدتي."

ردت عليهم: "مساء الخير، مرحبا بكم، أنت السيد حسان، لاعب الكرة المشهور. أمين يحبك كثيرا ويتابع كل مبارياتك على الشاشة. آه، أهلا بك هاني، أهلا رامي. كيف حال أمك؟ تفضلوا بالدخول، تفضلوا."

"شكرا سيدتي."

وفي الصالة سأل حسان عن أمين فأخبرته أمه أنه في غرفته، وقالت له:

"دخل منذ ساعة تقريبا، وهو لا يريد أن يكلم أحدا، سأدعوه لكم."

"لا يا سيدتي، أفضل أن نذهب نحن إليه، إذا سمحت."

"طبعا، تفضلوا، من هنا غرفته، سأحضّر بعض العصير."

وفي غرفته كان أمين ممددا على سريره، غارقا في البكاء يحتضن كرة القدم. دخل عليه حسان وحياه قائلا:

"مرحبا أمين، كيف حالك؟"

انتفض أمين وقال بفرح: "السيد حسان؟"

لكنه عندما شاهد رامي أدار وجهه غاضبا وقال: "لماذا جئت إلى هنا؟"

تردد رامي، لكن حسان هزه وشجعه، فتقدم محرجا وقال:

"أنا آسف يا صديقي، حقا أنا آسف، لقد تصرفت معك بقسوة، لكن صدقني لم أكن أقصد ذلك. أنا أحبك وأريد أن نبقى صديقين رغم كل ما حدث."

تشجع هاني أيضا وقال:

"أنا آسف، إني خجل من نفسي، ولا أدري ماذا أقول، لكن صدقني، أنا بصدق آسف."

نظر أمين مندهشا إلى صديقيه، وأحس بندمهما، فلمع بريق الصداقة في نظراته، وشعر بالسعادة. ابتهج محياه ومسح دموعه وقال:

"وأنا أيضا أحبكما."

عندها نظر الصبيان بفرح لبعضهما ورفعا رأسيهما لحسان، فابتسم لهما. وللحظة اندفع الأصدقاء وتعانقوا بحرارة ليفيض صفاء الصداقة بقلوبهم جميعا. وفي تلك الأثناء انطلق صوت أم أمين من الصالون وهي تقول:

"العصير جاهز يا أولاد."

فقفز الأطفال وقالوا بصوت واحد:

"هيا."

ومن يومها أدرك الأطفال قيمة الصداقة الحقيقية والتي لا تقدر بثمن.

D 1 آذار (مارس) 2008     A آمال يحياوي     C 0 تعليقات

مرفقات

  • رسمة لآمال يحياوي
  • رسمة لآمال يحياوي
  • رسمة لآمال يحياوي

بحث




5 مختارات عشوائية

1.  سوبر ستار

2.  كلمة العدد 19: خطوة مهمة على طريق الجودة والتميز

3.  دلالات الماء في شعر عبد الكريم الطبال

4.  المرآة المعكوسة

5.  ناجي العلي: مقتطف من الأزمنة العربية


القائمة البريدية